رهان تونس على الاقتصاد التضامني يتزايد لكبح ارتفاع مستوى البطالة

القانون يواجه حملة تشكيك واسعة، حيث اعتبرت أوساط اقتصادية أن القانون سيظل فاقدا للفاعلية نظرا إلى عدم التطبيق الفعلي للبرامج الحكومية وتخبط البلاد في مربع الأزمات.
الاثنين 2020/06/22
سئمنا الانتظار

تزايد رهان تونس على الاقتصاد التضامني لكبح مستويات البطالة التي قفزت إلى مستويات قياسية بعد مصادقة البرلمان على قانون يهدف إلى تحقيق التوازن بين المتطلبات الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، لكن خبراء شككوا في المضمون الذي حمل تناقضات تتضارب مع قوانين أخرى فضلا عن التشكيك في جدواه بالنظر إلى كثرة المشاريع التي تبقى رهن النظريات دون تنفيذ فعلي.

تونس - علق التونسيون آمالا في تحسين أوضاعهم بعد المصادقة على قانون للمواءمة بين الجدوى الاقتصادية والتضامن الاجتماعي غير أن الشكوك واجهت البرنامج على اعتباره مفرغا من أهدافه نظرا إلى التناقضات التي يحملها إضافة إلى الضبابية السائدة في ظل المؤشرات السلبية وتراجع الإنتاج والنمو.

صادق مجلس النواب التونسي (البرلمان) الأربعاء على قانون الاقتصاد التضامني بعد توافق أغلب الكتل النيابية، ويهدف هذا القانون الذي اقترحه الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد) إلى تحقيق التوازن بين متطلبات الجدوى الاقتصادية وقيم التضامن الاجتماعي.

وتقول الحكومة إن تونس تعول على هذا البرنامج لتكريس العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات وتحقيق النمو واستبدال الأنظمة الاقتصادية الفاقدة للقيم الاجتماعية، ويهدف القانون إلى تحقيق التنمية المستدامة والتوازن بين مختلف المحافظات والنهوض بسوق العمل في القطاعات التقليدية والمستحدثة من خلال تنمية أنشطة مبتكرة.

أكرم بالحاج رحومة: القانون يتضارب مع الأحكام التي تحمي المؤسسات الناشطة
أكرم بالحاج رحومة: القانون يتضارب مع الأحكام التي تحمي المؤسسات الناشطة

وواجه القانون حملة تشكيك حيث اعتبرت أوساط اقتصادية أن القانون رغم المبادئ التي نص عليها نظريا فهو سيظل فاقدا للفاعلية نظرا إلى عدم التطبيق الفعلي للبرامج الحكومية وتخبط البلاد في مربع الأزمات الأمر الذي ينفي كل محاولات خلق فرص عمل في ظل التوترات السياسية وانعدام النمو والإنتاجية.

وقال أسامة عويدات عضو المكتب السياسي لحركة الشعب (مكون في الائتلاف الحكومي) لـ”العرب”، إن “القانون سيتيح الفرصة للعاطلين عن العمل لإطلاق مشاريعهم بطرق ميسرة وسهلة في مجالات وقطاعات عديدة”.

وأضاف أن “هذه المشاريع ستوسع قاعدة الشبان من أصحاب المشاريع، وتنمي الطاقة التشغيلية ما سيمكن من تقليص البطالة وجلب الاستثمارات”.

ورغم برامج الحكومات المتعاقبة لدعم سوق العمل، لا يزال كثير من التونسيين لا يشعرون بتحسن الأوضاع الاجتماعية، بل يقولون إنها ازدادت سوءا بسبب تفاقم البطالة، التي ظلت عند حدود 15.3 في المئة قياسا بنحو 11 في المئة في 2010.

ولم تتجاوز نسبة النمو في تونس في 2019 الواحد في المئة فيما توقع صندوق النقد انكماش الاقتصاد بنسبة 4.3 في المئة في 2020.

ويحمّل مراقبون وخبراء مسؤولية ارتفاع البطالة للحكومات المتعاقبة التي فشلت في إخراج الاقتصاد من دائرة العجز المزمن جراء سوء السياسات والخيارات الاقتصادية فضلا على التجاذبات السياسية.

وأشار أسامة عويدات إلى أن “الحكومة ستصدر أوامر تطبيقية إلى جانب مناشير تفسيرية لتنظيم عملية التراخيص والقيام بحملات تحسيسية لتشجيع الناس على الانخراط في البرنامج”.

