رهف بعد خاشقجي: سعي لحشر الانطباع عن السعودية في الصورة السلبية

تغطية حادثة رهف تكشف عن اكتساب مناعة ضد الحملات المضادة، وخطوات الإصلاح توازن بين الواقع ومتطلبات التغيير.
السبت 2019/01/12
خطوات ثابتة نحو قلب المعادلات

الرياض - أعادت قضية رهف القنون، الفتاة السعودية التي كانت في إجازة مع أسرتها في الكويت ثم فرت منها إلى تايلاند، طالبة اللجوء، تسليط الضوء من قبل الإعلام الدولي على وضع المرأة وقوانين الأسرة في المملكة العربية السعودية.

ويدرج اهتمام هذا الإعلام بهذه القضية ضمن مسلسل مدروس يستهدف الرياض ونظام الحكم بها لحساب أجندات إقليمية ودولية. وهي ليست المرة الأولى التي تطال فيها أضواء الإعلام الغربي الساطعة قضية “حقوقية” يذكر فيها اسم السعودية، وتحولها إلى قضية رأي عام.

لكن، بخلاف تقارير سابقة، ولعل أحدثها قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي، كان لافتا هذه المرة أن هناك تغييرا طرأ سواء من ناحية التعامل السعودي مع مثل هذا الاستهداف أو من ناحية تعاطي الرأي العام والمتابعين في الخارج مع القصة ومجرياتها.

كان لافتا أن السعودية تعاملت مع الأمر بصفته مسألة خاصة تتعلق بالعلاقة المتوترة بين الفتاة وأهلها، وليست بصفته شأنا سعوديا عاما يرقى إلى المستوى السياسي أو القانوني الخاص بالمملكة. وانتبه المتابعون إلى أن قناة العربية، التي تملكها السعودية وتشرف على سياساتها الإخبارية، بثت تقريرا إخباريا عن قضية رهف، عرضت فيه حكاية الفتاة وفق التقارير الإخبارية التي بثتها وكالات الأنباء ووفق التصريحات التي صدرت عن المسؤولين التايلانديين في بانكوك.

كما كان لافتا أيضا أن بعض ردود الأفعال الخارجية، لم تعد تتبنى نهجا هجوميا مشتركا ضد السعودية، دون اطلاع عميق ومتخصص بمجريات هذه القضية، حيث شككت الباحثة إيرينا تسوكرمان في صحة بعض جوانب الرواية حول حكاية رهف.

وقالت تسوكرمان، لقناة العربية في إجابة عما يدعوها إلى عدم تصديق الرواية وما أحيط بها، إن “هناك العديد من الملابسات المريبة والغريبة حول هذه القصة بما يجعلها مثالا نموذجيا على كيفية استغلال جانب بسيط من واقعة عادية لتتحول إلى حملة تشويه متواصلة”.

وأضافت “من الواضح أن الهدف من هذه الواقعة هو إحراج وتشويه صورة السعوديين، لإعطاء انطباع أنها بلاد متشددة ومحافظة وأن الإصلاحات ليست حقيقية بالفعل”.

شأن خاص

طالب الكاتب السعودي تركي الحمد بعدم تدخل الدولة في مسائل شخصية. وغرّد على تويتر قائلا “يفترض أن لا تتدخل الدولة في كل صغيرة وكبيرة من شؤون المجتمع، وتخلق لنفسها مشاكل هي في غنى عنها. خصام في أسرة مثلا أدى إلى هرب ابنتها إلى الخارج، ما شأن الدولة في ذلك؟ هي مشكلات تبقى في نطاق الأسرة، فمهمة الدولة هي الشأن العام، أما الخاص فيبقى في نطاق العلاقات الاجتماعية، أو هكذا يفترض”.

ويبدو ما طالب به الحمد كلاما معقولا، وهو الطبيعي في حالات مثل هذه وفي أي مجتمع، إلا أن الأمر قد يحمل بعض الخصوصية عندما يتعلق بالسعودية، وعندما يتحول إلى تهديد ومسعى إلى التشويش أو المزايدة، عندها يصبح من الضروري التدخل.

ولفت مراقبون للشؤون السعودية إلى بعض القراءات المسيّسة لرؤية السعودية 2030، مشيرين إلى أن مفردات في مشروع الإصلاح لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان صارت تستخدم من قبل خصوم الرياض للتركيز على السلبيات بدلا من منحها الوقت الكافي اجتماعيا، خصوصا وأن هذه الإصلاحات، هي مشروع دولة، تحتاج لأن تتحول إلى ثقافة نفسية مجتمعية عامة بدل أن تبقى مجرد قرارات عليا تصدر عن السلطة.

