روائع العمارة الإسلامية من بيت الهراوي إلى بيت العود العربي

بني بيت الهراوي، في القاهرة عام 1731، على يد أحمد بن يوسف الصيرفي، ويعدّ واحدا من أفخم المنازل الإسلامية التي تعود إلى العصر العثماني، حيث يقع المنزل في قلب القاهرة القديمة، خلف مسجد الأزهر في منطقة الدرب الأحمر، وقد استعاد اليوم وهجه بعد أن أضحى بيتا للعود العربي.
الثلاثاء 2015/05/26
بيت العود العربي أعاد روح التراث الأصيل إلى قصر الهراوي في القاهرة القديمة

سمي بيت الهراوي، الواقع وراء جامع الأزهر بالقاهرة، باسم مالكه الأخير، وهو عبدالرحمن بك الهراوي، ومع أنّ تشييده يعود إلى أوائل القرن الثامن عشر فإنّه عانى طويلا من الإهمال، لكنّه أصبح بعد ترميمه عام 1993 أحد أهمّ المزارات الإسلامية في القاهرة القديمة.

وأضحى بيت الهراوي يعرف اليوم أيضا باسم ”بيت العود العربي”، إذ تحوّل إلى مركز للحفاظ على فنون العود، وقبلة يقصدها الراغبون في تعلّم العزف على الآلة العربية العريقة.

ويمكن لزائري البيت، إذا دخلوا إلى فنائه المكشوف، أن يستمتعوا لا بفن العمارة الإسلاميّة فحسب وإنّما أيضا بمهارة أحد عازفي بيت العود العربي الذي أسّسه ويشرف عليه الموسيقار العراقي “نصير شمه”، وهو بذاته يجول أمام الزائرين، بعد أن تحوّل البيت إلى مقرّ لاستضافة هذه المؤسّسة التعليمية العربية التي اتخذت من حي الأزهر مقاما لها من نوع جديد.

يقول الدكتور منتصر شريف، خبير الآثار الإسلامية، إن بيت الهراوي سيظلّ أحد أهم المعالم الإسلامية في مصر القديمة، وخاصة في منطقة الدرب الأحمر، التي تحتوي على العديد من الأماكن والآثار الإسلامية القديمة، مثل بيت الست وسيلة الذي بني في القرن الـ17، ومنزل زينب خاتون، وغيرهما من الأماكن التاريخية.

ويشير شريف إلى أنه في الطابق الأول يطغى اللون الأزرق على الزخارف الهندسية التي يزخر بها هذا المنزل العريق، ممّا يعطي مزيجا فنيا مدهشا، وخاصّة سقف القاعة الذي يعتبر متفردا في أسلوب البناء والزينة.

من جانبه، يشير محمود نبيل، خبير الآثار والعمارة الإسلامية، إلى أن المنزل يتكوّن من ثلاثة طوابق، المدخل الأصلي للمبنى من الجنوب يضم ممرا وزقاقا ومندرة، كما يضم الطابق الأول المطابخ والمباني الملحقة ومساحات التخزين، ويحتوي الطابق الثاني على غرف تقليدية جميلة تتمتّع بزخارف نباتية وجدران مليئة بالملصقات باللون الأزرق.

ويذكر نبيل أن واجهة الغرب تتكوّن من حجر منحوت، منذ القرن الـثامن عشر، وإلى الجانب الأيمن توجد نوافذ مقوّسة ترجع إلى القرن الـتاسع عشر، وتم وضعها عندما أُضيف المدخل الشمالي الجديد إلى البيت.

ويقول إن بيت الهراوي أصبح مكانا شعبيا يتم استخدامه كمكان لإقامة حفلات الزفاف والمناسبات، كما يسمى بيت العود العربي، نظرا إلى وجود فرقة العود التي تقدّم للجمهور حفلات موسيقيّة تراثيّة بشكل منتظم، وخاصة في شهر رمضان.

بيت الهراوي يجسد نموذجا أصيلا لهندسة العمارة الإسلامية، وقد استعاد وهجه وروحه التراثية بعد أن أضحى مقرا لبيت العود العربي

والواضح أنّ السهرات الموسيقية التراثية قد أعادت روح الطرب الأصيل إلى هذا البيت التاريخي، وأصبحت جزءا منه، بل ونجحت في تعريف الجمهور بروائع العمارة الإسلاميّة التي شيّد بها. فقد استعاد البيت مكانته في احتضان العديد من المواهب في القاهرة القديمة، وأضحى وسيلة ذات فعالية في الحفاظ على الطرب الأصيل.

ويعدّ الفرنسيون الأكثر ارتيادا لمقام هذا البيت، فهم يعرفونه تماما، ويعود ذلك إلى أنّ مالكه الأخير عبدالرحمن بك الهراوي سافر إلى فرنسا في بعثة مصرية طلبا للعلم، وعند عودته استضاف عددا من الفرنسيين، حتى أصبحت تلك الزيارات عادة جارية.

وعلى الطراز الذي تعرف به العمارة الإسلامية، يضم البيت فناء مكشوفا يتميّز بأنّه يؤدي إلى مداخل البيت المختلفة، حيث تظهر صالونات الجناحين الشرقي والجنوبي، غير أنّ ملحقات البيت من مطابخ ومنافع توجد في نواح قصية من فناء البيت الذي يضم في أقاصيه الغربية طاحونة تدور بطحن الغلال، فضلا عن إسطبل تودع به الخيول الأصيلة.

وتعدّ المندرة من المناطق الجاذبة للجمهور داخل بيت الهراوي، وهي عبارة عن قاعة فسيحة لاستقبال الضيوف والجلوس في الطابق الأرضي الذي يحتل كل الجناح الشرقي من البيت، وتتكوّن المندرة من ثلاث قاعات، ويتوسّط مدخلها نافورة مزخرفة بقطع الفسيفساء تشد الزائرين بجمال أرضيّتها وبدقة تصميمها الهندسي المصنوع من الرخام ذي الألوان الهادئة. ويحيط بالنافورة إيوانان أحدهما مرتفع وقد خصّص لجلوس نساء البيت به بعيدا عن الأعين المتلصّصة.

وللإشارة فإنّ النافورة كانت تعدّ عنصرا أساسيا في مثل تلك القصور الإسلامية الفسيحة لعدّة أسباب يأتي في مقدمتها منع التجسّس الذي كان شائعا في تلك الفترة. فقد كان يعتقد أن النافورة كفيلة بمنع التلصّص لما يدور من أحاديث داخل البيت بفضل ما يحدثه خرير المياه من ضجة. كما للنافورة وظيفة أخرى مطلوبة في تصميم العمارة الإسلاميّة، فهي تستعمل كطريقة طبيعية لتبريد الهواء خلال أيّام الصيف الحارة.

20