رهان واشنطن على "الجهاديين المعتدلين".. سياسة واقعية أم خطأ استراتيجي

أوساط سياسية لا تستبعد حدوث تفاهم متبادل غير علني بين واشنطن وتنظيم القاعدة لأنه سيسبب غضبا داخليا وخارجيا إلا أنه يلبي بلا شك مصالحهما.
الاثنين 2021/09/27
واشنطن تستثمر العداء الشديد بين داعش وطالبان

تحدثت تقارير إعلامية عن صفقة محتملة بين الولايات المتحدة وما أسمتهم بـ”الجهاديين المعتدلين” لضرب الجماعات المتشددة الأخرى أي تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة، وفيما تعكس الصفقة سياسة أميركية واقعية ستمسح لها بتوفير الأرواح والمال في معركتها ضد الإرهاب وتقويض خطر عدوها اللدود داعش، إلا أنه في المقابل تشكل هذه الصفقة مجازفة محفوفة بالمخاطر، وسط شكوك في مدى التزام هذه الجماعات بها.

واشنطن- توسعت دائرة التوقعات مؤخرا بشأن تعاون محتمل بين الولايات المتحدة والجماعات التي تضعها في خانة “الجهاديين المعتدلين” مثل تنظيم القاعدة وحركة طالبان، وذلك بهدف ضرب الجماعات المتشددة الأخرى أي تنظيم داعش، التي تشكل تهديدا حقيقيا لمصالحها ومصالح الغرب بشكل عام.

ولا تستبعد أوساط سياسية حدوث تفاهم متبادل غير مستقر ولكنه واقعي بين واشنطن وجزء من الحركة الجهادية العالمية، وفيما لن يجرؤ أي من الجانبين على التعبير عنه علنا، لأنه سيسبب غضبا داخليا وخارجيا، إلا أنه يلبي بلا شك مصالحهما.

وكتب لورينزو فيدينو مدير برنامج دراسات التطرف في جامعة جورج واشنطن، في تقريره على مجلة فورين بوليسي أن تهديد الدولة الإسلامية التي لا تزال شديدة العزم على مهاجمة الولايات المتحدة والغرب، يدفع واشنطن للرهان على ما أسمتهم بالجهاديين المعتدلين.

ولاحظ فيدينو كيف باتت واشنطن والقاعدة يتبنيان موقفا أقل عدوانية تجاه بعضهما البعض أعقاب بروز داعش، غير أن هذه الصفقة التي تغاضت فيها واشنطن عن تداعياتها المتعددة وطويلة الأمد، بسبب سياسة واقعية تنتهجها، قد تتحول إلى خطأ استراتيجي، حيث لا يمكن الوثوق في هذه الجماعات ولا بمناوراتها المستقبلية، حسب تقديره.

 براغماتية مشتركة

لورينزو فيدينو: تقسيم الجهاديين إلى معتدلين ومتطرفين هو نهج مضلل

يمكن إرجاع جذور الاتفاق غير المعلن بين واشنطن والقاعدة إلى النصف الثاني من سنة 2014، عندما شكلت واشنطن تحالفا دوليا لمحاربة تنظيم داعش.

وبالنسبة للاستراتيجيين الجهاديين كان السبب المنطقي وراء التدخل الأميركي واضحا: لم تواجه الدولة الإسلامية هجمات عسكرية عندما غزت منطقة بحجم فرنسا بين سوريا والعراق وحكمتها بوحشية القرون الوسطى، ولكنها استُهدفت عندما بدأت قطع رؤوس الغربيين في فيديوهات على غرار أفلام هوليوود واجتذاب الآلاف من المقاتلين الأجانب الغربيين الذين أطلقوا تهديدات ضد بلدانهم الأصلية من أمانة الخلافة.

وكانت جبهة النصرة، فرع تنظيم القاعدة في سوريا وعدوة الدولة الإسلامية اللدودة، منخرطة في نفس الوقت في محاولة للسيطرة على الأراضي. لكن باستثناء بعض الضربات المستهدفة، لم يكن هدف الهجوم العسكري الذي قادته الولايات المتحدة هو الذي أدى في النهاية إلى تركيع الدولة الإسلامية.

وكان الدرس واضحا: ابق بعيدا عن الأعين، لا تقطع رؤوس الغربيين، لا تخطط لشن هجمات في الغرب، وواشنطن ستتركك وشأنك. وهذا بالضبط ما احتاجه فرع القاعدة لتعزيز سيطرته على الأرض.

