رهان التجريب أين وصل في المسرح العربي

التجريب المسرحي ارتبط بظهور الحداثة بوصفها فعالية تقترن بالابتكار والتجديد، ونقض المألوف وكسر المسلمّات.
الاثنين 2019/12/09
مسرح الصواري البحريني توغّل عميقا في التجريب

منذ ما يزيد عن نصف قرن والمسرحيون العرب يتداولون مصطلح “التجريب المسرحي”، بحماسة، أكثر من أقرانهم المشتغلين في حقول فنية أخرى. وتُوجّت هذه الحماسة بتأسيس مهرجان مسرحي سنوي، هو “مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي” عام 1988.

ولم يشأ منظموه منذ البداية أن يضعوا تعريفا محددا لمفهوم التجريب حتى لا يحدّوا من أفقه، ويظل قادرا على التحديث، وتضمين كل جديد فيه، واكتفوا بالإشارة إلى أن التجريب كان وسيظل سمة لصيقة بالمسرح على نحو خاص، وبالفن على نحو عام، وبه تتناغم العلاقة بين الفن والحياة، والقضايا المتجددة التي تفرض نفسها من خلال الحركة الاجتماعية الدائبة.

ولعل أغلب المشتغلين في المسرح ودارسيه ومؤرخيه على دراية بأن التجريب المسرحي، في مفهومه العام، رافق فن المسرح منذ نشأته في الحضارات القديمة، وتواصل مع التطورات الثقافية والابتكارات العلمية التي شهدها عصر النهضة، خاصة “الكوميديا دي لارتي” في إيطاليا، التي أطلقت للممثلين حرية الخلق والابتكار، وقدّمت أسلوبا جديدا في العرض الملهاوي، ثم مع طريقة فرقة الدوق الألماني جورج الثاني المعروف بـ”دوق ساكس مينينغن”، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، التي تجاوزت أحلام السابقين بمحاولتها البحث عن حل للتناقض بين المناظر المرسومة وحركة الممثل الحي داخلها، وألغت فكرة الممثل النجم حين جعلته يؤدي دور البطل في إحدى المسرحيات، ثم دورا ثانويا في مسرحية لاحقة.

أما التجريب المسرحي، في مفهومه الخاص، فقد نشأ في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وارتبط بظهور الحداثة، بوصفها فعالية تقترن بالابتكار والتجديد، ونقض المألوف، وكسر المسلمّات، وهدم الأنموذج على صعيد الرؤية والتقنية.

وأقرّ بعض مؤرخي المسرح أن ليلة العاشر من ديسمبر، قبيل انتهاء القرن التاسع عشر بأربعة أعوام، كانت ليلة تاريخية على مسرح “الأوفر” بباريس، حيث وجّهت خلالها فوهة مدفع ثقيل إلى نبض أرسطو، والبناء الذي شيّده للدراما عندما عرض ألفريد جاري مسرحية “الملك أوبو”، تلك المسرحية المجنونة التي قال عنها الروائي الفرنسي أندريه جيد، “إنها الشيء الخارق للعادة الذي لم ير المسرح مثله منذ وقت طويل”، ووصفها الشاعر والكاتب المسرحي الأيرلندي ويليام بتلر ييتس بأنها “علامة أنهت مرحلة كاملة في الفن”. وكان عرض هذه المسرحية بالفعل ثورة فنية كبيرة تمخضت عنها الاتجاهات التجريبية في المسرح العالمي، كالتعبيرية، والسريالية والطليعية.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين أبان العديد من كبار المسرحيين والنقاد الغربيين عن رؤاهم للتجريب المسرحي وأهميته، كلّ حسب اجتهاده وتجربته. وحاول بعضهم وضع تعريف له، وتحديد معناه فنيا وفكريا، لكنه ظلّ عصيا على تعريف جامع مانع.

