روائي برتغالي يكتب لينتقم من الأشباح

الثلاثاء 2014/01/07
تابوكي: الأشياء الصغيرة تعذبني

ليست كتابة أنطونيو تابوكي وحدها هي التي تمتلك جاذبية القول السردي، بل أيضا فرادة الاشتغال على شخصيات قادمة من خيال كاتب آخر. أو أمكنة يصحّ القول عنها بأن تابوكي يقوم على نحو بارع باستيلاد مناخاتها الأخرى لكي تعيش فيها الشخصيات حياة ثانية وثالثة، وربما رابعة.

في عمليه الروائيين، “هذيان – أيام فرناندو بيسوا الثلاثة الأخيرة” و”بيريرا يدّعي” لا يخرج تابوكي عن سياق أحد أهم الشعراء الذين يفضلهم: فرناندو بيسوا. لذلك ستجد المدن والأحداث والطبيعة والشوارع وأسماء الأمكنة برتغالية بامتياز.

تابوكي، الإيطالي المولد، الذي عاش وعمل في البرتغال، هو أحد أهم المتخصصين في الأدب البرتغالي بشكل عام وفي أدب فرناندو بيسوا على نحو خاص. على الأرجح أن كتابة تابوكي، هي كتابة استعادية، كتابة قادمة من تواريخ، وأحداث، وتفاصيل، يُعيد تابوكي تشكيلها بحيث تبدو الكتابة كأنها باقة من صور الذاكرة والقراءات والتجربة.

لا يتحدّث تابوكي في “هذيان” روايته القصيرة الأشبه بالنوفيلا، سوى عن سيرة بيسوا في أيامه الأخيرة. لا يبتكر سوى موقف أولئك البدلاء، الأقرب إلى الأشباح وهم يزورون الكاتب في المستشفى الذي يقضي فيه ساعاته وبالتالي أنفاسه الأخيرة.


لعنة العزلة


هكذا سيعودُ الشاعرَ المريضَ، كلٌّ من ألفارو دوكامبوس وألبرتو كايرو وريكاردو ريس وبرناردو سوراريس وأنطونيو مورا. ولن يكون الحديث القصير الذي سيتم تداوله بينهم إلا عن أحداث وتواريخ، وهذيانات تمس الشاعر نفسه.

إنه في الأخير لا يحاور إلا أشباحه، إلاّ الموت، الذي لن يمهله سوى ذلك النَفَس الأخير الذي التقطه تابوكي، وأعاد تشكيله، أو تخيله. حدث هذا في العام 1935، حينما دخل الشاعر بيسوا إلى مستشفى “القديس لويس الفرنسي” لعلاج مشاكل في الكبد.

كان بيسوا على فراش الموت، وكان بدلاؤهُ، هناك، ينظرون إليه بعيون حزينة وهو يغادر عالم لشبونة إلى الأبد. لقد غادر بيسوا ذات يوم أرضه إلى جنوب أفريقيا لكن البحار استقبلته أكثر من اليابسة.

لا يكتفي تابوكي بانتزاع مخيلة الشاعر، بل سيخضّها خضّا، بحيث لن يترك مساحة إلا مساحة أولئك البدلاء المستقلين الذين يزورون الشاعر في أكثر اللحظات حميمية وألما وعزلة، لأنها هي اللحظات الأخيرة لاستذكار الحياة.


ملاك أسود


أراد تابوكي، أن يذكرنا، بلعنة، العزلة والموت، لكن أيضا، بالأشباح الذين نخلقهم ثم لا مناص أبدا من أن يكونوا هناك، قرب سرير الموت، حتى دون أن نراهم. كأن الكتابة انتقام من أشباح غير مرئية، كأن، السرد الروائي، عند تابوكي يتمفصل في بعث الخيالات والأوهام والموتى، لكي تكون السيرة حقيقية.

في عمل خوسيه ساراموغو، الكاتب البرتغالي، الذي حاز على جائزة نوبل عام 1998 “عام وفاة ريكاردو ريس؛ في هذا العمل الفخم، يعيد ساراموغو تنظيم العلاقة المتوترة بين بيسوا وريكاردو ريس، الذي كان منفيا إلى البرازيل، مرحلة ديكتاتورية سالازار ثم يعود ليكتشف عالما، تركه منذ سنوات طويلة. لكن ساراماغو يقلب المعادلة، إذ ستصبح الشخصية المحورية في العمل كله، “الشبح ريكاردو ريس" الراديكالي، السياسي، الذي يلتقي بيسوا في مقابر لشبونة الخالية في ما بعد منتصفات الليالي.

هكذا سيتحول ريكاردو ريس عند ساراماغو إلى شخصية مركزية وخطرة (فعلية)، بينما لا يظهر مبدع الشخصية الأصلية سوى كشبح، كبديل، أشبه بملاك أسود، لا يذكره إلا بالموتى. هذا القلب هو الذي يجعل من رواية ساراماغو عملا انقلابيا إذا جاز التعبير.