ونتيجة لتبني هذه المقاربة، باتت هيئة تحرير الشام، التي خلفت جبهة النصرة، تسيطر الآن بحكم الأمر الواقع على منطقة إدلب في شمال غرب سوريا. وكشف زعيم هيئة تحرير الشام أبومحمد الجولاني علنا أن زعيم القاعدة أيمن الظواهري، في ذلك الوقت، أرسل إليه “أوامر واضحة بعدم استخدام سوريا نقطة انطلاق لمهاجمة الولايات المتحدة أو أوروبا من أجل عدم تخريب المهمة الحقيقية ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد”.

وتأكّد الدرس السوري مؤخرا في أفغانستان. وفسر الفيلق الموالي للقاعدة التطورات الأخيرة في كابول على أنها اعتراف بسياسة الولايات المتحدة غير المعلنة وإن كانت واضحة بشكل متزايد للتسامح بل والتعاون مع الجماعات الجهادية “المعتدلة”، ما دامت لا تهاجم الغرب، هذا على الرغم من معاداتها لحقوق الإنسان وانتهاكها العلني لها.

وفي الوقت الذي احتفل فيه أنصار هيئة تحرير الشام باستيلاء طالبان على السلطة بتوزيع الحلويات على سكان إدلب بسوريا، أشار معلق مقرب من الجماعة إلى ذلك بـ”انتصار الصمود الذي يجب أن يلهمنا”، مشيرا إلى نجاح الإستراتيجية التدريجية التي تستلزم كبح ميلها المتأصل لمهاجمة الولايات المتحدة من أجل الصالح العام المتمثل في تعزيز سلطتها.

وينطبق نفس المنطق على دول غربية أخرى أيضا. ففي الآونة الأخيرة، أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ومنطقة الساحل لأول مرة صراحة أن حربها المستمرة مع فرنسا لا تشمل الأراضي الفرنسية. وبالمثل، ذكرت القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أنها ستستمر في مهاجمة المصالح الفرنسية في المنطقة، لكنها أعلنت أنها لن تستهدف الأراضي الفرنسية أبدا انطلاقا من مالي.

وتعتبر رسالة جماعات ​​القاعدة إلى الغرب واضحة وتشبه رسالة حليفتها طالبان “دعنا وشأننا ندعك وشأنك. نحن نعلم أنك تريد الخروج من المنطقة ولم تعد مهتمّا بالتضحية بحياتك وأموالك للدفاع عن مناطق نائية محدودة الأهمية إستراتيجيا بالنسبة لك. اسمح لنا أن نحكمهم ولن نضايقك. وعلى العكس من ذلك، سنساعدك في الواقع على تحييد المجموعة الوحيدة التي تهددك، الدولة الإسلامية، التي هي عدوتنا اللدودة أيضا. نعم، سندينكم في دعايتنا لدعمكم لإسرائيل والأنظمة الأخرى في المنطقة أو للإساءة إلى النبي محمد. لكننا أصبحنا فاعلين سياسيين براغماتيين ومستعدين لعقد صفقة معك تسمح لك بالخروج من أجزاء كبيرة من المنطقة دون أي عواقب سلبية”.

من الواضح أن شروط الصفقة لم يُعبّر عنها بكلمات واضحة، لأن ذلك من شأنه أن يصبّ في صالح دعاة الدولة الإسلامية، الذين يتهمون بالفعل القاعدة وطالبان بأنهما متعاونان مع الولايات المتحدة وعميلان تخليا عن طريق الجهاد الحقيقي، وهي اتهامات يمكن أن تكون تكلفتها باهظة في السوق التنافسي للدعم الجهادي. لكنها واضحة وضوح الشمس لأولئك الذين يولونها اهتمامهم ومغرية للكثيرين في الولايات المتحدة، حيث ضاق الناس بحرب على الإرهاب على مدى عقدين والمحاولات الفاشلة لبناء الدولة بين صانعي السياسة من الحزبين وعامة الناس بصفة عامة.

