رهان صيني على الجيش الباكستاني لدعم مبادرة الحزام والطريق

الجنرال باجوه يسن عقيدة دفاعية جديدة: باكستان قدمت أكثر مما هو كاف للأميركيين والمستقبل مع الصين.
الثلاثاء 2018/10/16
طريق الحلم الصيني في باكستان بيد الجيش

لندن – دفع رفض باكستان استثمارات الصين في البنية التحتية لمشروع “الحزام والطريق”، بكين إلى البحث عن أوراق باكستانية تواجه بها تردد رئيس الوزراء الجديد عمران خان الذي يعيق المشروع الصيني الطموح. وهذه الورقة هي الجيش الباكستاني الذي أعلن أنه لن يقدم للأميركيين أكثر مما فعل، في رد على تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب اتهم فيها  الباكستانيين “بالأكاذيب والخداع″.

تتطلع الصين إلى دعم الجيش الباكستاني من أجل إقناع الحكومة بالعزوف عن إعادة التفاوض بشأن مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، بعد أن اقترح وزير التجارة الباكستاني عبدالرزاق داود أن الحكومة قد تعلق مشروعات الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني لمدة عام، مشيرا إلى أن الحكومة الباكستانية السابقة تفاوضت على شروط مواتية للصين بدلا من باكستان.

دعم صندوق النقد الدولي

قال وزير الإعلام الباكستاني فواد شودري “في وقت سابق، كان مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني يهدف فقط إلى بناء الطرق السريعة، ولكن الآن قرر رئيس الوزراء أنه سيتم استخدامه لدعم قطاع الزراعة، وخلق المزيد من فرص العمل وجذب دول أجنبية أخرى مثل المملكة العربية السعودية للاستثمار في البلاد”.

ويأتي تصميم رئيس الوزراء عمران خان على ضمان زيادة الفوائد المستحقة لباكستان من الاستثمارات الصينية في وقت تقلق فيه مختلف الدول الآسيوية والأفريقية من أن الاستثمارات في الحزام والطريق في البنية التحتية ستورطها في الديون وتجبرها على التخلي عن السيطرة على البنية التحتية الوطنية المهمة، وفي بعض الحالات أيضا عن أصول وسائل الإعلام.

كمال علاّم: الولايات المتحدة هي التي أصبحت تحتاج باكستان وليس العكس
كمال علاّم: الولايات المتحدة هي التي أصبحت تحتاج باكستان وليس العكس

ويقول محلل شؤون الشرق الأوسط جيمس دورسي إن الاستثمار من جانب المملكة العربية السعودية هو أحد السبل الممكنة لتسهيل طلب باكستان إلى صندوق النقد الدولي للمساعدة. ويأمل المسؤولون الباكستانيون في أن يؤدي حتى هذا الارتباط غير الرسمي بين مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني والسعودية، وهي واحدة من أقرب حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إلى تخفيف قلق واشنطن من أن أموال صندوق النقد الدولي ستستخدم في سداد الديون الصينية. ومع ذلك، من غير المرجح، وفق دورسي، أن يمنع ذلك صندوق النقد الدولي، المدعوم من الولايات المتحدة، من المطالبة برفع غطاء السرية الذي يحجب الشروط التجارية والمالية للعديد من المشروعات التي تمولها الصين، والتي لها علاقة بمشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، كشرط مسبق قبل قبول الصندوق للمساعدة.

عقب تصريح وزير التجارة الباكستاني بشأن تعليق لمدة عام للمشاريع في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، الجزء الواقع في باكستان من مبادرة الحزام والطريق الصيني الذي يتضمن إحياء طريق الحرير التجاري القديم، زار الجنرال قمر جاويد باجوه بكين لتهدئة أي مخاوف صينية من تعليقات الوزير الباكستاني.

ووطدت باكستان العلاقات مع الصين في السنوات الأخيرة بعد أن توترت علاقاتها مع الولايات المتحدة. وشهدت هذه العلاقة أسوأ مراحلها عندما غرّد الرئيس الأميركي قائلا “إن الولايات المتحدة وبحماقة أعطت باكستان أكثر من 33 مليار دولار من المساعدات في السنوات الـ15 الأخيرة، في حين لم تعطنا سوى الأكاذيب والخداع معتقدة أن قادتنا أغبياء”. وأضاف “إنها تقدم ملاذا آمنا للإرهابيين الذين نتعقبهم في أفغانستان. انتهى الأمر!”.

ورد الجنرالات الباكستانيون على ترامب بنفس خطابه، حيث يعتبرون بدورهم أن باكستان فعلت أكثر مما هو كاف لتأمين أفغانستان المجاورة وهي لا تخاف التهديدات الأميركية بقطع التمويلات.

وأطلق كمال علام الباحث في المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدفاعية (روسي)، على هذا الموقف مصطلح ‘مبدأ باجوه’، نسبة إلى رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال قمر جاويد باجوه.

ويبدو أن هذا الموقف يتحول إلى عقيدة في صفوف الجيش الباكستاني الذي قرر، في خطوة نادرة جدا، التعاون مع الهند. وينقل معهد روسي عن ضابط باكستاني آخر كبير اسمه الفريق عمير رياض، الذي ترأس أول مجموعة اتصال رفيعة المستوى مع الهند بوصفه المدير العام للعملية العسكرية، أن “باكستان ترى مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني على أنه مشروع رئيس لمستقبلها الاقتصادي”.

