روائية ترسم صورة لمجتمع عماني أرستقراطي تتخلله هواجس الانتماء

السبت 2014/08/23
هدى حمد تكشف بعض خفايا المجتمع العماني بجرأة كبيرة

دمشق- عن “دار الآداب”، وفي إطار محترف نجوى بركات في دورته الثانية، صدرت رواية بعنوان “التي تعد السلالم”، للكاتبة العمانية هدى حمد. وهي الرواية الثانية لها بعد “الأشياء ليست في أماكنها”. الرواية عبارة عن تاريخ عُماني مُهمل يتكشّف، وقصص مرّت من دون أن ينتبه لها أحد.

يشعر القارئ عند قراءته لرواية “التي تعد السلالم”، بداية، بالغيظ من شخصية “زهيّة” فهي متأنّفة، تستعبد الخدم لديها، كما أنها مهووسة بالنظافة وتمارس سلطتها على خادمتها وتحشرها في “مربع” ترسمه لها ماديا ومعنويا، كما تعيش حياة أرستقراطية كرسامة وزوجة كاتب ومهندس بترول، إلا أن هذه الصورة لا تلبث إلا أن تتكشف لتقدم حقيقة ما يدور وراء الصورة اللامعة من مخاوف وهواجس تحدد ملامح رحلة طويلة تكتشف فيها كل شخصية ذاتها وتاريخها الذي تحاول إخفاءه.


وسواس قهري


الحديث عن النظافة والترتيب هو ما يشغل بال “زهيّة” فهي مهووسة بالتفاصيل سواء في منزلها أو في عملها -النقش على العباءات- كما أنها لا تستطيع الحياة دون خادمة تقوم بترتيب منزلها و تنظيفه لـ”تمشي حافية على بلاطه” هي تحيا بصورة أقرب لمن يمتلك كل شيء، إذ لا مشاكل مالية تضايقها، بل هي متفرغة لعملها الفني، وأسرتها التي تحرص عليها حرصا شديدا، فأسرتها مكونة من ولديها وزوجها عامر.

هذه الأسرة التي عملت على تأسيسها بعيدا عن الصورة النمطية التي يرغب فيها أهلها، فهي خالفت رغباتهم وسافرت إلى مصر لتدرس الرسم والفنون الجميلة بدون مباركتهم مما قطع علاقتها مع والدها وجعل علاقاتها مع أمها متوترة دائما، كما أنها تزوجت عامر، ذا الأصول الأفريقية حيث جلب زواجها منه نوعا من العار على قبيلتها الأصيلة وأسرتها ذات الجذور العربية.

عامر زوجها أيضا مصاب بنوع من الوسواس في سبيل اكتشاف قصة أمه الحقيقية التي لم “يرضع منها سوى مرة واحدة” أمه “بي سورا” التي أُجبر أبوه على ترك تنزانيا وتركها عقب الانقلاب الذي حدث فيها وتمّ طرد العرب منها بل وذبحهم وتجويعهم والعودة إلى عُمان مع ابنه الصغير، عامر الذي ورث بعضا من ملامحها، إلا أن هاجس البحث عنها لا يزال موجودا لديه وهو ما يشكل محور الرواية التي يكتبها.

الرواية تكشف عن طبقات من تاريخ الشخصيات كل منها يقدم سيرة مختلفة عن الآخر تحاول الكاتبة التوفيق بينها

بعد رحيل خادمتها السيريلانكية، توظّف “زهيّة” خادمة أخرى من أثيوبيا، لتبدأ معها قصة طويلة تتخللها الأحلام والهواجس حيث تتمكن “فانيش” من كسر علاقة “خادم / سيد” لتتحول شيئا فشيئا إلى فرد من الأسرة.

ففي البداية تبدأ بالحديث مع عامرعن طفولتها، ليتكشف الجانب الإنساني لديها، وبالرغم من غضب زهيّة إلا أنها تضطر للتقرب منها نتيجة حلم يراود “فانيش” عن امرأة تنتحر في المنزل.

ثم ما يلبث الحلم أن ينتقل إلى إلى زهية، لتدخلا كلاهما في رحلة من الأحلام المتبادلة تنتهي برسم زهيّة للمرأة التي تنتحر كل يوم في الحلم على أحد جدران المنزل، لنكتشف لاحقا أن هذه المرأة هي زهية نفسها وأن “فانيش” هي وسيلة زهية للتخلص من قيود ماضيها والاعتراف والتصالح مع ذاتها الذي لولا ذلك لكانت نهايتها ستنتهي بالانتحار.

تتواشج خيوط الحبكة، حيث يسافر عامر إلى تنزانيا للبحث عن أمه وخلال رحلته يكتشف تاريخ طفولته وشباب والده الذي لم يعرف عنه شيئا سوى ما كان عبر القصص، حيث يضيف إلى جعبته عبر هذه الرحلة الكثير من الروايات التي سمعها من سكان المنطقة والتي تكمل الصورة لديه عن بلاد أمّه.

هناك عدد من المستويات السردية التي تطرحها الرواية ففي البداية نحن نقرأ ما يحدث بصوت “زهيّة” التي تغرق في التفاصيل عن الحياة اليومية وعن طفولتها وعملها وفنّها وهوسها بالنظافة.

رواية عن معالم العلاقات العمانية الأفريقية

ثم يدخل صوت سردي آخر يمثل نصوص الرواية التي يكتبها زوجها عامر والتي يستدعي عبرها ذكريات والده عبر نصوص روايته التي لم تكتمل بعد، بعدها تسرق زهية مذكرات “فانيش” لتعرف عنها أكثر، لنقف أمام مستوى جديد تستعيد فيه “فانيش”ما يمر بحياتها من أحداث، هذا التداخل يجعل الرواية تكشف عن طبقات من تاريخ الشخصيات كل منها يقدم سيرة مختلفة عن الآخر تحاول الكاتبة التوفيق بينها ضمن فضاء منزل “زهيّة”.


صراع نفسي


زهية أقرب للمصابين بالانغلاق العاطفي، فهي تكبت ما في داخلها، وكان لظهور “غانيش” في حياتها الأثر الكبير حيث حررها ذلك من قيود الطفولة التي عانت بسببها الكثير من الضرر على الصعيدين النفسي والجسدي، كما أدّت إلى مصارحة عامر وانهيارها أمامه بحيث باحت له بكل شيء مما كانت تخفيه عنه. وتكتب هدى حمد أيضا عن مألوفنا الذي قد نعيشه وقد نحلم به.

نكتشف كذاك في الرواية أزمة الانتماء التي تعانيها فقد تحولت من مسيحية إلى مسلمة وذلك إثر خدمتها لأسرة سعودية كذلك تعرضها للتحرش من قبل أحد أفراد هذه الأسرة، هذه الصراعات كلها تتكشف ببطء أثناء سير الرواية وتغلغلها في تفاصيل الحياة اليومية للشخصيات لترسم ملامحها وصراعاتها الاجتماعية والفكرية.

16