ويبدو لي أن المخرج والناقد الإنكليزي جيمس روس إيفانز قد حسم الأمر بقوله، “أن تكون تجريبيا يعني أن تقوم بغزو المجهول، وهذا شيء لا يمكن التأكد منه إلا بعد حدوثه”. ومن الواضح أن إيفانز لم يكوّن رأيه هذا إلا بعد أن خاض غمار التجريب لسنوات طويلة، وقدّم العديد من العروض ذات الطابع التجريبي.

وبعد نحو أربعة عقود طرح ريتشارد شيكنر، المخرج والمنظّر الأميركي المخضرم، تصوّرا مقاربا، في دلالته، لتصوّر إيفانز حين قال، “إن المسرحي التجريبي هو الذي يظل دوما يخترق الحدود ذهابا وعودة، وإن الحدود ليست مادية فقط، بل هي مادية وفكرية في الوقت نفسه، إذ ثمة أمكنة وأزمنة يتعيّن فيها علينا أن نعبر هذه الحدود؛ أن نفكر في ما قد لا يخطر على بال، أو ما قد لا يصدّقه عقل، وأن نمثّل في عوالم الخيال ليس فقط ما يحدث الآن، بل أيضا ما سوف يحدث مستقبلا، فالتجريب الفني يتأسّس على التجسيد، وتوظيف الرمز والاستعارة، واللعب على كل أوتار الخيال البشري، بهدف دفع الحدود مسافة أبعد، وتوسيع الآفاق، ومساءلة العقائد القائمة وتحديها، ولإظهار كيف يمكن للناس العبور مرارا وتكرارا، جيئة وذهابا، بين الفعلي والمتخيل إلى ما لا نهاية”.

لكن المسرحيين العرب لم يركنوا إلى هذين التصوّرين، ولا إلى غيرهما من التصوّرات التي طرحها مسرحيون مجرّبون ومنظّرون كبار في العالم، بل أمعنوا في سجالاتهم حول دلالة التجريب المسرحي، أو تعريفه في أكثر من مناسبة. وردا على كل ما قيل اعترض منظّر “الاحتفالية” عبدالكريم برشيد على الخلط بين مصطلحي “المسرح التجريبي” و”التجريب المسرحي” في العالم العربي، عادّا إياهما مصطلحين متقاربين في اللفظ، ومتباعدين في المعنى، ورأى أن هذا الخلط ناتج عن التباس غذّى وهما كبيرا وخطيرا في الساحة المسرحية العربية الحديثة، مفاده وجود ما يسمى “المسرح التجريبي”، في حين لا يمكن أن يكون له وجود حقيقي أبدا.

كما ذهب برشيد إلى أنه لا وجود لتجريب جاد وعملي لا تسبقه الفرضيات النظرية، ولا يمكن أن ينتهي إلى نتائج تجري صياغتها في قوانين نظرية أيضا، ولا وجود لتجريب يشكّك في جدوى قوانين المسرح الكائن، من غير أن تكون له القدرة على التنبؤ بالمسرح المُمكن، ولا على اقتراح المسرح الآخر.

وانطلاقا من ذلك فإن فعل التجريب في المسرحي العربي ظلّ، حسب برشيد، مجرد رفض فوضوي لكل شيء، وتشكيك عدمي في أساسيات الفعل المسرحي، واستهلاك للتجريب المسرحي المستورد. لا بل ذهب أبعد من ذلك حينما اتّهم التجريب المسرحي العربي، من دون استثناء، بأنه لعب دورا تخريبيا بامتياز، وأفقر المسرح، ولم يضف إليه إلا الادعاءات الفارغة، وحاول أن يقيم عروضه المسرحية على أساس الاختزال.

إلا أن هذا الاتهام لا يخلو، في رأيي، من تجنٍّ على عدد غير قليل من المسرحيين العرب، في تونس، العراق، سوريا، مصر، لبنان، المغرب، والبحرين، الذين قدّموا أعمالا تجريبية، منذ سبعينات القرن الماضي، أسهمت في تطوير المسرح العربي وازدهاره.

15