روائيون صوروا الموت ببراعة في روايات عن الحياة

الروائي دائما يرتحل في طيات النفس البشرية في محاولة لاكتشاف ما يعتمل فيها من أسرار وخبايا.
السبت 2019/12/21
رحلة بشرية بين نقيضين (لوحة للفنانة ريم ياسوف)

يجسّد الموت هاجسا متجدّدا للكثير من الروائيّين الذين يحاولون تفكيك أسراره وتأثيراته على الأحياء، عبر الغوص في نفوسهم، وتظهير ما يتخيّلون من صور حاضرة ومفترضة تقودهم في رحلتهم بعيدا عن أولئك الذين رحلوا، في حين أنّهم يحضرون بصيغة مؤثّرة جديدة.

 الموت صنو الحياة، يشغل الأحياء كما تشغلهم الحياة نفسها، يحاول الكثيرون البحث عن سبل للهروب منه، أو تأجيله، ويوصف دوماً بأنّه يأتي في الوقت غير المناسب، يكون الزائر المرعوب منه وغير المرغوب فيه أبداً.

يتخلّل الموت كلّ تفاصيل الحياة، ولا ينحصر بمكان أو زمان، بل يحضر بمناسبة ومن دون مناسبة، في السلم كما في الحرب، لذلك فلا يمكن ضرب أيّ موعد محدّد معه، لأنّه يداهم من غير إشعار أحياناً، وإن كان يرسل نذره في أحيان أخرى، كالعجز أو المرض..

حرب ورعب

أظهر الروائي البوسني فاروق شهيتش في روايته “التدفق الهادئ لنهر أونا” وقائع ومفارقات توحي بأن الصراع من أجل البقاء على قيد الحياة قد يبرر كل أنواع الهجمات، ويتحدث عن تفشّي الموت كوباء قاتل وانعدام الإنسانية في الحروب، ولا يكون هناك أي مجال لها بحسب ما يوقن ضحاياها.

 الصراع من أجل البقاء على قيد الحياة
الصراع من أجل البقاء على قيد الحياة

يدون الروائي في عمله حياة أولئك الناس الذين عاشوا أجواء الحرب والرعب الحزينة بمخاوفهم وآمالهم وتحررهم بقلم شاهد عيان من قدامى المحاربين في الحرب البوسنية. ويشدد على دور الذاكرة في استعادة الذكريات الأليمة التي حفرت عميقاً في وجدان أصحابها، وكيف أن النسيان أحد أوجه الذاكرة، والهوة السرية، والوجه الآخر للعملة، بحسب تعبير بورخيس الذي يمهّد به لروايته.

يتذكر الجنازات اللامنتهية وأبواق وطبول الفرقة النحاسية تصب ألحان الحداد، والعرق يدغدغ ظهره من مشاهدة المسيرات، يرى تابوتاً فيه جثة معلمه، وآخر فيه جثة خالته الكبرى، ويبوح لنفسه بأن القرف الذي يشعر به قد يأخذ شكلاً من أشكال الدين، لكنه لا يريد أن يسلم نفسه للكره، ويؤكد أن ذلك سيكون تصرفاً رخيصاً وبعيداً عن ذوقه.

يروي أن جدار برلين تحطم فوق رؤوسهم، فأصبح سفك الدماء في مكان ما أمراً لا فكاك منه، إلا أنه لم يكن مسنناً صغيراً يعمل وفق القوى الكونية، بل كان إنساناً حقيقياً بشخصية مكتملة، وكانت لديه مهمة خاصة ووحيدة، وهي أن ينجو بجسده.. ويلفت إلى أن محللي النصوص يواجهون صعوبة في استيعاب مفهوم الصراع من أجل البقاء، لأنهم يحبون تبادل التعبيرات المجازية المبهمة بهدف شرح حالته في ظل أحداث عالمية ذات تأثير كبير، ويقر أن الأحداث اللاحقة يستحيل أن تفسر الطوفان، نهر الدماء ذاك واللامبالاة وصوت الدبابات المرعب.

يتحدث هوسار عن سيرته الذاتية، وأنه قتل الكثير من الرجال، يبرر ذلك بأنه عندما تضغط على الزناد تزول كل مخاوفك، وأنه ليس من الضروري أن تسلك الطلقة مسارها المحدد،
لكن بعضها يفعل ذلك بدقة، ويجد أنه عندما يطلق المرء النار يكون بخفة الريشة، ويمكن لمتعة ذلك أن تجعله يحلق في الهواء لبرهة، لكنه في الحقيقة يكون مستلقياً على بطنه يواجه التراب الرطب، والعشب الممسد وأوراق الأشجار المبتلة لأن هذا ما تأمره به غريزته.