 وعبّر رياض عن موقفه المرحب بمشاركة الهند في هذا المشروع “الذي يعد أكبر مجهود بنية تحتية في باكستان”، مضيفا أن الهند يمكنها “تقاسم ثمار التطور المستقبلي عن طريق تعليق الأنشطة المعادية لباكستان والتخريب”.

وأعلن باجوه بنفسه، خلال محاضرة نظمها معهد روسي في 2017، بأن “الجيش الباكستاني لم يعد يشعر بعدم الأمان الآن، بل يشعر بالثقة في مستقبله وهو يرحب بمشاركة الهند في مشروع البنية التحتية الرئيسي في باكستان والممر الاقتصادي الصيني الباكستاني”.

مبدأ باجوه

يشير كمال علام إلى أن ‘مبدأ باجوه’ يعني أن الجيش الباكستاني يشعر أن أيام الخجل والهرولة لإرضاء الأميركيين ولّت، وأنه ليس مجبرا على فعل المزيد، بل العالم عليه تقديم المزيد. وأوضح باجوه الأمر بالقول إنها مهمة العالم الآن فعل المزيد لباكستان، فهي فعلت ما يكفي.

وتشي مثل هذه التصريحات بأن الجيش الباكستاني اكتسب ثقة أكبر بكثير مقارنة بالحالة التي كان عليها لما هددت الولايات المتحدة الرئيس آنذاك برويز مشرف بقصف باكستان بالقنابل إن لم تستجب لمطالبها.

صلّبت المعارك عود الجيش الباكستاني بعد 17 عاما من الحرب على حدود البلاد الغربية والمناوشات على حدودها الشرقية.

وتميل كفة الجيش الباكستاني اليوم إلى الصين، وأيضا روسيا، بينما تفقد الولايات المتحدة نفوذها في إسلام أباد، التي تشعر أن الأميركيين لم يقدروا تضحياتها.

وبعد يوم واحد من تغريدة ترامب، سارع وزير الخارجية الصيني إلى الإعلان عن دعم بلاده لمجهود باكستان في مكافحة الإرهاب. وبعد أيام من إعلان ترامب تجميد المساعدات أعلنت باكستان بأنها ستجري معاملاتها التجارية باليوان الصيني وسط أخبار عن استعداد الصين فتح قاعدة بحرية في باكستان.

هذا الوضع، يشير وفق دراسة كمال علاّم، إلى أن الولايات المتحدة هي التي أصبحت تحتاج باكستان وليس العكس. وفي الأسابيع التي تلت تغريدة ترامب، بدا واضحا أن الولايات المتحدة هي التي تهرول لإرضاء باكستان حيث قام كل من وزير الدفاع جايمس ماتيس وقائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال جوزيف فوتل بالتقليل من أهمية الضجة الإعلامية حول ترامب وباكستان.

كفة الجيش الباكستاني تميل اليوم إلى الصين، وأيضا روسيا، بينما تفقد الولايات المتحدة نفوذها في إسلام أباد، التي تشعر أن الأميركيين لم يقدروا تضحياتها

وردّ الجنرال باجوه على “الاعتذارات” الأميركية، بأن لا حاجة للمال الأميركي، بل الاحترام هو ما يرغب فيه الباكستانيون.

 عاشت باكستان لأكثر من عشرية من الزمن تحت العقوبات الأميركية منذ ‘تنقيح برسلر’ لسنة 1985 الذي جعل المساعدات العسكرية والاقتصادية مشروطة بقرار رئاسي سنوي بأن باكستان لا تملك سلاحا نوويا. وفي سنة 1990 حجب الرئيس جورج بوش هذا القرار. وخلال السنوات (1999 /2001) طورت باكستان قدرتها العسكرية الخاصة بها بالتعاون مع الصين وهو ما أفضى إلى الطائرة النفاثة المقاتلة جي أف- 17 التي عوضت أسطول أف- 16 المتهرم. وبالمثل دخلت كل من تركيا وروسيا على الخط لمساعدة باكستان على اقتناء مروحيات عسكرية. وكانت الرسالة من الجيش واضحة: المعدات الأميركية لم تعد الخيار الوحيد لباكستان.

ويشير جيمس دورسي إلى أن من باكستان ثاني دولة بعد السعودية تبيعها الصين الطائرات ذاتية القيادة والتقنيات المرتبطة بها، كبادرة تجاه القوات المسلحة ذات النفوذ السياسي في البلاد.

ويقول كمال علام تشتري باكستان بشكل نشط معدات من الصين وتصنع المزيد معها”. وفي ما يتعلق بالمساعدات العسكرية، تلخص كلمات المتحدث باسم الجيش الباكستاني اللواء أسيف غفور وجهة النظر الباكستانية حيث يقول “باكستان لم تقاتل من أجل المال لكن من أجل السلام”. ومن هنا تتضح رسالة القيادة العسكرية الباكستانية التي مفادها أن الجيش استعاد استقرار باكستان.

وتشجع هذه الرسالة الصين، خاصة مع تأكيد الجنرال قمر جاويد باجوه على أن الروابط العسكرية بين الصين وباكستان هي “العمود الفقري” للعلاقات بين البلدين، في تصريح أطلقه خلال زيارته الصين، وبدا أنه رد على ما أثاره وزير التجارة الباكستاني عبدالرزاق داود، من قلق بشأن مشروع طريق الحرير الصيني.

7