روائيات عربيات اقتحمن عوالم الجنس والجسد والمسكوت عنه

حديثُ الجنس ينطوي دائما على السرّي والغائب والمسكوت عنه، مثلما يُثير جدلا إشكاليا في موضوعاته وأسئلته، وحين يجد هذا الحديث مجاله في السرديات الروائية فإنّه يكتسب بعدا أكثر إثارة وأكثر تعبيرا عن تعالق الكتابة الروائية مع سيميوطيقيا ذلك السري والمقموع في تاريخ ثقافتنا العربية.
السبت 2018/02/24
الجنس عند المرأة وصورة الرجل (لوحة للفنان بهرام حجو)

في كتابه النقدي الجديد “الجسد والايروتيكا في الرواية النسوية العربية” يقدم الناقد أسامة غانم قراءة في ثيمة الجنس من خلال سبع روايات نسوية استغرقتها موضوعات الجسد الجنسوي بتمثلاتها الإيروتيكية والسوسيولوجية.

الجسد وشفراته السرية 

عند مدخل الكتاب، الصادر عن دار نون للنشر والتوزيع ببغداد، يضعنا غانم أمام فرشة نقدية للتعريف بمرجعيات الكتابة عن الإيروتيكي والبورنوغرافي، وللكشف عن السياق الذي تموضعت فيه إشكالية مصطلح الجسد في سياقاته الثقافية والتاريخية، وفي طبيعته الوظائفية في كتب التاريخ والقصص والحكايات، وفي علاقته مع السلطة والمعرفة، فضلا عن التعريف بخصوصية الروايات التي اختارها منهجيا لتمثّل أطروحاته في النظر إلى سرديات الكتابة النسوية الإيروتيكية.
والروايات السبع هي المشغل الإجرائي لاستقراء موضوعات “السرد الأدبي الذي تكتبه المرأة” والذي وضع ثنائية الجسد والإيروتيكا في سياق سوسيوثقافي للكشف عن التعالقات بين ما هو ثقافي وما هو أيروسي، بوصف أنّ معالجة السردية النسوية لهذا النوع الكتابي ستكون أكثر تعبيرا عن هواجس الأنثى الكاتبة، وعن استراتيجيتها في التعاطي مع “المقموع والمسكوت عنه” ومع السلطة بوصفها التاريخي أو بوصفها الذكوري.
وفي رواية “لهو الأبالسة” للروائية المصرية سهير المُصادفة تتبدى فكرة السرد من خلال المزج ما “بين الحكاية الشعبية والغرائبي واللامعقول” عبر إدانة السلطة من خلال فضح قمعها “التاريخي والواقعي والتخييلي” حيث يكون الجسد/جسد الأنثى هو المقابل لفكرة الذات واختراق الجسد يعني اختراق الذات والهوية، وأنّ ما عمدت إليه الروائية في توظيف “الحكاية الخرافية” يمثل تورية للحديث عن الجسد في الحكاية الواقعية، تلك التي تكتب عن سيرة المرأة الضحية، وعن سيرة الرجل بوصفه رمزا للأبلسة الرمزية وللسلطة والأيديولوجيا والعنف

قراءة في ثيمة الجنس من خلال سبع روايات نسوية
قراءة في ثيمة الجنس من خلال سبع روايات نسوية

.
وفي مقاربته لرواية “خاتم” للسعودية رجاء عالم، يضعنا الناقد في سياق التعرّف على ما تهدف إليه هذه الرواية التي تتضمن ثلاث قصص، تلتقي جميعها عند ثيمة الجسد، وعبر “تكسير النموذج السردي الذكوري بتفتيت الوحدات السردية وتعرية عجزها”، وعبر محنة الشخصية الأنثوية وهي تتقنّع بقناع الذكورية بحثا عما يشبه الخلاص أو فضحا لما تُخفيه من تشوهات نسقية عميقة تنكسرُ فيها ثنائية الجسد والذات، من خلال تشوّه الهوية الجنسية في الجسد والتي “تعمل على نشوء ممارسة سوسيولوجية مزدوجة، منقسمة، متناقضة، ففي الصلاة يوم الجمعة غلام، وفي الأعراس صبية”.
وتعمل رواية “حكاية زهرة” للروائية اللبنانية حنان الشيخ على إثارة موضوع “هوية الجسد” بوصفها لعبتها السرية، ومغامرتها للتوصيف والبحث عن اللذة مقابل البحث عن الذات، فعبر هذه الثنائية تتبدى رؤية الروائية وهي تلامس شفرة الخوف، وفكرة الحرب، وبكلِّ ما تتركانه من اغتراب واستلاب وضياع، ومن متاهة تضيع فيها صورة الرجل عبر قناع القناص والمُغتصِب، إذ يحمل كلاهما دلالة الاقتصاص بوصفها “دلالة رمزية لمسخ إنسانية الإنسان وإدخاله دائرة الحيوان”.

