رهان مصري ودولي على نجاح "مصر المستقبل"

الجمعة 2015/03/13
المؤتمر يسلط الضوء على ما إذا كانت مصر قادرة على الوفاء بوعودها

تأمل مصر أن يعيدها مؤتمر “مصر المستقبل”، الذي ينعقد بشرم الشيخ إلى دائرة اهتمام المستثمرين، غير أن المال ليس الهدف الوحيد من المؤتمر الاقتصادي إذ تسعى البلاد إلى رسم صورة جديدة لها، بعد اضطرابات ثورتي 25 يناير و30 يناير، تعكس استقرار الأوضاع رغم أعمال العنف التي ينفّذها إسلاميون في شمال سيناء وهجمات مسلحة في أرجاء البلاد، خاصة وأن مصر حظيت بإشادة عن إصلاحات اقتصادية قامت بها مؤخّرا، وتستفيد من دعم خليجي كبير لها للمضي قدما في رسم مستقبل أفضل.

مرّ الطريق إلى المؤتمر الاقتصادي المصري بحزمة كبيرة من الصعاب، وكانت هناك هواجس صاحبت القائمين عليه والمدافعين عنه، لأن المتربصين به في الداخل والخارج، لم تفتر عزيمتهم لحظة عن محاولة تفويت الفرصة على انعقاد هذا المؤتمر، الذي يمثل في حد ذاته شهادة ضمان على درجة الأمن والاستقرار في مصر، ويمكن أن يساعد كثيرا في تذليل مشاكلها الاقتصادية.

وتراهن مصر على مؤتمر شرم الشيخ الاستثماري، الذي يعقد في الفترة من 13 إلى 15 مارس الجاري، لانعاش اقتصادها آملة بأن يحسن صورتها ويجتذب مليارات الدولارات، بعد أربع سنوات من الاضطرابات السياسية وتداعياتها الأمنية.

ولذلك حشدت الحكومة المصرية طاقتها السياسية والأمنية والاقتصادية ليمر المؤتمر بسلام، واتخذت الإجراءات الصارمة لمنع إثارة الغبار حوله، وتحولت مدينة شرم الشيخ الساحلية، التي تستضيف المؤتمر، إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، لتأمين المؤتمر وضيوفه.

فعاليات مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري، التي تبدأ مساء اليوم الجمعة، يشارك فيها 2200 شخصية، يمثلون 90 دولة وعدد كبير من المستثمرين، منهم نحو 850 مستثمرا عربيا يمثلون كبرى المؤسسات المالية العالمية.

الأهم في المؤتمر البعد الدبلوماسي لإثبات قوة النظام الجديد في القاهرة وقدرته على إعادة الأمن والاستقرار في البلاد

وتتنوع مستويات المشاركة الرسمية من الدول بين مستوى رؤساء الدول والملوك ورؤساء الحكومات وبين المستوى الوزاري، والبعض الآخر، على مستوى نواب الوزراء وكبار المسؤولين والسفراء المعتمدين بالقاهرة.

وتأمل مصر أن يعيدها هذا المؤتمر إلى دائرة اهتمام المستثمرين برسم صورة تعكس استقرار الأوضاع رغم أعمال العنف التي ينفّذها إسلاميون في شمال سيناء وهجمات مسلحة في أرجاء البلاد، خاصة وأنها حظيت بإشادة عن الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها، ومن بينها خفض دعم الطاقة وقانون الاستثمار الموحد الذي أعدته الحكومة المصرية بهدف تشجيع مناخ الاستثمار ووضع آليات سريعة لحل مشكلات المستثمرين، وهو التشريع الذي طال انتظارة حفاظا على حقوق المستثمرين واحترام تعاقدات الدولة معهم.