والظاهر أن هروب الفتاة السعودية، التي تبلغ من العمر 18 عاما، مما قالت إنه “إساءة المعاملة” من جانب أسرتها، حفّز دعوات خارجية وداخلية لإنهاء نظام ولاية الرجل في المملكة، وهو النظام الذي لا يزال يشكّل قيدا كبيرا على النساء رغم جهود المملكة للانفتاح.

وتقول التقارير إن قضية رهف تعيد إلى الأذهان قضايا نساء أخريات فررن من سوء المعاملة قبل أن تتم إعادتهن قسرا إلى المملكة دون أن تعرف عنهن أي أخبار بعد ذلك. ويدعو كثير من النشطاء إلى إنهاء نظام ولاية الرجل، الذي تقلص تدريجيا ببطء على مر السنين، غير أنه لا يزال قائما.

وكان الأمير محمد بن سلمان اعترف بأن السعودية لا تملك أفضل سجل في حقوق الإنسان، لكنها تتحسن. وأضاف، في حوار مع صحيفة تيلغراف البريطانية، خلال زيارته إلى لندن، في شهر مارس الماضي، أن السعودية أحرزت تقدما كبيرا في وقت قصير، وهو أمر اعتبره المراقبون تحولا كبيرا في الكيفية التي تقارب بها الرياض المسألة من حيث الاعتراف بها والاعتراف بأن جهودا تبذل دون خجل أو تردد لرفع مستوى الأداء وتحسين أوضاع حقوق الإنسان وفق ما تتطلبه خصوصية الدولة السعودية.

عند إعلان الأمير محمد عن تفاصيل رؤية السعودية 2030، صاحب الأمر جدل كبير وتشكيك أكبر بخصوص حقيقة ما يجري في السعودية، وهل حقا سيمضي الأمير محمد بن سلمان قدما في إصلاحاته مواجها مجتمعا وصفه هو نفسه بـ“المحافظ”.

لكن، تجسد الإصلاح في خطوات هامة وأتيحت بعض الحريات بدعم من الأمير محمد بن سلمان إذ رفع الحظر على قيادة المرأة للسيارة، وخفف القيود على الاختلاط بين الجنسين، كما أيد سوابق مثل السماح للمرأة بالخدمة في القوات المسلحة، غير أن تقارير دولية تحدثت عن أن تلك التغييرات رافقتها حملة على المعارضة، شملت الاعتقال، والتعذيب المزعوم، لبعض النشطاء الذين سعوا على مدى عقود من الزمن لدعم حقوق المرأة، علاوة على دعاة يعارضون تلك التغييرات، وهو التحدي الذي تخوضه السعودية اليوم، وستخوضه في كل مرة تواجه قضية مماثلة لقضية رهف وغيرها وسيكون الفاصل الرئيسي فيها موقف السعودية نفسه وطريقة التعاطي معها من قبل مختلف الجهات المعنية، بدءا من السلطات السياسية وصولا إلى الإعلام.

مصالح متشابكة

حملات إعلامية تستهدف النيل من سمعة السعودية
حملات إعلامية تستهدف النيل من سمعة السعودية

تأتي الحملة الإعلامية المتعلقة بقضية رهف بعد حملة أخرى شنت ضد السعودية على خلفية جريمة قتل جمال خاشقجي، في مسعى واضح للإبقاء على السعودية في دائرة التغطية الإعلامية السلبية.

ويلفت خبراء في الشؤون السعودية إلى أن الحملات التي تشن ضد الرياض تستغل أي مناسبة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية للنيل من سمعة المملكة. ويضيف هؤلاء أن الحملات تجري لحساب مصالح متشابكة تستهدف الإساءة إلى صورة السعودية، في سعي منهجي لقلب الصورة الإيجابية التي يريد الأمير محمد بن سلمان صنعها عن السعودية.

تستهدف هذه الحملات صورة السعودية عالميا، بعد أن تولت ورشة مكثّفة السعي لتشويه هذه الصورة عربيا من خلال قنوات قطرية وإيرانية، تضافرت جهودها، خلال السنوات الأخيرة، للنيل من السعودية ودورها الجديد في العالم.

وأشعلت تغريدات رهف من منطقة الترانزيت في مطار بانكوك حملة على الإنترنت. كانت الفتاة قد تحصنت داخل غرفة في فندق لساعات إلى أن عدلت حكومة تايلاند عن قرار إعادتها إلى بلدها. وانتشر على تويتر هاشتاغ (وسم) #أسقطوا_الولاية_ولا_كلنا_بنهاجر.

إيرينا تسوكرمان: قصة رهف مثال على كيفية استغلال واقعة عادية لكي تتحول إلى حملة تشويه
إيرينا تسوكرمان: قصة رهف مثال على كيفية استغلال واقعة عادية لكي تتحول إلى حملة تشويه 

ونقلت وكالة رويترز عن مي، وهي طبيبة تبلغ من العمر 36 عاما، أنها تشعر بالحرج بعد أن أنجبت طفلين وحصلت على شهادة من جامعة هارفارد، لكن لا يزال يجري التعامل معها باعتبارها قاصرا.