الأنثى المطاردة

في رواية “برهان العسل” للروائية السورية سلوى النعيمي تبدو الأحداث وكأنها سلسلة من التمثّلات التي تعكس محنة الجسد واغترابه، إذ هو الجسد الشبقي، والجسد المسكون بالخطيئة، فضلا عن كونه الجسد المحاصر بالأوهام والأقنعة والإغواء والجموح، والذي تسعى من خلاله البطلة/الساردة إلى “خلخلة المركزية الفحولية المهيمنة على السردية العربية، والعمل على تكريس خطاب الأنوثة الذي يؤمن بالثنائية الجنسانية”.
الضمير السردي الأنثوي يصبح هنا مجالا تعبيريا عن استحضار فكرة الاعتراف من جانب، وفكرة مواجهة الآخر من جانب آخر، وعبر صوت الأنثى التي تجاهر برغباتها وباعترافها، وبنزوعها للتماهي مع الثنائية المنهجية التي اعتمدها الناقد في كتابه حول موضوعات الجسد والذات، حيث حرية الأول تعني حرية الثاني مثلما تعنيه حرية الثاني، وعبر ما تقترحه من حيل سردية لمقاربة عقدة الذات الساردة للإيروتيكا والتي تبدو أكثر حضورا في رواية “التشهّي” للروائية العراقية عالية ممدوح.

محنة الجسد واغترابه، إذ هو الجسد الشبقي والجسد المسكون بالخطيئة، فضلا عن كونه الجسد المحاصر بالأوهام والأقنعة

 فهي تقترح بطلا إشكاليا وبمرجعيات أيديولوجية معطوبة، حتى يبدو هذا العطب وكأنه تعبيرٌ عن عطب الذات والجسد والفكر، وأنّ شفرة التشهي والشبقية والتخيّل الإيروتيكي هي أقنعة للمسخ الإنساني عبر تمثلاتها الرمزية لثيمة اختفاء العضو الذكري كتورية للاختفاء الوجودي، وفي نزوعها للترميز عن فشل الجسد الأيديولوجي/الشيوعي في فرض إشباعته وقوته، إذ تستعير الروائية لهذا الفشل مشاهد واستيهامات لها دلالاتها في التعبير عن تعالق الحضور الشبقي مع خواء الذات في منفاها، وعن الهوس بالجنس كنوع من التعويض للهوس بالحياة ذاتها.
اختيار الناقد لرواية “الاسم والحضيض” للروائية التونسية فضيلة الشابي لا يخرج عن سياق البحث عن حمولات الجسد الرمزية، فبقدر ما تعنيه التسمية من دلالة، فإنّ مقاربة موضوعة القمع لا تنفصل عن موضوعات نقد السلطة والتاريخ والموت، حيث يكون الجسد هو الضحية دائما، وأنّ نزوعها للعنونة المفارقة هو تماه مع اللعبة السردية في الكشف عن سلسلة من الصراعات الجنسية والطبقية والعلاماتية التي تعيشها المرأة، أو التي تتورط فيها بوصفها الأنثى المطاردة والمُغتَصبة، والباحثة عن الحياة واللذة، وعن هوية الأنثى عبر التسمية والامتلاك للجسد والمعنى.
وفي رواية “اكتشاف الجسد” للروائية الجزائرية فضيلة الفاروق يعمد الناقد إلى تقديم قراءة ثقافية تنطلق من مقاربات مفاهيمية للذكورة وللمركزية القضيبية وللاغتصاب، حيث يجد في بطلة هذه الرواية أنموذجه الإشكالي في تحمّل هذه المهيمنات، وفي تمردها على “أنوثتها المُنتهكة” من خلال لعبة اكتشاف ما هو خفي في الجسد، عبر اكتشاف ضياعه وسرائر شهوته، لكنه يجد في هذه اللعبة عتبة نقدية لتعرية الذكورية بمعناها الأنطولوجي أو السياسي والرمزي، فأبطال الرواية هم مغتصبون لكنهم يلبسون أقنعة المثقفين ويتماهون مع الصورة النمطية للمثقف الشرقي واليساري، والأبوي والسلطوي، بوصفهم ذواتا تعيش هواجس الهروب والقلق، مثلما هم صور للبطل/الضحية الذي يعيش رهابات الهزائم والحروب والاغترابات الكبرى.

14