وبرأي كثير من المتابعين يعكس عدد المشاركين توقعات إيجابية للمؤتمر ولمستقبل الاقتصاد المصري، والرغبة في الاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة وأهمية الإجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال الفترة الماضية لحل مشاكل المستثمرين، واستعادة الثقة في الاقتصاد المصري، بما في ذلك موافقة الحكومة على مشروع قانون الاستثمار الموحد.


مصر وأميركا

استنفار أمني لإنجاح مؤتمر شرم الشيخ

القاهرة- تابع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي تنفيذ الخطة التي أعدتها أجهزة الأمن لتأمين المؤتمر الاقتصادي، وبدا حريصا على الإلمام بتفاصيلها لضمان نجاح المؤتمر، مشددا على ضرورة تمتع رجال الأمن بأعلى درجات اليقظة للتصدي بقوة لأي محاولات من شأنها زعزعة الاستقرار.

وصرح السفير علاء يوسف المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية أن السيسي طالب بضرورة الحفاظ على أمن المواطنين واستقرار الدولة، والتصدي لأي محاولات اعتداء على المنشآت العسكرية والأمنية والحكومية والخاصة، ما يؤدي إلى تعزيز الأمن القومي المصري، وتحقيق التنمية الاقتصادية للدولة.

المؤتمر الذي ينطلق اليوم، سوف يشهد مشاركة نحو120 وفدا، منهم 20 وفدا على المستوى الرئاسي، يمثل أكثر من 90 دولة و25 منظمة دولية وعربية وإقليمية.

وقال سامح شكري إن المشاركة الكثيفة سواء على المستوى الرئاسي أو الوزاري، توضح المكانة التي تحظى بها مصر على المستوى الدولي، والتي تتأكد مع الاستقرار وتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي ومشروعات التنمية التي سيتم طرحها في المؤتمر.

من جانبه، صرح أحمد قطان، سفير السعودية لدى مصر، أن ولي العهد الأمير مقرن بن عبدالعزيز، نائب رئيس مجلس الوزراء، سيترأس وفد السعودية المشارك في مؤتمر (مصر المستقبل).

وأضاف في بيان له أن وفدا رسميا رفيع المستوى سيرافق الأمير مقرن، ويضم الوفد مجموعة من الوزراء وعددا من كبار رجال الأعمال والمستثمرين السعوديين، مؤكدا على أن العلاقات السعودية المصرية لها جذور تاريخية، وأن أوجه التعاون بين البلدين تشهد نموا على كافة المستويات، وأن بلاده أول من دعت إلى عقد هذا المؤتمر رغبة منها في دعم مصر.

وأوضح سامح شكري في بيانه أنه سيتم طرح الملف الليبي مع وزراء الخارجية المشاركين في المؤتمر الاقتصادي، وأن مصر تضع الأزمة الليبية على رأس الأولويات، نظرا لتدهور الأوضاع هناك، وذلك استكمالا للتحركات السياسية التي أعقبت قتل المصريين الأقباط.

وأضاف أنه لا تزال هناك مشاورات يومية على مستوى المندوبين الدائمين في مجلس الأمن لصياغة مشروع القرار العربي المقدم منذ أسابيع للمجلس حول ليبيا، حيث يأخذ القرار مجراه من خلال التواصل على مستوى المندوبين الدائمين أو العواصم حتى يتم التوافق على القرار.

وشدد وزير الخارجية المصري على أنه ليس هناك تعمد في تأجيل التصويت على القرار، بينما يحتاج أي قرار يطرح على مجلس الأمن إلى إجراءات ومشاورات إلى وقت، ربما يصل إلى عدة أسابيع، للنظر في كافة الأوضاع على أرض الواقع، وبحث الرؤى المختلفة للدول الـ 15 الأعضاء في مجلس الأمن.


