روائيون عرب يشهدون تأسيس أول بيت للرواية في تونس

ملتقى تونس للرواية قام بتكريم الكاتب الليبي إبراهيم الكوني، صاحب التجربة الطويلة في مجال الرواية عربيا وعالميا والذي قدم حوارا استثنائيا مع الجمهور في اليوم الختامي.
الاثنين 2018/05/07
الجيل الجديد يعيش الفترة الذهبية

اختتمت السبت، فعاليات ملتقى تونس الأول للرواية، والتي انتظمت من 3 إلى 5 مايو بمدينة الثقافة التونسية، بمشاركة عدد من أهم التجارب الروائية العربية، حيث طرحت على مدى أيام الملتقى العديد من القضايا الراهنة والمحورية المتعلقة بجنس الرواية.

كما كرم الملتقى في دورته الأولى الكاتب الليبي إبراهيم الكوني، صاحب التجربة الطويلة والخاصة في مجال الرواية عربيا وعالميا، وقدم الكوني حوارا استثنائيا مع الجمهور في اليوم الختامي من الملتقى، ليتم إثر ذلك عقد الجلسة الختامية حول الأخطار المحيطة بالرواية، ويختتم الملتقى بكلمة لوزير الثقافة التونسي معلنا عن تأسيس بيت الرواية برئاسة الكاتب التونسي كمال الرياحي، وهو الأول من نوعه عربيا.

نحن كالعنقاء

 

انتظم في تونس أخيرا الملتقى الأول للرواية العربية والذي استقطب أهم التجارب الروائية العربية في حلقات نقاش حول هذا الجنس الأدبي الذي بات الأبرز والأكثر انتشارا، لكن هذا لا يمنع تعرضه للكثير من المخاطر التي حاول الإحاطة بها ومناقشتها

في الجلسة الختامية للكاتب إبراهيم الكوني، أثيرت العديد من الأسئلة التي أجاب عنها الكاتب بكل أريحية وتحرر، وعن الكتابة قال الكوني “أكتب لأتحرر ليس بالمعنى الحرفي بل الوجودي، أكتب لأتطهّر أي لكي أتغيّر، فكل إنسان يحلم بأن يتغير وهذا يتطلب تضحية”.

ولفت الكوني إلى أن الإنسان غالبا ما يكون مسكونا بالحنين إلى المثال، وأضاف “نحن كائنات أرضية لكننا نرفض ذلك. بالنسبة إليّ أكتب محاولا أن أكتشف ذاتي المنسية وأدغال النفس البشرية. ثم إن الكتابة عندي تجربة غيبية تتحول إلى دين”.

وذكر الكوني أننا كعرب لا نتعامل مع النصوص الأدبية بالاهتمام الذي تستحقه، مؤكدا أن ثلاثة أرباع الكتب الأدبية المهمة والمؤسسة مفقودة، مستشهدا مثلا بقصة بحثه في بيروت عن كتاب أحمد المجليقي “غاية الحكيم” ولكن لم يجده. مذكرا بأن إسبانيا مثلا تعامل رواية “دون كيخوت” باهتمام أكثر من الإنجيل لأن روحها دون كيخوت.

وعرف عن الكوني اقتحامه عوالم أسطورية تزخر بها الصحراء، عوالم عاشها وهو طفل في الصحراء، أو تخيّلها، محوّلا كتاباته بدوره إلى أساطير تجاوزت المحلي ونالت العالمية. وقال الكاتب “إن لكل مبدع حقيقي أسطورته. إذ لا بد أن يعيد المبدع تأليف الأسطورة، فالأسطورة الموجودة سلفا لا تعطيك الملحمة”. وتابع الكوني “لا أمي ولا جدتي روت لي أي أسطورة. أمي الحقيقية هي الصحراء هي جدتي وكاهنتي الحقيقية”.

وحول قراءة عوالم الكوني والذخيرة التي يجب أن يتسلح بها القارئ لولوجها، شدد الكوني على أن القراءة تقنية وفلسفة في آن واحد. حيث لا يجب أن تتوقف القراءة عند الاستهلاك والمتعة، بل القراءة الحقيقية تزخر بالنقد والتفكيك والتفكّر، وليس من مهمة المبدع في رأيه أن يفسر عمله.

