روائية كويتية تخرج أبطالها من مدينة الزجاج

تسنيم الحبيب تؤكد أن الكتابة بذاكرة الرجل ليست غريبة عليها، وترى أن إصداراتنا العربية الموجهة للناشئة فقيرة جدا.
الجمعة 2018/08/24
المراهق المنسي دائما (لوحة للفنانة سارة شامة)

تسعى الروايات الموجهة إلى الشباب للرفع من قيمة التجربة والاختيار، إنها لا تقول لهم يجب أن تفعلوا هذا، أو ينبغي أن تتركوا ذاك، وإنما تستعرض التجربة لتأخذ بأيديهم ناحية مصادقة ذواتهم ومعرفة حقيقة أنفسهم. “العرب” توقفت مع الروائية الكويتية تسنيم الحبيب المهتمة بالكتابة عن أدب الفتية المراهقين في حوار تناول تجربتها الأخيرة.

صدرت عن دار الفراشة الكويتية مؤخرا رواية “الخروج من مدينة الزجاج” للروائية الكويتية تسنيم الحبيب، وهي رواية موجهة للفتيان، وتأتي هذه الرواية بعد عدة أعمال سردية قدّمتها الحبيب للقارئ منذ 2010 حين أصدرت أول مجموعاتها القصصية بعنوان “آخر الشطآن”. وينتظر أن تقدّم لقارئها الجزء الثاني من سلسلة الرواية المهتمة بأدب الفتيان. بالإضافة إلى اشتغالها على مخطوط يضم نصوصا سردية ما بين متتاليات قصصية وقصص قصيرة.

المراهق في لندن

ترصد رواية “الخروج من مدينة الزجاج” من خلال عيون مراهق كويتي يعيش في لندن أثناء دراسة والده وعلاج أمه هناك، الصراعات اليومية المتعلّقة بالهوية والعنصرية والتربية والعلاقات الإنسانية في الغربة وفي الوطن، سواء مع العرب أو مع غيرهم من الجنسيات المقيمة هناك. وتقف على مدى فهم الآباء والأجداد لواقع أطفالهم الذين يعيشون في أحضانهم، وكيف ينعكس كل ذلك على أرواحهم واختياراتهم وأسئلتهم الصغيرة.

تحدثنا الحبيب عن مناخات الرواية قائلة “يهرب عبدالله، الفتى ذو الرابعة عشرة من الأوطان الهشة طيلة الرواية، تتعبه المرواغات بين الأمن والخوف، بين هدوء البال وقلق الأخيلة، ويحتار في فكرة المكان، ليبرز سؤال الرواية الأكبر: من الذي يصنع أماننا وطمأنينتنا؟ من الذي يقدر أن يشكل فكرة الرضى والسلام؟ أهو المكان أم الظرف أم نحن؟”.

وتتابع “تحاول الرواية أن تقترب من هذه الأسئلة المحيرة عبر أحداث ومعايشات تروى بلسان ووعي فتى الرابعة عشرة، الذي يترك اعتيادية الأشياء في الوطن ويسافر مع أبيه المتعثر دراسيا، وأمه المريضة إلى إحدى ضواحي لندن، ويجد أن عبء عدم الانسجام في الفضاء الجديد أصعب من أن يستوعبه. وتحاول الرواية عبر ذلك كله الغوص في العلاقة المتوترة بين أجيال ثلاثة، الأجداد والآباء والأحفاد، راسمة النظرات المتباينة تجاه القضايا”.

تسنيم الحبيب ترى أن هنالك الكثير من الأسماء المميزة في المشهد السردي في الكويت أثرت المكتبة العربية وأثارت قضايا محلية وإنسانية شاملة

اختارت كاتبتنا الحبيب أن تسرد الرواية بذاكرة فتى مراهق، وليس فتاة مراهقة. وهذا الاختيار امتحان حقيقي لقدرة الروائية في سبر أعماق شخوصها التي لم تعش طفولتها. وعن هذا الاختيار تعلّق الحبيب “وجدت في شخصية الرواية قالبا يصلح لصب معاناة هذه الشريحة العمرية دون تخصيص، فمعاركه الداخلية تصلح لأن تدور في كل دخائل أبناء جيله، فتى أو فتاة، بل حتى أعماق الناضجين، الغضب، الرفض، اليأس، الحيرة، العناد، قد تبدو هذه السمات أكثر وحشية لديه، ربما لأن الناضجين يقدرون على ترويض ظواهرهم، لكن من يدري ماذا تخبئ قشورنا؟”.

وتضيف في الشأن نفسه “الكتابة بذاكرة الرجل ليست غريبة علي، قدمت الكثير من النصوص القصصية، وجزءا من رواية سماء قريبة أعرفها بسرد الرجل، كما أني في الأغلب أتحدث وأكتب وأشكل النصوص بوجع الإنسان الشاسع، وأرفض –تقريبا– تصنيف المعاناة، ومع هذا كتبت بعض النصوص التي تحمل وجعا أنثويا خالصا بلسان الأنثى”.