أكد أنيس أكليمندوس، رئيس غرفة التجارة الأميركية بالقاهرة، في اتصال هاتفي مع “العرب” أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري سوف يعقد لقاء موسعا مع غرفة التجارة بشقيها المصري والأميركي ومجلس الأعمال المشترك بين البلدين صباح اليوم الجمعة بمدينة شرم الشيخ، قبل افتتاح المؤتمر بساعات لمناقشة استراتيجية التعاون بين البلدين مع رجال الأعمال مما يعزز من فرص ضخ استثمارات جديدة لمصر خلال الفترة المقبلة. وأضاف أن مشاركة وزير الخارجية الأميركي في مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري تعكس المساندة الأميركية الإيجابية لمصر.

وكانت الكثير من المؤشّرات السياسية تؤكد أن العلاقة لا تزال متوترة بيت القاهرة وواشنطن، الأمر الذي سيؤثر على حجم الحضور ونوعيته في المؤتمر المصري، فلا تزال هناك سلسلة من القضايا السياسية والأمنية المعلقة، والتي تتباعد فيها رؤيتا البلدين.وتتصدر الولايات المتحدة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر بحجم يصل لنحو 19 مليار دولار.

وتستهدف الحكومة المصرية من خلال المؤتمر، الذي دعت إليه المملكة العربية السعودية، ودعمته بقوة دولتي الإمارات والكويت، إنقاذ الاقتصاد من عثراته بعد ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، ومواجهة الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها مصر بخطط مستقبلية.

وتتضمن الإستراتيجية الجديدة عدة أوجه هامة، من بينها خفض الدين العام وإجراء إصلاحات تسهم في تهيئة البيئة المناسبة لنمو النشاط الاقتصادي وإطلاق مبادرات من شأنها تحقيق العدالة الاجتماعية بجانب تحقيق التنمية المستدامة. ورصد البنك المركزي المصري مستوى جديد لحجم الدين العام لمصر عند مستويات 222 مليار دولار.

وتسعى الحكومة عبر إستراتيجيتها الجديدة إلى خفض الدين العام من خلال الإصلاحات الضريبية، التي تستهدف بشكل أساسي توسيع القاعدة الضريبية، وزيادة كفاءة النظام الضريبي، وترشيد الإنفاق وتطبيق عدد من الإصلاحات الخاصة بإدارة موازنة الدولة، بالإضافة إلى إصلاحات من شأنها القضاء على البيروقراطية وتسهيل الأعمال وتشجيع القطاع الخاص على ضخ استثماراته.

وتتواكب عملية الإصلاح بشكل جيد مع التزام الحكومة بالإصلاح الاقتصادي، من خلال اتخاذ قرارات صعبة مثل إعادة هيكلة دعم الطاقة، وصدور تعريفة إمداد الطاقة وإصدار قوانين جديدة للتعدين والتمويل للمشروعات متناهية الصغر. وترمي الحكومة أيضا إلى إلغاء الدعم على الطاقة على نحو خمس مراحل، خلال خمس سنوات بدأت المرحلة الأولى منها العام الماضي.

قامت مصر بإحراز تقدم كبير في عملية سداد ديون الحكومة للشركات الأجنبية في قطاع الطاقة، ما يعد خطوة أساسية في بناء الثقة اللازمة لتشجيع الاستثمارات الجديدة في القطاع. وتستعد الحكومة لسداد نحو 2.5 مليار دولار لشركات النفط والغاز الأجنبية العاملة في مصر قبل شهر يونيو المقبل، وهي آخر دفعة من إجمالي 6.5 مليار دولار. وانعكست كل هذه الإجراءات بشكل إيجابي في تقارير صندوق النقد الدولي، وتصنيف مصر المعلن من قبل وكالات التصنيف الدولية.

ورفعت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تصنيفها لقدرة مصر على الاقتراض طويل الأجل بالعملات الأجنبية والمحلية لدرجة B، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية مستقرة.

