روائي إرتري يكتب عن الحب والمنفى وتجربة الثورة التي تأكل أبناءها

"لعنة وشم" للكاتب منصور حامد ترصد مواجهة الأفريقي للمستعمر الأجنبي الذي ينتهك الأرض ويطرد أصحابها منها ليعيشوا في المنفى.
السبت 2020/04/04
رواية من عمق أفريقيا المجهول (لوحة للفنان معتوق بوراوي)

على غرار الرواية السودانية التي رسخت خصوصيتها في المدونة الأدبية العربية، وحققت انتشارا واسعا بما لها من تميز، تسير الرواية الإرترية المكتوبة بالعربية، والتي رغم جهل القارئ العربي بأغلب أصواتها إلا أنها بدأت تأخذ حظوة كبيرة مع روائيين كثيرين رسخوا تجارب مختلفة.

يكاد القرّاء العرب لا يعرفون إلا القليل عن الأدب المكتوب باللغة العربية في إرتريا. ويعزو بعض الباحثين ذلك إلى شح المصادر، والغموض الذي يكتنف كل ما يتعلق بثقافة هذا البلد. فمنذ أن كتب الروائي الإرتري، ومؤسس حركة تحرير إرتريا، محمد سعيد ناود

(1926 - 2010) روايته “رحلة الشتاء – صالح”، التي تُعد أول رواية إرترية مكتوبة باللغة العربية، انطلق الإبداع الروائي في إرتريا، لكن بصمت تام وبعيدا عن الإعلام العربي والعالمي، لأسباب عديدة أهمها محاربة الاستعمار الإثيوبي للغة العربية في زمن الاحتلال، كما أن شعار المقاتلين الإرتريين في تلك المرحلة كان “كل شيء من أجل المعركة”. أما بعد التحرير فقد استهلك الكتّاب والمثقفون الإرتريون أنفسهم في السياسي واليومي.

إلا أن ذلك لم يحل دون ظهور مبدعين مثل الروائي أبوبكر كهال الذي نشر ثلاث روايات هي “رائحة السلاح”، “بركنتيا”، و“تيتانيكات أفريقية”، والشاعر والمسرحي أحمد محمد سعد صاحب كتاب “عاشق إرتريا” الذي احتوى على ديوان شعري وثلاث مسرحيات.

ومن الأسماء الأخرى نشير إلى الروائيين حجي جابر، ومنصور حامد، والقصاصين جمال عثمان هُمَّد، إدريس سعيد أبعري، عبدالقادر حكيم، سلمون ترقي، حامد ضرار، ومحمد إسماعيل أنقا، والشاعر والروائي أحمد عمر شيخ، والكاتب المسرحي فسهاي يوهنس، والشعراء محمد مدني، يبات فايد، حنان محمد صالح، أحمد عمر شيخ، حنان مران، فاطمة موسى، محمد عبدالحليم حمودة، وغيرهم.

لكن الروائي حجي جابر هو الكاتب الإرتري الأكثر حضورا في المشهد الثقافي العربي الآن، وذلك إثر فوز روايته “سمراويت” بجائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2012، وروايته “رغوة سوداء” بجائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الخامسة لعام 2019، وله رواية ثالثة بعنوان “مرسى فاطمة”.

ومع صدور رواية الكاتب منصور حامد “لعنة وشم” مؤخرا عن دار الآن ناشرون وموزعون في عمّان، يُضاف اسم آخر إلى سجل الرواية الإرترية الحديثة المكتوبة باللغة العربية، وهي ثاني رواية له بعد روايته الأولى “سلالة البؤساء”.

رصد لمواجهة الأفريقي للمستعمر الأجنبي الذي ينتهك الأرض، ويسيطر على مقدراتها وثرواتها، ويطرد أصحابها منها ليعيشوا في المنفى
اسم جديد يضاف إلى سجل الرواية الإرترية الحديثة المكتوبة باللغة العربية

تجري أحداث “لعنة وشم” بين إرتريا والسودان في ثمانية فصول، راصدة مواجهة الأفريقي للمستعمر الأجنبي الذي ينتهك الأرض، ويسيطر على مقدراتها وثرواتها، ويطرد أصحابها منها ليعيشوا في المنفى.

تتناول الرواية، التي يمكن وصفها بأنها رواية عن الحب والحرب والخيانة والمنفى والمقاومة وتجربة الثورة التي تأكل أبناءها، حياة اللاجئين ومعاناتهم وبؤسهم، مفتتحة الأحداث بالولادة والموت، حيث تضع المرأة المسيحية “محرت” ابنها “سايمون” وهو يحمل على وجهه وشما يشبه شارة الصليب، لكنها تفارق الحياة عند الولادة بعد نبوءة سمعتها من القس بأن الطفل سيكون له شأن.

ويترك الوالد، سائق الشاحنة، ابنه عند عائلة مسلمة محرومة من الأطفال، فتربيه وتعتني به “نشأ سايمون بكنف وبرعاية خديجة زوجة هاشم، رعته بدلالها وعطفها وحنانها، أعطته كل ما تملك ولم تستبقِ شيئا، وجدت فيه التعويض عن حرمانها من الإنجاب ونعمة الخلفة… وكثيرا ما كان سايمون وصديقه عثمان يترددون مع بقية أطفال الحي لحضور حفلات الزار الحبشي”.

 ويتقدم “سايمون” على أقرانه في المدرسة، ويظهر علامات نبوغ خلال الدراسة، وما إن يشبّ حتى يتعرف على فتاة اسمها “زينب” تُرغم على الزواج من ثري قريب لها. ثم يلتحق “سايمون” بالثوار، وحين يُصاب القائد ويموت يضطر مساعده إلى إيهام الثوار بأن “سايمون”، هو القائد ولم يصب بأذى للمحافظة على معنوياتهم.

ويواصل الثوار معركة التحرير بقيادة “سايمون”، لكنه يُجرح في المعركة، ويدخل المستشفى الذي تعمل فيه “زينب”، بعد انفصالها عن زوجها الثري، ويلتقيان بلهفة. وعندما تنجح الثورة يجري اختيار “سايمون” رئيسا للدولة، وتذهب “زينب” للقائه، إلا أنه يقابلها بتكبّر وفتور. وبذلك يجسد  كاتب الرواية منصور حامد المناخات الانتهازية التي تعاني منها الثورات التحررية، وتتحول فيها الضحية إلى جلاد.

كما يصور خلال أحداث الرواية الطقوس التي تعيشها المجتمعات الأفريقية وأساطيرها وخرافاتها وحكاياتها المدهشة، والمثيرة بأجوائها الغرائبية الساحرة، مضمنا إياها نصوصا تحتوي على مفردات محلية مما هو متداول في الحياة اليومية في السودان وإرتريا، والتي تعود أصولها إلى العربية الفصيحة.

الرواية ساحرة بأجوائها السردية، التي تنفتح على فضاءات وقضايا ربما يجهلها القارئ العربي، وتوثق مرحلة من تاريخ المنطقة، وتحولاتها المأساوية، ومعاناتها المختزنة في صدور أهلها ووجدانهم.

يشار إلى أن منصور حامد من مواليد إرتريا عام 1970، وقد صدرت روايته الأولى “سلالة البؤساء” باسم “منصور سعيد” عن دار سما في القاهرة، وشارك في ورشة لتقنيات كتابة الرواية أدارها الروائي السوداني أمير تاج السر.

14