تكلفة باهظة للصفقة

الصفقة ستسمح للولايات المتحدة بتوفير الأرواح والمال من خلال تكليف "الجهاديين المعتدلين" بحكم المساحات التي يبدو أنها لا يمكن أن تحكمها أي قوة أخرى
الصفقة ستسمح للولايات المتحدة بتوفير الأرواح والمال من خلال تكليف "الجهاديين المعتدلين" بحكم المساحات التي يبدو أنها لا يمكن أن تحكمها أي قوة أخرى 

لا يجرؤ إلا القليل في واشنطن على التعبير عن ذلك بهذه العبارات لكن الصفقة التي تسمح للولايات المتحدة بتوفير الأرواح والمال من خلال تكليف “الجهاديين المعتدلين” بحكم المساحات التي يبدو أنها لا يمكن أن تحكمها أي قوة أخرى هي شكل من أشكال السياسة الواقعية التي تستهوي الكثيرين.

وبرأي فيدينو “هناك أسباب وجيهة لتهدئة الحماسة لهذه الصفقة مع الشيطان”، حيث لا يعني ذلك نهاية الإرهاب في الغرب، حسب تقديره.

فعلى مدى السنوات العشر الماضية، نَفّذ الغالبية العظمى من الهجمات ذات الدوافع الجهادية في أوروبا وأميركا جهاديون منتسبين للدولة الإسلامية أو مؤيديها. أما تلك التي نفذها أفراد مرتبطون بالقاعدة فلا يتجاوز تعدادها أصابع اليد الواحدة. وبما أن الهجمات في الغرب تبقى من الطرق التي تعزز بها الجماعات الجهادية مكانتها بين المؤيدين المحتملين، يمكن القول إن صفقة القاعدة والغرب التي تعزز قدرة التنظيم على حكم مساحات من الأرض قد تدفع الدولة الإسلامية إلى تكثيف هجماتها، التي تعدّ أفضل سلاح للمجموعة لمواجهة نجاحات منافسيها من خلال الدعاية. كما أن فروع ​​القاعدة مرنة ولا تتميز بالرقابة الهرمية الصارمة. وليس من المستبعد ألا تلتزم بعض الجماعات التي تنتمي إليها بشروط الاتفاقية ثم تهاجم الغرب.

بموازاة ذلك، يشعر العديد من شركاء الولايات المتحدة في المنطقة (أولئك الذين يطلق عليهم تنظيم القاعدة كنية “العدو القريب”) بالإحباط المتزايد بسبب انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط وما يرون أنه نمط واشنطن في عدم الدفاع عن حلفائها. وسيظل العديد منهم أصدقاء مقربين للولايات المتحدة، لكن من المحتم أن يبحثوا عن شركاء أمنيين إضافيين، إن لم يكن بدلاء. وتعطي انفتاحات دول الخليج التي ظلت على مدى عقود في المعسكر الأميركي الأخيرة تجاه الصين وروسيا أمثلة على هذه الديناميكيات.

صفقة القاعدة والغرب التي تعزز قدرة التنظيم على حكم مساحات من الأرض قد تدفع الدولة الإسلامية إلى تكثيف هجماتها

وحسب فيدينو الأهم من ذلك، أن العيب القاتل يكمن في الافتراض الأساسي للصفقة. حيث إن تقسيم الحركة الجهادية إلى “معتدلين” (هيئة تحرير الشام وطالبان وحتى القاعدة) يُمكن لواشنطن أن تتعامل معهم و”متطرفين” (الدولة الإسلامية) تعتبرهم العدو الحقيقي الوحيد هو نهج مضلل.

ويعتقد أن هناك تصنيفا أكثر ملاءمة هو بين الجهادية المرحلية والجهادية التي نفد صبرها، فالأولى مستعدة بشكل عملي لثني وضعها الاستراتيجي مؤقتا لتحقيق الأهداف بينما تعتبر الثانية أكثر صلابة. وليس الجهاد التدريجي أكثر اعتدالا ولكنه ببساطة أكثر ذكاء من الناحية التكتيكية، حيث يتكيف على المدى القصير ليكون في وضع أفضل للقيام بما هو موجود بين جميع الجهاديين وهو تحديدا: زعزعة استقرار المنطقة الأكبر ومهاجمة الغرب.

ويستنج فيدينو في نهاية تقريره أنه لا يوجد فرق بين الاثنين في الأهداف النهائية ولكن في الإطار الزمني. وخلص قائلا “قبل عقد صفقات تبدو مريحة على المدى القصير مع الشيطان، يتعين على صانعي السياسة الغربيين التفكير في ما يتجاوز الإطار الزمني لدورات الأخبار على مدار 24 ساعة والحملات الانتخابية الدائمة إلى سنوات وعقود، كما يفعل الجهاد يون”.

13