يصف نفسه بأنه شاعر ومحارب، وسراً ناسك صوفي وشخص مقدس على حد قول بودلير، وأنه قتل على أرض المعركة الأشخاص ذوي الأسماء المنسية، وفي جميع المناخات، ويقر أن تأثير القتل يشبه تأثير مخدر يسقط المرء أرضاً، ثم يعود ليرفعه مجدداً بلمح البصر، وعندما يرتفع يشعر وكأنه فوق العالم أجمع، وأنه حول الأجسام الحية إلى أشباح مثل اليراعات في الظلام. ويصرح بأنه لا يشعر بتأنيب الضمير أبداً لأنه يخيل إليه أن أولئك الرجال ليسوا سوى صور شخصية قصت رؤوسهم منها، وأنهم بعد فترة سيغادرون ذاكرته إلى الظلام.

صدمة ومفاجأة

ارتحال الروائي في طيات النفس البشرية
ارتحال الروائي في طيات النفس البشرية

هناك صور أخرى لارتحال الروائي في طيات النفس البشرية في محاولة لاكتشاف ما يعتمل فيها من أسرار وخبايا، وكيف تقود المرء في رحلة السعادة أو الشقاء بحثاً عما يفتقد، وفي مسعى للعثور على مراده، وكيف أن هناك مفاجآت ومآسي وفجائع تتربص به في رحلته الحياتية، وواقع أنّ الموت دوماً يمثّل مفاجأة صادمة.

استلهم الإسباني خابيير مارياس عنوان روايته “فكر في غد أثناء المعركة” من مسرحية ريتشارد الثالث لشكسبير، حيث تحل لعنة شبح الملكة آنّا على الملك الذي قتلها، وتجري أحداث الرواية في مدريد، في العصر الحديث، وعلى لسان فيكتور فرانش، وهو كاتب وسيناريست. ويصور مأزقاً يقع فيه بطل الرواية حين تدعوه مارتا، وهي امرأة متزوجة، إلى بيتها أثناء سفر زوجها للعمل في لندن، وتتعرض لصدمة مفاجئة تموت على إثرها
بين أحضان فيكتور الذي يحار في ما يفعل.

يتناول مارياس قضايا ترسم معالم الشخصيات وحيواتها ومصائرها، كالحب والموت والقهر والوحشة والعزلة والانتماء والهوية والمرض، في عالم تتداخل فيه القضايا الهامشية والرئيسة إلى درجة تفقد معها أية خصوصية، وتنجدل فيما بينها بطريقة لافتة.

يفتتح بالقول إن أحداً لا يفكر قط في أنه قد يجد نفسه وامرأة ميتة بين ذراعيه، وأنه لن يرى وجهها، وإنما سيذكر اسمها. ولا أحد يفكر أن أحداً قد يموت في لحظة بعيدة كل البعد عن أن تكون موائمة، وإن كان ذلك يحدث كل آن، ونحسب أن لن يموت قربنا أحد إلا إذا كان موته مرتقباً، فكثيراً ما تخفى الأحداث أو الظروف علينا.

يقول إنه حسبنا أن يكون الميت إنساناً مجهولاً، نقرأ عن كارثته وكأنها بعيدة، ويقال وسط الضحكات، الموت كتمثيلية، أو كمشهد يعلن عنه، والقصص كلها التي تروى أو تقرأ أو تسمع، ينظر إليها على أنها مسرحية، فهناك دائماً درجة من اللاواقعية في ذلك الذي نعلم به وكأن شيئاً لا يحدث البتة، حتى ذلك الذي يحدث لنا ولا ننساه، حتى الذي لا ننساه، وأنه فوق ذلك فإن الحدث لم يختتم بعد، أو ربما كان يجب عليه أن يستعمل زمناً آخر للفعل، كما فعله الكلاسيكيون عند القص، ويقول إن ما حدث له وإن لم يختتم الحدث، ربما أثار فيه الضحك عند قصه.

مشهد موت المرأة يخيم عليه، يجد نفسه معلقاً في دائرة البقاء معها في حجرتها، ما يجعل موتها غير نهائي بالنسبة إليه، لأنه كان هناك حين كانت فيه حية أيضاً، وهو يعلم كيف كان كل شيء يتلاشى، ويتحول إلى خيط الاستمرار، بحيث الزمن الماضي يبقى حاضراً، ويعيد الدوران حول نفسه في زحمة الأحداث المأساوية.

لعلّ حرص الروائي على إبراز آليات تداخل الوهم مع الواقع لصياغة واقع بديل، متخيل، على أنقاض واقع حقيقي مؤلم، بحيث يحيل إلى أن الشخصيات تهرب من أساها لتداوي جراحها، وتتوهم آليات حياتها الجديدة، أو تتخيل تفاصيل حياتها الماضية، بمعزل عن حضور الموت أو حصاره، يتوازى مع حرصه على تدبّر الموت نفسه وتفهّم صدمته وتأثيره وطغيانه، وكيف يبقى حاضراً مطارداً عجلة الحياة، وواضعاً نقطة النهاية لها.

14