لكن، مثلما لقيت رهف تجاوبا وتأييدا كبيرين، تعرضت أيضا لانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي اتهمتها بجلب العار لأسرتها والبعد عن الإسلام، فيما يسلط الضوء على التوازن الدقيق الذي يتعين على ولي العهد أن يحققه في عملية إصلاح المجتمع السعودي دون حدوث اضطراب.

ومكانة نظام الولاية بين القانون والعرف تجعله قضية شائكة أمام الأمير محمد بن سلمان، الذي لمح العام الماضي إلى أنه يفضل إنهاء هذا النظام، دون أن يؤيد إلغاءه. وقال لمجلة أتلانتيك الأميركية “إذا أجبت بنعم على هذا السؤال، فهذا يعني أنني أسبب مشكلات للأسر التي لا ترغب في منح بناتها الحرية”.

وتنبع أوجه كثيرة من نظام ولاية الرجل من ممارسات غير رسمية وليس القوانين. ووضع التقرير العالمي حول الفجوة بين الجنسين لعام 2017، السعودية في المرتبة 138 بين 144 دولة.

وأطلق نشطاء أيضا حملة “أنا ولية أمر نفسي” في 2016 للمطالبة بالتمثيل القانوني. وأصدر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز في العام التالي أمرا يسمح للمرأة بالاستفادة من خدمات مثل التعليم والرعاية الصحية دون الحاجة إلى موافقة ولي رجل، رغم أن منظمات حقوقية تقول إنه ينفذ على نطاق محدود فقط.

ما تحقق من حريات وتغييرات، يعتبر بمقياس الرأي العام العالمي والإعلام الخارجي، أمرا بسيطا، لكنه بمقياس طبيعة المجتمع السعودي وما ترسخ فيه على مدى عقود، كما خصوصية المملكة العربية السعودية ورمزيتها الدينية، يجعل ما تحقق خطوات كبيرة، تمنح الأمل في تجاوز تحديات أخرى لا تزال قائمة.

وتقول منظمات حقوقية إنه رغم عدم وجود حظر على المرأة في شراء أو استئجار عقار، فهذا قد يكون صعبا دون وجود قريب رجل. ورفعت السلطات القيود على المرأة في قانون العمل وأنهت الاشتراطات الرسمية التي تلزمها بالحصول على إذن ولي الأمر للعمل، غير أن بعض أصحاب الأعمال لا يزالون يطلبون هذا الإذن ولا يعاقبون على ذلك.

كما ألغت المملكة اشتراطات بأن تجلب المرأة قريبا رجلا لتأكيد هويتها في المحكمة، وبات بإمكان المرأة استخراج رخصة وقيادة السيارة دون الحاجة إلى موافقة ولي.

وكان محمد العيسى، وزير العدل السابق وعضو هيئة كبار العلماء في السعودية، قال العام الماضي إنه لا يوجد سبب لمنع المرأة من الحصول على جواز سفر أو السفر دون موافقة ولي رجل، لكن قبول المجتمع بهذا قد يستغرق وقتا.

تغييرات كثيرة داخل المجتمع السعودي
تغييرات كثيرة داخل المجتمع السعودي

والظاهر أن الأمر لم يعد يتعلق بمبدأ الإصلاحات التي أطلقتها الرياض في عهد ملك البلاد سلمان، بل بالسرعة الواجب اعتمادها لتأخذ هذه الإصلاحات حيّز التنفيذ وتصبح من عاديات الثقافة المجتمعية في السعودية، خصوصا أن السعوديات لا يردن الانتظار.

وكتبت امرأة عرفت نفسها باسم فاتن على الإنترنت “من حقنا أن نُعامل كبالغات لأننا أكبر من 18 عاما”. وأضافت “هذه الولاية ليست سوى نظام عبودية حديثة”.

وتتحدث بعض المصادر السعودية المراقبة عن أن الرياض تتعامل مع هذه القضايا بكل شفافية، لا بل أن الحملات ضد قوانين العائلة في المملكة، وإن كانت لها في جانب منها، أهداف سياسية مغرضة، إلا أنها تساعد في الوقت عينه على الدفع بالجهود الإصلاحية للأمير محمد ورؤية السعودية 2030.

ولا شكّ في أن تبني قناة العربية السعودية لقضية رهف إخباريا، يعكس في جانب منه تضامنا ضمنيا مع قضية تلك الفتاة في نزاعها مع أهلها. وهذا بدوره يشي بأن السعودية باتت تتمتع بمناعة تتيح لها التعامل مع الحملات كما الأزمات، كما تتمتع برشاقة في الاستفادة من ضغوط الخارج لتفعيل وتسريع مشروع الإصلاح الطموح في المملكة.

7