وتحدث الكوني من ناحية أخرى عن تجارب أدبية مهمة في رأيه يجب إنصافها، وذكر مثلا كتابي التونسي الراحل محمود المسعدي، “السد” و“حدث أبو هريرة قال” واعتبر أن “المسعدي من القامات الجديرة بأن تنصف لأنه من القامات التي ظلمناها”.

ويكتب الكوني أساطيره بلغة شعرية تزيد من نقائها، كما أنه كتب ديوانين شعريين أقرب إلى التأملات، وفي سؤال لـ“العرب” إن كنا سنرى الكوني شاعرا مرة أخرى، أجابنا قائلا “لغة الأسطورة هي لغة الشعر. ثم إن شذراتي التي نشرتها سابقا تحمل ذخيرة تزاوج بين الحكمة والشعر. أصدرت دواوين كثيرة، لكنني لم أقنع بهذا.. معركتي الحقيقية أن أكتب رواية بلغة الشعر. وهذا ما اعترف به، النقد الأوروبي أكثر من العربي”.

وتابع الكوني متسائلا ومجيبا “لماذا ترفض دور النشر نشر الشعر؟ لأن هناك مفهوما كلاسيكيا للشعر يبدو أنه لم يعد يلزم جمهور هذا الزمن. لكن كل شيء يجب أن يكتب بالشعر. فالروح الشعرية هي الروح الاستعارية. وأنا بدوري أكتب بروح الشعر مثل ما حاولته في كتابي ‘ناقة الله’ و‘روح البعد المفقود’ وغيرهما. فالتحدي الحقيقي هو أن تكتب بروح الشعر. فقط يجب في ذلك المحافظة على روح الإنشاد، الروح الغنائية روح هوميروس وشكسبير، فالأسطرة تحتاج أن تنشدها إنشادا”.

وقال الكوني حول الكتابة الروائية وقدرتها على التغيير، إذ قال “رغم الانتكاسات والهزائم ورغم كل ما يعانيه إنساننا العربي اليوم إلا أننا نأبى الاستسلام. وبالحلم نستطيع أن نحقق البعد المفقود فينا. فإذا لم نضحي لا نستطيع أن نقنع أنفسنا بأننا وجدنا ومهما حصد واقعنا من دماء وانتكاسات سنظل، رغم أن واقعنا الحالي يعجزنا نحن الروائيون عن ملاحقة فنون الآثام التي ترتكب”.

تأسيس بيت الرواية برئاسة الكاتب التونسي كمال الرياحي
تأسيس بيت الرواية برئاسة الكاتب التونسي كمال الرياحي

وتابع الكوني “في السابق كان ما يحدث عبثيا لكنه اليوم عدمي، لكن لدينا قوة خارقة للنهوض من الرماد كالعنقاء. فقيمتنا ليست في ما نغنم بل في سبيل ما ننزف في سبيل وطننا الرمزي أو الحرفي”.

وختم قائلا “إن وسائل الاتصال ووجود الترجمة وغيرها للجيل الجديد تجعلني أقول لهم إنكم تعيشون الفترة الذهبية، ففي السابق لم تكن لدينا الفرصة الكبيرة للاطلاع على الأدب العالمي وما كان رائجا من تراجم كانت مضحكة وتحريفية. لم يكن هناك وجود لأدب عالمي مثل اليوم، والمفارقة أن الجيل الجديد يستهين بهذا”. وأكد الكوني أن الحرمان والتحدي هما ما يصنعان الأجيال.

الرواية في خطر

كانت الجلسة الختامية منطلقة من سؤال جوهري هل الرواية في خطر؟ بحضور عدد من الكتاب والنقاد من بينهم المغربي محمود عبدالغني والكويتي سعود السنعوسي والتونسي شفيق الطارقي والمصري أحمد مجدي همام وغيرهم.

وبداية بسط محمود عبدالغني الإشكال المطروح قائلا “الأزمة أن نحكم على جنس أدبي بمحدودية التناول مثل ما هو الأمر عند قصيدة النثر، التي باتت وكأن شاعرا شبحا يكتبها لتشابهها. هنا يمكن الحديث عن أزمة، فالأزمة هي عند عدم قدرة التمييز بالنسبة إلى جنس أدبي”. ولفت عبدالغني إلى أن الرواية لها جوائز واهتمام إعلامي وانتشار كبير، ثم إن النقاد ينتظرون منا أن نقول إن الرواية بخير، لكن الرواية إذا فقدت القوانين الواضحة عندها نقول إنها في خطر.