وقال أحمد بلبع، رئيس لجنة السياحة بجمعية رجال الأعمال وأحد المستثمرين، بمدينة شرم الشيخ لـ “العرب”، إن نسبة الإشغالات في الفنادق القريبة والتي تقع حول قاعة المؤتمرات التى ستشهد فعاليات المؤتمر بلغت نحو 100 بالمئة تقريبا. وأكد أن الإقبال على حضور المؤتمر يعد رسالة قوية على نجاحه وعودة الثقة في الاقتصاد المصري.

كريستين لاغارد: مصر تواصل تحركها في الاتجاه الصحيح لتلبية تطلعات الشعب

وأشار مدير عام صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، إلى أن مصر تواصل التحرك في الاتجاه الصحيح، وأن الحكومة وضعت خطة طموحة لتلبية تطلعات البلاد الاقتصادية، داعية إلى ضرورة المثابرة في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، لأنها المطلب المحوري في الوقت الراهن.

وقالت لاغارد، قبيل مغادرتها واشنطن، في طريقها إلى شرم الشيخ، إن المؤتمر يتيح الفرصة لمصر وشركائها في التنمية وصندوق النقد لتعميق الحوار حول أفضل السبل لمساعدة الاقتصاد المصري.

ويتصدّر قطاع الطاقة مشروعات المؤتمر، حيث تصل لنحو 50 بالمئة من إجمالي عدد المشروعات التى سيتم طرحها على المستثمرين خلال المؤتمر، إلى جانب قطاعات التعدين والكهرباء والإسكان والزراعة والسياحة والصناعة والنقل والخدمات اللوجيستية وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.


أبعاد سياسية


قال محمد رزق، رجل الأعمال المصري الأميركي المشارك في المؤتمر، إن الأهم في المؤتمر البعد الدبلوماسي لإثبات قوة النظام الجديد في القاهرة وقدرته على إعادة الأمن والاستقرار في البلاد، وبالتالي جذب الاستثمارات من جديد وعودة تدفق السائحين.

وأكّدت مصادر دبلوماسية مصرية أن تنظيم الحدث الدولي خير دليل على أن مصر تعود من جديد بقوة إلى الساحة الدولية، وأنها أصبحت أكثر أمنا واستقرارا ومستعدة لاستقبال المستثمرين والشخصيات الدولية، وتريد اجتذاب أكبر عدد ممكن من الشخصيات الكبيرة في المجال الاقتصادي وبنسبة أكبر على المستويات السياسية.

وأوضحت المصادر أن الرهان الأساسي على المؤتمر يظل سياسيا في الوقت الذي يطرح فيه الرئيس عبدالفتاح السيسي نفسه في مقدمة من يحاربون الإرهاب في المنطقة، كما يحاول من خلاله تأكيد عودة الاستقرار في مصر وقدرتها على النهوض سريعا باقتصادها المتدهور.

الإصلاح الاقتصادي مطلب محوري لتجاوز مرحلة ما بعد الثورة

وينظر صندوق النقد الدولي بشكل إيجابي للإصلاحات الاقتصادية للحكومة المصرية، فهو يرى أن حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي تقوم اليوم بتنفيذ جملة من التدابير والاجراءات من بينها اعتماد سياسات لتحقيق النمو الشامل وخلق فرص العمل مع التركيز على متابعة الإصلاحات الهيكلية وتشجيع الاستثمار، وحماية الفقراء إلى جانب سعيها لانعاش الثقة، وإحداث بعض التحول.

ومع ذلك، يوضح صندوق النقد الدولي أن نجاح سلطة في تحقيق أهدافها يبقى رهين جهودها الثابتة، واستعدادها لاتخاذ إجراءات إضافية حسب الحاجة واستمرار الدعم الخارجي لها.

ويعتبر المصريون أن التحدي القائم اليوم أما الرئيس السيسي هو تحسين الوضع ويرون أنه يمضي قدما في هذا المجال. وهم على استعداد لتحمل المصاعب على المدى القصير مثل النقص المؤقت في الطاقة شريطة حصول تحسينات على المستوى البعيد.

اقرأ أيضا

6