رهان "حماس" على إحراج مصر

الاثنين 2014/07/21

كشفت حرب غزّة المستمرّة الكثير . كشفت أوّلا مدى الحقد على مصر، وعلى إمكان عودة مصر لاعبا إقليميا يعيد التوازن إلى الشرق الأوسط بعد اختلاله إلى حدّ كبير لمصلحة كلّ ما هو غير عربي في المنطقة.

كشفت أيضا أنّ همّ حركة «حماس» محصور بأن تكون الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني بديلا عن منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية الفلسطينية. يدلّ على ذلك أن «حماس» لم ترفض المبادرة المصرية التي تستهدف وقف القتل والتدمير والحؤول دون اجتياح إسرائيلي للقطاع، من منطلق الرغبة في حماية الشعب الفلسطيني والبنية التحتية لغزّة، أو على الأصحّ ما بقي منها. رفضت «حماس» المبادرة المصرية التي قبلت بها الحكومة الإسرائيلية، من منطلق أنّ مصر لم تتشاور معها مسبقا.

تبدو «حماس» مستعدة للتضحية بمئات الفلسطينيين الذين ذهبوا ضحية إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل من أجل التوصّل إلى أن تكون الطرف الفلسطيني الذي يتحاور مع مصر. فجأة، صارت «حماس» في حاجة إلى اعتراف مصري بها، وبكونها قوة الأمر الواقع في غزّة. نسيت أنّها كانت جزءا من الحرب الداخلية على مصر بوقوفها إلى جانب الإخوان المسلمين.

بكلام أوضح، ما دامت «حماس» حريصة كلّ هذا الحرص على مصر، وعلى العلاقة بمصر، لماذا ذهبت بعيدا في المشاركة في الحرب التي تتعرّض لها مصر على شكل عمليات إرهابية، أكان ذلك في سيناء، أو في الداخل؟

يحزن المرء عندما يجد أن هناك من هو على استعداد للتضحية بكلّ هذا العدد من المواطنين الفلسطينيين الأبرياء، من أجل تحقيق أهداف لا علاقة لها، من قريب أو بعيد، بالقضية الفلسطينية وبمصلحة الشعب الفلسطيني. ما يزيد الحزن وجود طرف فلسطيني لا يريد الاعتراف بالواقع المتمثّل في أن إسرائيل دولة تمارس الإرهاب، وهي على استعداد لقتل مئات الفلسطينيين من دون أن يرفّ لها جفن فيما العالم يتفرّج عليها، بل يصفّق لها.

ستكلّف حرب غزّة الفلسطينيين كثيرا. كان هناك أمل بوقف العدوان الإسرائيلي لولا تلك الحساسية الزائدة تجاه مصر والدور المصري. المخيف في الأمر أن إحراج مصر بات هدفا بحدّ ذاته. ليس مهمّا عدد الشهداء الفلسطينيين. وليس مهمّا حجم الدمار. ليس مهمّا أيضا عدد النازحين من غزّة. ليس مهمّا أن يكون هناك فلسطينيون ما زالوا ينامون في العراء بعدما فقدوا بيوتهم في حرب نهاية 2008 وبداية 2009. المهمّ الوصول إلى نقطة يكون فيها إحراج لمصر. هذا هو الرهان الحقيقي لـ«حماس»، ولمن يقفون خلفها من الذين يريدون تصفية حساباتهم مع مصر.

هربت «حماس» من أزمتها الداخلية، التي بلغت ذروتها بسقوط حكم الإخوان في مصر، إلى المصالحة الوطنية. تشكّلت حكومة وفاق وطني برئاسة الدكتور رامي الحمدالله. وافقت «حماس» بطريقة ملتبسة على المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية التي ما لبثت أن توقفّت بعدما تبيّن أنّ لا اهتمام إسرائيليا بالسلام، وبأيّ تسوية، من أيّ نوع كان، تؤمن الحد الأدنى من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

بعد كلّ هذه الخطوات التي بدت وكأنّها فُرضت فرضا على «حماس»، اكتشفت الحركة أنّه لم يعد لديها ما تفعله سوى إعلان إفلاسها، وتسليم شؤون غزّة للسلطة الوطنية القادرة على البحث الجدّي مع مصر في كيفية المساعدة في إنهاء الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع.