وأضاف “الرواية طيلة تاريخها أبانت عن ذكاء وقدرة على التأقلم، وحيث ظهرت الرواية اختفت أجناس أخرى، لكن هذا خبر سيء أن نقول إن الرواية في خطر. ويجب أن نحدد أي رواية في خطر؟ وأعتقد من هنا تكمن أهمية السؤال، فمثلا الرواية البرجوازية انتهت. إذ هناك أزمنة للرواية، مثلا لا يمكن اليوم كتابة رواية مثل روايات نجيب محفوظ”.

ويقر عبدالغني بنهاية أنواع روائية انتهى زمنها، مؤكدا في الوقت ذاته أن خلاص الرواية في لامركزية المركز. فأزمة الرواية هي المركز، وأحيانا يكون الروائي خطرا على نفسه فالرواية دائما كانت مضادة للأدب.

أما الكاتب المصري أحمد مجدي همام، فأكد أن كثرة الروايات المنشورة، والتي لا يرتقي بعضها لأن يكون أدبا، ليست ظاهرة صحية، بل تمثل خطرا على الرواية، مشبها الأمر بإسهال ناتج عن مغص أدبي، وهذا ما يضلل القارئ.

وأضاف همام “الخطر المحيط بالرواية ليس الانقطاع، بل العدد الكبير للروايات المنشورة، ففوضى النشر هي الخطر المحدق بالرواية أولا، وثانيا هناك خطر المجاعة النقدية وهو ما يؤدي إلى ندرة الرواية الجيدة، ثم إن بعض الجوائز المشرقية باتت تمثل خطرا لأنها تنتصر للكلاسيكية أنماط بعينها. وقد طرح موضوع أن الرواية تحمل داخلها بذور فنائها؟ لكنني أختلف مع ذلك”.

الروائي التونسي شفيق الطارقي أكد أن موضوع “الرواية في خطر” جعل الأفكار تتقاطع، لكن طريقة إخراجها كانت وفق مرجعية كل روائي

وأكد الروائي التونسي شفيق الطارقي أن موضوع “الرواية في خطر” جعل الأفكار تتقاطع، لكن طريقة إخراجها كانت وفق مرجعية كل روائي. لكن المهم أن الجميع كشف أن هناك أخطارا محيطة بالرواية.

وقال الطارقي “الخطورة برأيي تتمثل أساسا في غياب المؤسسة النقدية الجادة والمرنة، وانغلاق الجامعة على النصوص الروائية الجديدة، أضف إلى ذلك نسبية الجوائز التي تنتصر لنص على حساب نص آخر بين الإنصاف والمظالم. والخطر الآخر برأيي هو عدم وجود تناسب بين تطور الرواية بنيويا وبين مقروئية المتلقي، التي مازالت محصورة في حدود الكلاسيكية، سواء المتلقي المختص أو العام”.

وإثر الجلسة الختامية حضر وزير الثقافة التونسي محمد زين العابدين ليقع الإعلان عن اختتام ملتقى تونس الأول للرواية الذي عرف نجاحا كبيرا في الحضور، كمّا ونوعا، علاوة على مناقشته لقضايا مهمة خاصة بالرواية، ليقع تأسيس أول بيت عربي للرواية في تونس بإدارة الروائي التونسي كمال الرياحي.

وفي تصريح لـ“العرب” قال الرياحي متحدثا عن أهمية الملتقى “لليوم الثالث هناك حضور كثيف ومداخلات متميزة، هناك نجاح استثنائي للملتقى وهو ما يؤكد قدرة الرواية على التجميع وقوتها، وأرجو أن يكون بيت الرواية جديرا بأن يتموقع في مدينة الثقافة. وأرجو أن تتمكن الرواية من تغيير الوعي العربي ومن الشعوب وكيف تفكر، وهذا ما حدث فعلا منذ رواية “دون كيخوت” لذا شعار بيت الرواية هو ‘دون كيخوت’ لسيرفانتس، الذي كان يصارع طواحين الريح، وأرجو أن يكون بيت الرواية التونسي، وهو أول بيت للرواية العربية، بيتا يصارع لأجل التنوير في تونس”.

14