وتتوجه منظومة الاقتصاد التضامني والاجتماعي إلى مؤسسات القطاع العام والمؤسسات الناشطة في السوق الرأسمالية، إلى جانب منظمات المجتمع المدني المحلية والممولين الدّوليّين ونقابات العمال والمنظمات الممثلة للعاطلين عن العمل.

ورصد الخبير الاقتصادي أكرم بالحاج رحومة في تدوينة على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك اختلالات ونقائص تضمنها القانون بقوله إن “القانون لم يميز الذوات المعنوية في دائرة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني واشترط عليها الحصول على علامة مؤسسة الاقتصاد الاجتماعي وهذا الأمر لا يستقيم واقعا
وقانونا”.

وكشف الخبير عن تناقضات كبيرة في القانون بقوله إن “تخصيص نسبة 15 في المئة من المخصصات في شكل احتياطات وجوبية إلى أن تبلغ نسبة 50 في المئة من نسبة رأس مال المؤسسة المعنية وتخصيص نسبة 5 في المئة من المخصصات كحد أقصى للأنشطة الاجتماعية يتضارب مع مجموعة من الأحكام الخاصة والأكثر حماية للمؤسسات الناشطة”.

ويرى خبراء أن بقاء مستوى البطالة عند نفس المستوى منذ 9 سنوات يثبت أن إصلاحات سوق العمل لم تتمكن من إطفاء آثار إجراءات التقشف وخفض الإنفاق والدعم والأجور والرسوم والضرائب التي فرضت لمعالجة الاختلالات في التوازنات المالية.

واكتنفت الضبابية خطط الحكومات حيث إنها سعت دون جدوى للخروج من عباءة منظومة العمل القديمة، التي تقوم على العمالة غير الكفوءة، التي كانت من بين الأسباب التي أدت إلى زيادة معدلات البطالة في السنوات الأخيرة إلى جانب التوترات السياسية.

أسامة عويدات: البرنامج سيتيح الفرصة للعاطلين لإطلاق مشاريعهم بسهولة
أسامة عويدات: البرنامج سيتيح الفرصة للعاطلين لإطلاق مشاريعهم بسهولة

وصعدت المؤسسات المالية الدولية، بما فيها البنك الدولي مؤخرا من ضغوطها على تونس للإسراع في السيطرة على معدلات البطالة في السوق المحلية عبر زيادة الزخم للنمو الاقتصادي الهزيل.

وأقرّت تونس في السنوات الماضية إجراءات ومبادرات لتشجيع القطاع الخاص على توظيف خريجي الجامعات، في ظل عجز القطاع العام عن امتصاص جزء من البطالة بسبب ارتفاع عدد الموظفين الحكوميين، لكنها لم تفلح في تحقيق أهدافها.

وتظهر البيانات أن نحو 52 في المئة من التونسيين يعملون في قطاع الخدمات وقرابة 18 في المئة منهم في قطاع الصناعات المعملية، في حين يعمل 15 في المئة من التونسيين في الصناعات غير المعملية. أما قطاع الزراعة والصيد البحري فيمتص نحو 14 في المئة من عدد العاطلين.

وكان المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) قد صنف تونس ضمن المركز 78 دوليا لعام 2020 على مؤشر البطالة من بين أكثر من 180 بلدا حول العالم، ما يعني أنها لا تزال بعيدة جدا عن الطموحات.

وفي ظل هذه الضبابية والمؤشرات السلبية يترقب التونسيون طرح الحكومة في نهاية يونيو برنامجا سيحدد الأولويات القادمة للإنعاش الاقتصادي.

وتسيطر الشكوك داخل الأوساط الاقتصادية في فاعلية البرامج الحكومية نظرا إلى معضلة تراكم الديون حيث يتوقع أن تصل ديون تونس بنهاية هذا العام إلى 94 مليار دينار (32.3 مليار دولار)، أي ما يعادل 75.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، لكن البعض يرجح أن تتجاوز ذلك السقف.

وكان رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ قد أعلن مؤخرا أن حكومته اتخذت قرارا بعدم اللجوء إلى التداين الخارجي والتعويل على موارد الدولة الخاصة وهي تحترم كل تعهداتها في ما يتعلق بصرف الرواتب، رغم الوضعية المالية الحرجة.

وأثار التصريح استغراب الخبراء ومتابعي الشأن العام ممن شككوا في قدرة الحكومة على مكافحة تداعيات الوباء دون اللجوء إلى قروض خارجية في ظل غياب موارد مالية.

10