روائيون عاشوا وماتوا حبيسي عنوان رواية واحدة

الجوائز تلعب دورا مهما في الترويج لعمل روائي ما على حساب نصوص أخرى لنفس الكاتب، وخاصة تلك الجوائز المكرسة والتي لها سلطة معنوية وإعلامية في المجتمع الأدبي والثقافي
الاثنين 2019/04/29
الكاتب رهينة ما كتب (لوحة: شاكر حسن آل سعيد)

الكثير من الكتاب العرب والعالميين اقترنت أسماؤهم بعمل أدبي واحد، يمثل الشجرة التي تحجب الغابة، حيث رغم تتالي كتاباتهم وتطورها يبقى لهم في الذاكرة عمل وحيد، يذكرون به، ويخفي كل ما تلاه أو سبقه من أعمال أخرى، وليست لهذه الظاهرة علاقة كبيرة بجودة النص الذي يشتهر على حساب النصوص الأخرى لنفس الكاتب.

عُرف بل واشتهر كثيرٌ من الروائيين بعنوان واحد غطى على ما دونه من عناوين أخرى لنفس الكاتب، وأصبحوا مع مر الزمن  وتراكم كتاباتهم، لا يذكرون إلا بهذا العنوان، وقد أُقْفِلَ عليهم في هذا النص ليمسي الكاتب رهينة ما كتب، ويمكننا التذكير ببعض هذه الأسماء التي تشكل حضورا وازنا في قراءاتنا الروائية وأيضا في الذاكرة الأدبية الجماعية أو الفردية العربية والمغاربية.

عنوان واحد

لا أحد منا يذكر الروائي السوداني الطيب صالح دون أن يذكر أولا وقبل كل شيء روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” التي يمر أزيد من نصف قرن على نشرها (نشرت العام 1966) ولا يزال اسم الروائي الطيب صالح مرتبطا بها دون سواها من العناوين التي أغنى بها الأدب العربي، من مثل “دومة ود حامد” أو “عرس الزين” وغيرهما.

 وبنفس الحالة يكاد لا يذكر الروائي الجزائري كاتب ياسين، الذي يكتب باللغة الفرنسية، إلا إذا ذكرت معه أو قبله روايته الشهيرة “نجمة” الصادرة العام 1956، مع أن الكاتب نشر نصوصا أخرى لا تقل أهمية في المسرح والشعر، ومن الكتاب ضحايا عنوان واحد في تجربتهم يمكن ذكر أيضا الكاتب المغربي محمد شكري، فروايته السيرية “الخبز الحافي” (كتبت العام 1972 ولم تظهر بالعربية لغتها الأصلية إلا في العام 1982) قد أرسلت جميع نصوصه الأخرى إلى التقاعد الأدبي المبكر، ومن أمثلتها “السوق الداخلي” و“الشطار” و“زمن الأخطاء” وغيرها.

 وينطبق هذا التوصيف على الروائي السعودي عبدالرحمن منيف الذي لا يكاد يذكر اسمه إلا وذكرت روايته “شرق المتوسط” الصادرة العام 1975 التي هي نص أقل بكثير جماليا وفلسفيا وتاريخيا من خماسيته الروائية “مد الملح” الصادرة العام 1984، والتي أعتقد أنها اشتهرت إعلاميا ولم تقرأ نصيا، في حين قرئت “شرق المتوسط” بشكل واسع وأيضا عرفت إعلاميا وترجميا بشكل كبير.

وهذه الحالة ليست مقتصرة على الأدب العربي والمغاربي فقط بل هي ظاهرة تعرفها أيضا الآداب العالمية، فلا يذكر إيميل زولا إلا  وذكرت روايته “جيرمينال”، ولا يذكر فيكتور هيغو إلا وذكرت “البؤساء”، ولا يذكر همنغواي إلا وذكرت معه وقبله “العجوز والبحر” والحال نفسه مع غابريال غارسيا ماركيز فلا يؤتى على اسمه إلا مقرونا بـ”مئة عام من العزلة” ولا يذكر سلمان رشدي إلا وذكرت روايته “آيات شيطانية”. فجميع الكتاب المكرسين في الذاكرة يتم تكريس صورتهم في المخيال الأدبي أولا وقبل كل شيء عن طريق عنوان ما، وهو الذي يسوق لهذا الاسم لاحقا.