من الواضح، أنّ إنهاء الحصار آخر هموم «حماس». الهمّ الأوّل يتمثّل في السلطة وفي كيفية الاحتفاظ بغزّة بدل المحافظة عليها وعلى أهلها. منذ البداية، كان هناك هدف «حمساوي» يتلخّص بتغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني بغية تسهيل عملية السيطرة عليه وإخضاعه. لذلك، كان التركيز الدائم على نشر الجهل والبؤس في غزّة، وتهجير أكبر عدد ممكن من الشبّان الذين يتمتعون بحدّ أدنى من القيم المرتبطة بثقافة الحياة والانفتاح على العالم. هل تنجح «حماس» في الإساءة إلى مصر والتسبب في تغيير داخلي فيها؟ الثابت أنّ ذلك هو رهانها الأخير. ليس هناك ما يشير إلى أنّ الحركة قادرة على اعتماد بعض العقلانية والتساؤل، على سبيل المثال وليس الحصر، كيف يمكن لصواريخها أن تساهم في رفع الحصار؟

في إمكان هذه الصواريخ تبرير مزيد من الجرائم الإسرائيلية ولا شيء غير ذلك. فالحصار لا يمكن رفعه إلّا من خلال مقاربة شاملة على طريق العمل جدّيا، مع مصر أوّلا، من أجل التقدّم خطوة على طريق تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني الذي ترفضه «حماس». هذه المقاربة الشاملة تعني، أوّل ما تعني، الانتهاء من فوضى السلاح ومن الميليشيات التي تحكّمت برقاب أهل غزّة. كذلك، من الضروري الاقتناع بأنّ الصواريخ التي تُطلق من القطاع ليست سوى في خدمة إسرائيل التي باتت تدّعي أن الفلسطينيين لا يستأهلون دولة مستقلة.

تقوم حجّة إسرائيل على ما شهدته غزّة قبل أيّ شيء آخر. انسحبت من غزّة صيف العام 2005. كان انسحابها من القطاع كاملا وشاملا. ماذا كانت النتيجة؟ بدل أن تساعد «حماس» في العمل من أجل أن تكون هناك نواة لدولة فلسطينية مستقلّة، عملت من أجل وضع يدها على القطاع والمزايدة يوميا على السلطة الوطنية الفلسطينية. ما لبثت أن طوّرت مشروعها في اتجاه مصر، خصوصا بعد وصول الإخوان إلى الرئاسة، واكتشافهم أنّ ليس لديهم من مثل أعلى يقتدون به سوى “الإمارة الإسلامية”، على الطريقة الطالبانية، التي قامت في غزّة.

هل تتأثر مصر بما يجري في غزّة؟ من المستبعد حصول ذلك نظرا إلى أن للتغيير الذي حصل في القاهرة جذورا شعبية. لم يكن تغييرا مصطنعا. لم يكن انقلابا عسكريا كما يقول بعضهم. ما حصل في مصر كان ثورة شعبية حقيقية. وجد، لحسن الحظ، عرب شرفاء يدعمون مصر، ويدعمون في الوقت ذاته مشروع عودتها لاعبا إقليميا فاعلا.

من هذا المنطلق، يبدو أنّ أقصى ما يمكن لـ«حماس» تحقيقه يتمثّل في زيادة عذابات أهل غزّة من جهة، وخدمة إسرائيل في مقاومتها للمشروع الوطني الفلسطيني من جهة أخرى.

صحيح أنّ مصر تواجه مشاكل ضخمة. لكنّ الصحيح أيضا أنّها لن تسقط أمام «حماس» والذين يقفون خلفها ويشجعونها على أخذ قطاع غزّة من مأساة إلى أخرى رافضة الاعتراف بأنّها حركة مفلسة.

أفلست «حماس» لأنّها لا تمتلك مشروعا سياسيا قابلا للحياة. سقطت ضحية الشعارات الطنانة التي أطلقتها. أقصى ما تستطيع تحقيقه نشر مزيد من البؤس في غزّة وخدمة المشروع الإسرائيلي في الضفّة الغربية. هل لدى إسرائيل وحكومتها المليئة بالمرضى النفسيين المتعطّشين للدم الفلسطيني اعتراض على ذلك؟


إعلامي لبناني

9