روائيون خارج زمنهم

الجمعة 2014/02/07

نتمنى ألاّ تلعنَ الكتابةُ الروائية العربية الناقدَ جابر عصفور بسبب قوله إنّ الرواية ديوان العرب المُحدثين، وهو قول حفز كثيرا من المواطنين ليُدلوا بدلائهم في بئر السرد مُخرِجين كتابات تطغى على أغلبها الهلوسة والخواطر والسيرة المضخَّمة والنقل عن الروايات الأجنبية.

لن نعدمَ صدقية قول عصفور، وإن كان تراجع عنه في كتابه “في محبة الشعر”، ونزعم أنه كان نتيجَ معرفته الكبيرة بالتناسل الوفيرِ لمنجزاتنا الروائية، إلاّ أنّها صدقيةٌ تقف عند توصيف جانب الرواية الكمّي، وتفقد دَلالتها إذا أحالت إلى مسألة الكَيْف، أي الجانب الفني الذي يُمَكّن الكتابة النثرية من احتياز صفةِ “الرواية”.

لا نتقصّد هنا الإفتاءَ بتوفّر شروط الفن السردي في رواية مَّا وانعدامها من أخرى، فذاك أمر فنّي كُتِبت فيه دراسات لا تُحصى، ويبقى متصلا بثقافة المتلقّي، وإنما سنكتفي من الحديث عن الرواية بمظهر من مظاهر سوء أحوالها، ونعني به مظهر الحجم، دونما غَمْطٌ منّا لأعمال رائعة كتبها في السنوات الأخيرة شبابُ الروائيّين مِمَّن وصف أحدُهم أعمالَهم بكونها “أعمالا تتدرب في الباحة الخلفية للكتابة السردية الروائية”. قد يقول قائل: ما دخل حجم الرواية في تردّي أحوالها؟ سنؤجّل الإجابة عن هذا السؤال إلى حين، وفي انتظار ذلك، نقول إنّنا لن نطالب الرواية بأن تكون شعرا – وإن كان من حقّ القارئ أن يقرأ رواية تتمثّل كثافة الشعر ورمزيته- وذاك من جهة أن الرواية تفصيلٌ أولا وأخيرًا. غير أن ما نذكِّرُ به هو أنّ التفصيل غير التطويل، ومتى بلغ التفصيل حدَّه صار حشوًا وهذرا مُسبِّبَيْن إملالاً، ومُنْبئَيْن بكون روائيّينا الكبار يكتبون دون إحاطة بأحوال زمنهم، بل ونخالهم يكتبون من خارج زمنهم: زمن الكتابة وزمن القراءة.

ما معنى أن يكتب روائيّ عملا في أكثر من خمس مئة صفحة؟ هل كان إلياس خوري محتاجا إلى 510 صفحات ليقول ما قال في رواية “سينالكول” أو إلى 527 صفحة ليروي حكاية “باب الشمس"؟ وهل أعوزت الحيلة واسيني الأعرج ليكتب “أنثى السراب” في 552 صفحة بتلك الفجاجة الترسُّلية ؟ وهل صِغَر حجم رواية “رجال في الشمس" (96 ص) لغسّان كنفاني قلّل من أهمّيتها؟ أبدا. المسألة لا تتصل بعوز فنّي قدرَ اتصالها بثقافة الروائيّ ووعيه بالزمن.

لمّا كتب محفوظ “أولاد حارتنا” سنة 1959 في 593 صفحة لم يكن وقت القارئ مكتظا بالنت والفيسبوك والأخبار العاجلة، وعليه، مطّط أحداث روايته من بدء الخلق إلى العصور الحديثة، وكان في ذلك واعيا بـ”الفراغ” الذي يملأ نهارات الناس.

لكنّ وعي محفوظ بزمانه لم يتوفّر لدى روائيّينا الكبار، لكأنهم بعيدون عن الوعي بأنّ زمن المواطن العربي سريعةٌ خطاه، وحمّال أحداث ووقائع متسارعة، فترى الواحد من هؤلاء يكتب بنهم وكأنه سيموت غدا، فيمطّط في الحدث حتى تكاد خيوطه السردية تنقطع ومعها تكاد تنقطع أنفاس القارئ. ولعلّ في هذا ما يُحيل إلى تصوّر لدى الروائي عن قرّائه خاطئ، تصوّر يرى فيه الروائيّ أنّ القراء لا “يفهمون” ما يكتب، فيظلّ يلوك الفكرة حتى تنقطع منها حلاوتُها وتصير مملة ومبتذَلة.

ولا نخال كتابة تعتمد أسلوب التمطيط إلا كتابة ضدّ منطق العالَم: فثقافة العالم الحديثة تروم تأصيلَ مفهوم التخسيس والتكثيف في الجسد والفكرة والحلم، لأنّ الزيادةَ تدفع إلى الخروج من دائرة “الإدهاش” ومفاجآتها التي هي من الفن السرديّ جوهرُه.

وبالعودة إلى سؤالنا الأوّل: ما دخل حجم الرواية في تردّي أحوالها؟ نقول إن الحجم الزائد لرواياتنا يكشف عن سَيْرها ضدّ منطِقِ الجماليات الحديثة، وعن ترسُّبها في ثقافة النَّهَم العربية، وهي ثقافة متطرّفة: الحبّ فيها ينتهي إلى القتل، والخمرة في عُرفها تنتهي بأصحابها إلى الفوضى، والحرب فيها تنتهي إلى خسران الأوطان، والتَّدَيُّن لدى أهليها إزاحة لله والحلول محلّه.


* كاتب من تونس

14