لنعد إلى تابوكي، في “بيريرا يدّعي” في هذا العمل، يتعامل تابوكي بخفة مع الميتافيزيقا، التي لا تنتهي إلاّ بالموت. يروي بيريرا أحداث عام 1938 على خلفية من حكم سالازار وهي مرحلة زمنية على غاية من الخطورة في التاريخ الأوروبي الحديث. الفاشية في إيطاليا، النازية في ألمانيا، والحرب الأهلية الإسبانية. يرسم تابوكي مصير صحفي عنيد، شاهد على أكثر اللحظات تراجيدية في تاريخ الوعي الغربي.

يستعير تابوكي في “بيريرا يدّعي”، أُمثولة مواطنه براندلو عندما كتب عمله الشهير “ست شخصيات تبحث عن مؤلف” كما يستعير أيضا تقاطعات فرناندو بيسوا مع سياق بدلائه المختارين.

(زارني دوتور بيريرا لأول مرة في مساء أحد أيام شهر أيلول عام 1992. لم يكن في ذلك الوقت يدعى بيريرا بعد، لم تكن ملامحه محددة جيدا. كان غامضا، بعيدا، وغائما، لكنه يريد أن يكون بطل كتاب. كان ببساطة، شخصية تبحث عن مؤلف. لا أعلم لماذا اختارتني هذه الشخصية أنا بالذات لكي تُكتب).

إن الموضوع الرئيسيّ، هو موضوع صحفي يعمل في القسم الأدبي لصحيفة سياسية. رجل، محايد، امتثالي، لا يعنيه شيء مما يحدث في العالم، معرّض لمرض القلب. رجل وحيد، ماتت زوجته ولا يملك سوى بعض الاستذكارات التي يعيش عليها: صورة زوجته الميتة المعلقة على الجدار وهي تبتسم، وهو لا يخطو خطوة استشارة ابتسامتها الصامتة. لا يهمّه العالم مطلقا، ما كان يهمّه بالأساس هو ميتافزيقا الموت، أي الجانب اللاهوتي منه. وهو فوق ذلك يستشهد ببيسوا أكثر من مرّة.


الشك والسرد


إن تقنية الكتابة، تحاول دائما، التحايل، على ماهو معروف ومختبر مسبقا

إن تقنية الكتابة، تحاول دائما، التحايل، على ماهو معروف ومختبر مسبقا، لكن الموهبة هي في إظهار ذلك. في إظهار هذا الجديد الذي لا يمكن إلاّ أن يدهشك حقا. ولكي نتعرف على نحو أعمق فهم تابوكي عبر شخصية بيريرا الامتثالية لا يمكن إلا العودة إلى شذرة من شذرات كثيرة كان قد خطها بيسوا، في “كتاب اللاطمأنينة”.

“لأنني أعرفُ كيف تمتلك الأشياءُ الأشدُّ صغرا فن تعذيبي بسهولة، لذلك أتفادى ملامسة أصغر الأشياء. من يتألم مثلي لمرور غيمة أمام الشمس، كيف لا يكون عليه أن يتألم لعتمة النهار؟

عزلتي ليست بحثا عن سعادة لا أملك روحا لتحقيقها، ولا عن طمأنينة لا يمتلكها أحد إلا عندما لا يفقدها أبدا، وإنما عن حلم، عن انطفاء، عن تنازل صغير. الجدران الأربعة لغرفتي هي بالنسبة إلي، في آن واحد، زنزانة ومسافة، سرير وتابوت. ساعاتي الأكثر سعادة هي تلك التي لا أفكر فيها بشيء، ولا أرغب في شيء، ولا أحلم بالرغبة في شيء، ضائعا في سبات نباتي/ ملتبس/ من طحلب محض ينمو على سطح الحياة. أستمتع بلا مرارة، بالوعي الباطل بكوني لا شيء، بالطعم المسبق للموت والاختناق”.

عبر الأحداث والمصائر التي سيمرّ بها وعليها بيريرا، ستنكسر هذه الامتثالية القاتلة بعودة الوعي لنشهد الفصل النهائي عندما يقرر بيريرا أن يصبح لاجئا سياسيا في فرنسا، متعاطفا في ذات الآن مع الجمهوريين في أحداث الحرب الأهلية الإسبانية.

تكمن مفارقة السرد الروائي بـ”بيريرا يدّعي” في الأحداث والتفصيلات الحياتية لعالم عاش فيه دوتور بيريرا بصدق -أو هكذا يجعلنا تابوكي نتخيل- لأن بيريرا دائما ما يدّعي.

هذه الأسلوبية المفارقة تفتح باب التساؤل عند القارىء، على مفهوم الإمكانية. هل كان بيريرا يدّعي حقا وهو شاهد أمين على أحداث ومصائر حياته والآخرين؟ ألسنا أمام رواية تجعل من “الشك” تعلّة لسرد مصائر إنسانية لم تحدث أبدا؟ هل أراد تابوكي أن نقرأ هذا العمل لنستنتج منه في النهاية، بأن شيئا لم يحدث وأن الأمر كله يتعلق ببراعة أسلوبية وكتابة بيضاء؟

أنصدّق بيريرا الذي يدّعي أم تابوكي الكاتب والإنسان الأكثر انخراطا في قضايا عصره والمناصر العنيد لمفهوم العدالة في العالم؟ أميل إلى تصديق بيريرا وتابوكي كليهما معا.

14