وفي سؤال عن اختيارها لفتى مراهق من طبقة كويتية غنية أو (ميسورة الحال)، وكيف أن هذا الاختيار يكرّس من الصورة النمطية للمجتمع الكويتي، الذي قدّمته المسلسلات التلفزيونية بصورة إسمنتية ذات شكل اجتماعي طبقي واحد (ثري)، دون تقديم صورة الطبقة الفقيرة من الكويتيين أو البدون، التي تشكّل شريحة اجتماعية، ومكوّنا من مكوّنات الفضاء المكاني والزماني للأعمال الروائية.

تجيب الكاتبة “عبدالله ليس فتى ثريا، لنقل إن أسرته على الأقل ليست ميسورة الحال، فوالده لا يعمل، ويعتاش على معونة الجد وراتب الأم، والرحلة العصيبة إلى لندن نتيجة لمحاولة الوالد لتوضيب تعثره الدراسي. والواقع أني مهتمة جدا بتوضيح صورة العائلة الكويتية الاعتيادية، وتشكيل بعض ملامح ‘بيت الحمولة‘ في الرواية. هذا البيت الذي يتنازع سكانه على سائق واحد يقود ‘الكيا‘ المألوفة ليوصلهم إلى مدارسهم النظامية الحكومية. نعم، قد تبدو الأسرة ثرية نظرا إلى تفاصيل الدراسة في الخارج، لكن هذا لا يخرج عن صورة التعاون الأسري لتجاوز محنة ما”.

وتتابع في الشأن نفسه “هنالك أيضا زاوية في الرواية أثثتها بشخصية “ظاهر” الفتى الـكويتي البدون الذي كان يبيع الفواكه في أرصفة الكويت، والذي صار يأخذ في كيس غدائه ‘مكبوس الدجاج والتمر‘ بعد انتقاله إلى لندن، الأمر الذي يعزز صورة انتمائه إلى الوطن رغم التغرب، ظاهر المحتقن بسمرة ‘الديرة‘ يرد على عبدالله حين يسأله عن شوقه للكويت بـ: نعم رغم كل شيء أشتاق للوطن. لقد حاولت في الرواية ألا أجنس الوجع، ولا أضيقه، حاولت أن أظهر عبر بعض الفصول ذلك الثوب الفضفاض، وتلك المساحة الشاسعة التي تستوعب جراح الغربة، فغسان الفلسطيني الذي يرسم خارطة القدس على هامش صفحات الدفتر، وزين اللبناني الذي يحمل في الأخيلة صورة لشجر الأرز، وأمجد السوري الهارب، وعباس العراقي، وإيكرا الهندي، حتى سامي الصومالي، كلهم وجوه جمعها التيه رغم تبيانها”.

صراعات حول الهوية والعنصرية والعلاقات الإنسانية في الغربة وفي الوطن
صراعات حول الهوية والعنصرية والعلاقات الإنسانية في الغربة وفي الوطن

إصدارات فقيرة

حضور عوالم المراهق في الأعمال السردية العربية حضور باهت، فهنالك أدب للكبار، وأدب للأطفال، ولكن ليس هنالك أدب متخصص تناول حياة وأعماق ومشكلات وعوالم المراهقين، ذلك الأدب الذي يفترض أن يترجم حقيقة وجودهم المنعكس من واقع نفسي مدروس بعناية. فيلاحظ أنه لم يتناول الأدب العربي هذا الملف الشائك إلا تناولا شكليا، لم يلامس سوى سطح الصورة دون الدخول في العمق الحقيقي لشخصيته وأبعاده النفسية.

تتفق تسنيم الحبيب معنا في هذا الأمر، وترى أن إصداراتنا العربية الموجهة للناشئة فقيرة جدا، والنتاج المقدم لا يحترم إمكانيات هذه الفئة ولا تطلعاتها، وتجد أن النتاج مخنوق بين قوسي الوعظ والاستخفاف، وهذا -بحسب رأيها- على عكس المكتبة الأجنبية التي قدمت سلاسل مشوقة، وتحترم عقلية الناشئ، بل قد تقدم رسائل لعالم الناضجين أيضا.

تقول “هذا ما استفزني، وربما استفز المراهق النائم في ذاكرتي لأعيد بعثه، فأنظر بعينه، وأتحسس الأحداث بذائقته، وأتصرف في فصول الرواية برعونته، لأقدم لهذه الفئة التجربة كاملة دون التقليل من شأن وعيها”.

وتضيف “أحببت تجربة الكتابة للناشئة، وأكتب حاليا الجزء الثاني من مدينة الزجاج، والتي تتناول حياة شخصية أخرى من أسرة عبدالله، وأتمنى أن تكون التجربة مميزة، ومتقبلة أيضا، لأنها تقدم قضية جريئة وحساسة من عمق خصوصية هذه المرحلة العمرية، كما أني قدمت للمسرح التطوعي نصا مسرحيا للناشئة بعنوان ‘رحلة فجر’، ولمست أيضا عبر تنفيذه القبول والاحتفاء”.

وفي ختام الحوار تحدثتنا عن قراءتها للمشهد السردي المعاصر في الكويت، حيث ترى الحبيب أن المشهد السردي معافى، وغني، وجميل، وهنالك الكثير من الأسماء المميزة التي أثرت المكتبة العربية عبر تجارب مميزة تجد الحبيب أنها أثارت قضايا محلية وإنسانية شاملة وأشعلت في ذهن المتلقي خيط الفكرة. تبقى فقط -بحسب رأيها- مشكلة الرقابة.

15