أرنست هيمنغواي والطيب صالح ممن عانوا ظاهرة الكتاب الواحد
أرنست هيمنغواي والطيب صالح ممن عانوا ظاهرة الكتاب الواحد

ويمكن ذكر الكثير من الأسماء العربية أو المغاربية أو الأجنبية التي تكرست من خلال عنوان واحد، وظلت مرتبطة به في حياتها ومماتها، لكننا نتساءل ما الأسباب التي تجعل اسم الروائي لصيقا بنص واحد، بعنوان واحد دون سواه؟

أسباب الظاهرة

أولا يجب الاعتراف بأن ارتباط روائي بهذا العنوان المشهور أو ذاك ليس دليلا دائما على جودة هذا النص الذي يذكرنا بهذا الكاتب، فـ”شرق المتوسط” لعبدالرحمن منيف هي واحدة من الروايات العادية أمام النصوص الكبيرة التي كتبها هذا الروائي المتميز، ولكن “شرق المتوسط” استطاعت أن تكتب وبشكل عار التعذيب والقمع اللذين عرفتهما النخب العربية تحت أنظمة دكتاتورية، وهي حالة عامة عاشتها غالبية المثقفين التنويريين والنزهاء في مواجهة القمع وإرهاب الأنظمة، وينطبق هذا الحكم أيضا على رواية “آيات شيطانية” لسلمان رشدي، إذ أنها تعد أقل أدبية من روايته “غضب” أو “أطفال منتصف الليل” أو روايته الأخيرة “عامان وثمانية شهور وثمان وعشرون ليلة”.

ويمكننا تسجيل بعض هذه الأسباب التي تلعب في الترويج لعمل أدبي لكاتب ما، حتى يصبح عائقا أمام نصوصه الأخرى، وأول هذه الأسباب الرقابة، فكل ممنوع مثير للفضول والجدل، فضول الإعلام وفضول القارئ، فالمنع الذي قد يتعرض إليه عمل روائي ما قد يجعل منه محط انتباه عام، ويدفع به إلى سوق الترجمة وبالتالي إلى الدخول في مجال النقاشات والجدل والأخذ والرد، ولعل الكتب الممنوعة هي الكتب الأكثر مقروئية في البلدان العربية والمغاربية، بل هي أيضا ظاهرة عالمية، حين كنا طلبة نعيش في الأحياء الجامعية، لطالما تبادلنا الكتب الممنوعة بسرية، وكنا نقرأها بنهم وبشكل دقيق ونروج لها في الجلسات الخاصة، والكتب والروايات الممنوعة تنتشر غالبا، خاصة في البلدان التي تغيب فيها حرية النشر وحرية الرأي، عن طريق ظاهرة “الفم-الأذن” وهو بالفعل ما عرفته، على سبيل المثال، رواية “الخبز الحافي” لمحمد شكري أو “التطليق” لرشيد بوجدرة.

جميع الكتاب المكرسين في الذاكرة يتم تكريس صورتهم في المخيال الأدبي أولا وقبل كل شيء عن طريق عنوان ما

قد يكون الإعلام سببا في الترويج لعمل ما، عن طريق الهجوم أو الاحتفاء، على حساب أعمال أخرى لروائي ما، وهو ما يدفع بعنوان للطفح على السطح الأدبي أكثر من غيره، واختلاف مستوى الإعلام وأيضا انحيازه لهذا الفكر أو ذاك، هو ما قد يفرض على الذوق العام نصوصا رديئة أو متوسطة على حساب أخرى قد تكون أرقى وأجود جماليا وفلسفيا.

كما أن للإشهار دورا كبيرا أيضا في الترويج لعنوان على حساب عنوان آخر، إذ يتم بيع الكتب التالية الصدور لنفس الكاتب بالتذكير دائما بعنوان ما يكون قد عرف شهرة ما في وقت سابق، وبالتالي تختفي أو تأخذ الرواية الموالية شرعية وجودها الجمالي والفكري من خلال رخصة تمنحها لها رواية سابقة.

وللسينما يد أيضا في تغليب عنوان رواية ما على حساب نصوص أخرى لنفس الكاتب، هناك بعض الروايات التي عرفت شهرة تمكنت من التغطية على عناوين أخرى أكثر أهمية بمجرد أن تحولت إلى أفلام سينمائية، ولعبت السينما في الترويج لنصوص بشكل فائق، حتى لو لم يكن الاقتباس أمينا، ويكفي أن يحمل الفيلم عنوان الرواية ويقتبس روحها أو جزءا من تفاصيلها كما حدث مع رواية “الأرض” لعبدالرحمن الشرقاوي أو روايات إحسان عبدالقدوس ونذكر منها على سبيل المثال روايتي “لا أنام” و”في بيتنا رجل” وهي من الأفلام التي عادت برواج كبير على هذه الروايات بين القراء العرب والمغاربيين.

وتلعب الجوائز أيضا دورا مهما في الترويج لعمل روائي ما على حساب نصوص أخرى لنفس الكاتب، وخاصة تلك الجوائز المكرسة والتي لها سلطة معنوية وإعلامية في المجتمع الأدبي والثقافي بشكل عام.

Thumbnail
14