رهينتان واجهتا الموت تحولان التجربة إلى كتاب للأطفال

لا زلت أتذكر عملية فيزيائية قام بشرح حيثياتها أستاذ العلوم التجريبية لنا أيام الدراسة بالثانوية، لأنني وجدت المصطلح الذي أطلقه عليها عجيبا شيئا ما، العملية هي تحول الماء من الحالة الصلبة (الجليد) مباشرة إلى الحالة الغازية (بخار)، والمصطلح باللغة الفرنسية هو sublimation الذي هو مرادف لكلمة التسامي، أو التصعد، أو بكل بساطة التحويل الراقي.
السبت 2015/05/16
الرهينتان الفرنسيتان تكتبان عشرة أشهر من الاحتجاز في ثوب مسل للأطفال

من باب صنعة التسامي، مصور حرب شاب وصحفي فذ، بيير طوريس ونيكولا هينان، الرهينتان الفرنسيتان اللتان تم احتجازهما بسوريا في يونيو 2013، وتم تحريرهما عشرة أشهر بعد ذلك، يصدر لهما معا كتاب للأطفال معززا بالصور والرسوم، تم التفكير فيه خلال الاحتجاز بعنوان “هل يعود القنفذ الأب إلى البيت؟”، عن منشورات فلاماريون.

أمر عجيب أن تأتي فكرة لرهينتين بتأليف كتاب للأطفال خلال فترة الاحتجاز. بدأ كل شيء انطلاقا من لعبة صغيرة جدّ بريئة كانت تلعبها ثلاث رهائن؛ متواجدات في مكان واحد منعزلات عن العالم في انتظار مصير مجهول، لقد كانت لعبة مماثلة بين البشر والحيوان، عمليا كنوع من التشخيص النفساني بينهم باستعمال الحيوانات كدعامات، حيث كان المحتجزون يطرحون على بعضهم أسئلة من قبيل: أي حيوان يطابق شخصيتك بشكل كبير؟ أي حيوان تفضل أن تكون؟ هذا النوع من الأسئلة التي تنبع من الموازاة أو التطابق بين عالم البشر وعالم الحيوان.

هي قصة تسلط الضوء على لحظات الانتظار التي يعيشها الأطفال والقلق الذي ينتابهم حين يتأخر الأب في العودة إلى المنزل، تحكي في مجملها للأطفال أن “بابا” ليس هنا لكنه سيعود حتما، ومهما كانت الظروف يجب أن لا نفقد الأمل إن تأخر، لأنه سيعود.

بالنظر إلى الإشكالية التي تعالجها القصة يتبادر إلى الذهن أن الرغبة في تأليف “القنفذ الأب” تفكير من له أسرة وأطفال ينتظرونه كل يوم، فالصحفي نيكولا أب لطفلين أما المصور بيير فهو غير متزوج.

هينان يعتبر أن التفكير في أطفاله قد آنسه وساعده على الصمود وهو في الحجز، وجعله يعاني في نفس الوقت. فقد كانوا عشرين رهينة في مكان واحد، ومن بين هؤلاء أربعة أشخاص فقط كان لهم أطفال.

في خضم حديثه عن تلك المعاناة سأله الناقد إيمريك كارو إن كان الآن يلوم نفسه على المغامرة التي أقدم عليها، وجعلته يعيش تلك الظروف، لكن نيكولا لم يردّ بالإيجاب بل كان تصريحه على غير المنتظر حيث أقر بكل صراحة أنه إن كان يلوم نفسه على شيء ما، فإنه يلومها على كونه لم يقدم على تلك المغامرة منذ عشر سنوات خلت، في عهد كان فيه شابا لا يكترث، دون روابط عائلية أو غيرها، وبالتالي كان كل شيء سيمر بشكل أهون، دون حكايات ودون عواقب فيكون إذن أقل ألما.

وقد استوعب الأمر مليا خلال تلك العشرة أشهر من الاحتجاز حيث يقول إنه كان يحادث نفسه قائلا “اللعنة يا نيكولا! لديك عائلة، ولم يعد بإمكانك كما في السابق أن تتصرف كما يحلو لك.

أما المصور بيير طوريس، فقد ذهب من تلقاء نفسه واتخذ القرار بشكل مستقل دون نقاش مع مدير للتحرير أو أي كان، ويعتبر الريبورتاج الذي قام به أول ريبورتاج محترف بصور حقيقية لما يحدث في سوريا.

بالرجوع إلى الكتاب، فإن بيير طوريس الذي أبدع في رسم الصور الجميلة التي بداخله، هو الذي يقوم بالإهداء لمن أراد ذلك، عبر رسوم في منتهى الروعة، أما نيكولا هينان الذي كتب القصة فقد أصدر بالموازاة مؤلفا آخر لكنه موجه للكبار هذه المرة، ويحمل عنوان “أكاديمية الجهاد: هفواتنا تجاه الدولة الإسلامية”، يبرز من خلاله وعبر تحليل دقيق، مسؤولية الغرب في تنامي حركات الإرهاب.

17