رهان على الشعر

الأحد 2017/05/07

يذهب بعضُ نقاد مابعد الحداثة إلى أن الأجناس الأدبية وإشكاليات تداخلها وضياع أو ضمور هُوية بعضها لم تعد شأنا مقلقاً؛ فالأمر باتَ رهيناً بمدى تقبّل هذا المنتج الفني وبحسن استقباله لدى جمهوره دون الاكتراث وبالمطلق بشخصية الكاتب وبمرجعيته وجنس أدبه.

فقضية التداخل ما انفكت تتفاعل وتتقلّب في مدارات من الاشتباك سببُها في وجهة نظري إعلاء المذاهب النقدية الجديدة من شأن المتلقي واعتبارها له بعد أن كانت المدرسة النقدية الكلاسيكية لا تأبَه به ولا تراعي جزئية التلقي المهمّة تبعاً لحالة من التعالي امتدت ردحاً طويلاً من عمر الأدب العربي والشعر على وجه الخصوص، بيد أنّ الرؤية النصية الجديدة وما رافقها من تفاهمات نقدية جاءت بما يعرف بجماليات التلقي والتقبّل.

فقد صارت عملية إخراج العمل الفني مهما كان شكلُه أو مضمونه مستباحةً وقابلة لكل المكوّنات الفنية وأدواتها، وصار النّاص/المبدع يجلب ما استطاع من أجل تركيز كمية الأدبية التي سيتذوقها المتلقي ويشارك بها، إذ لم يعد للقارئ المتلقي رأيه وحسب، بل وحقّه في امتلاك النّص ما دام تلقفه من قلم الكاتب.

وعلى سبيل المثال تروّج هذه الأيام القصّة المسرحية وتكاد تأتي على المسرح ذاته، فهي بِحَق تهدد بانقراضه؛ ذلك لأنها قصّة تقوم على تضافر كلّ من القاص ملقياً وريشة الرسّام في الخلف وخشبة المسرح ذات الأبعاد المتنوعة، فالقاص سيد المشهد محتلاً نقطة التبئير والرّسام منشغلاً بلوحته يتلقى كل الاهتزازات التي يعكسها على رسمته تلك، إذ الرسام في حالة تزامن تضم فضلاً لصوت القصيدَة وهي تموّج بين الخطوط والألوان وبياض اللوحة، كل ذلك باستباحة لجسد المسرح بأبعاده وأضوائه وظِلاله.

وفي أحيان كثيرة يتبادل الشاعر والقاص زعامة غرفة القبطان في ذاك المشهد المسرحي أو يتشاركان فيه، ويبدأ كل منهما بالعزف أو بالضغط على أداته في محاولة لملء الفراغات التي قد يتركها جنس أو يحول دونها في محاولة لكنس الرتابة التي قد تتشكل في ذهن المتلقي الذي أمكنه التنعم والطرب بفضل التعدد الأجناسي أمامه وليس الأحادي. ما يعني أن استقلال الأجناس الأدبية شأن غير حاضر بعد أن صار دور المتلقي أكبر وله دور أبعد من الاستقبالية.

فالمتلقّي مثلا في موقع التواصل الاجتماعي « فيسبوك» قادر على التأتي والمشاركة من خلال كل ما يكتبه من تعليقات على نصّ الشاعر الذي بدوره صار ينجز وسريعا بيته أو مقطوعته الشعرية في مدونته أو في صفحته على الفيسبوك، فهناك يمكن للمتلقين مواجهة الشاعر في لحظة تزامن أيضاً يبتغيها الشاعر الذي منحه الفيسبوك قوةَ حضور مختلفة عن كتاباته في الدواوين الشعرية التي أصدرها فغشيها النّسيان على الرفوف التي ما فتئت تنتظر مَن يمسح الغبار عنها، لقد كُسِر الجدار العازل بين الشاعر وجمهوره في الفيسبوك، وصار نصُّه الشعري طازجاً مع إمكانية تعديله سواء أراد المبدع ذلك أو أشار القارئ عليه بذلك.

وبجانب ذلك تكسّرت مجاديف المراقب الأمني وتم تحييده تماماً وصار بإمكان الشاعر الحالم أن يعيش واقعَه ويحضر به وإن أمعن قبلاً في التخييل، وهنا لم تعد عملية التلقي خاصة بنخبة معينة بل هي في متناول الجميع، وقد يحصل في هذا الكون الأزرق أن يكون المتلقي الخاص أقرب من أيّ متلقٍ آخر وقد يصله المديح أو الغزل أو التقريظ بسرعة دون ترتيب وإعداد مسبقين، وعلى هذا فقد عُطلت الحدود المكانية وكذا الزمانية وصارت مساحة الحضور أوسع من مساحة الغياب.

في الحقيقة إننا أمام قفزة تواصل هائلة واكبت كل المناسبات واختصرت المسافات وفوارق الزمن واختصرت من جهتها أيضا طُول القصيدة وأدخلت الصورة الحية والمباشرة وقللت على نحو غريب من دفقات الحنين والشوق التي كان يخلقها الانتظار والقلق والتربص مسبقاً، لكن الرهان سيبقى على الكلمة الشعرية تلك التي لن تنال منها أيّ مادية كانت أو ستكون.

كاتب من الأردن

14