روائي تونسي يسقي شجرة الزقوم ماء البحر

السبت 2016/10/22
بين مرارة الحياة وغواية الموت

تونس - تتأرجح رواية “شجرة الزقوم” للكاتب التونسي سعيد الساري بين مرارة الحياة وغواية الموت ليعالج جدلية الجهل والمعرفة وثنائية الحكمة والخطيئة والجسد والروح وعلاقة الأنا بالآخر عبر أسلوب جذاب يبدأ واقعيا وينقلب خيالا.

وفي الرواية يستدعي الكاتب التونسي خياله، ويوظف في حبكته الروائية الخرافة والخطابة والشعر بلغة مليئة بالرموز والإيحاءات. ويقول البطل في ختام الرواية “إن هذه الشجرة قد حيّرتكم حينا من الدهر لم يكن قصيرا. لقد طلبتموها وما كان أحد منكم بصيرا وصارعتموها صراعا مريرا فصرعتكم وأكلت لحمكم والعظم وسؤتم مصيرا.. إنكم في هذه القرية تصيبون منها أمنكم ما استقام عنها صومكم فانتصبوا لها أعداء”.

ويستدرج الساري القارئ بهدوء وسلاسة لتتبع خيوط علاقات متناقضة ومتشابكة ومتنافرة عبر قصة تبدو واقعية، لكنها لا تخلو من الإيحاءات ثم تتسارع الأحداث فتصب في أتون الخيال وعالم الجنون، ولكن بحبكة سردية محكمة.

ويقول المؤلف “تراوح الرواية بين الواقعي والخيالي. إنها رواية تبدو واقعية وتنتهي في الخيال بلا حدود للزمن وتثير جملة من القضايا الوجودية، مثل ثنائية الموت والحياة واغتراب المثقف خاصة والإنسان عموما في واقع يغرق في بحر من الجهل والأنانية”.

وتحكي الرواية التي جاءت في 174 صفحة من الحجم المتوسط، والصادرة عن دار الاتحاد للنشر والتوزيع قصة البطل عقيل، ويبدو من الاسم الذي اختاره الكاتب للتعريف به في بداية الرواية “اسمه عقيل هو رجل أحسن الإنصات فأحسن الكلام” متعقلا يحمل الحكمة أو أنه الحكمة بذاتها.

ويقول “كان لعقيل جليس يدعى عاطف، وقد بدا كأنه يحاول أن يخرجه من عزلته أو لعل فضولا كامنا فيه يدفعه إلى معرفة ما في نفس الرجل”.

يحاول عاطف بعد موت جاره ومربيه الحاج صالح الهروب والابتعاد عن الموت والهروب منه فيلحق بعقيل إلى الحانة، رغم أنه ليس من مريديها، لكنه يستمر في الحديث عنه.

ويقول البطل عقيل “يبدو أن ذلك الرجل ملاذك حيا وميتا. عجبت لأمرك يا عاطف يستهويك الحديث عن الأموات وأنت هارب من الموت”.

وفي الحانة يتعرف عاطف على سلافة فيعشقها لكن عقيل الذي كان على علاقة بها أيام الدراسة يحاول أن يمنعه، لكن ولع عاطف بها يتضاعف وشغفه يزداد حتى مرض ودخل المستشفى واقترب من الهلاك.

ويكتشف القارئ أن سلافة بعد أن قطعت علاقتها بعقيل تزوجت من ثري وسافرت للعيش معه في بلد أجنبي، لكنها أصيبت بمرض نقص المناعة المكتسب انتقل إليها من زوجها. وتقول “علمت أنه لن يستقيم أمر المرأة قبل إبادة جميع الرجال”. ثم تضيف في حوارها مع عقيل “أشفي البعض من الغليل وأخلص البعض من النساء”.

ويحاول عقيل أن يمنع زواج عاطف من سلافة بكل الطرق وسلك في ذلك كل السبل، لكنه أخفق أمام رغبة سلافة التي تملّكها شيطان الانتقام.

وتقول مخاطبة عقيل “أنا أقوى منك يا عقيل. أنت تخاطب في عاطف عقله، أما أنا فأخاطب فيه الجسد. أنظر إليك كيف امتطيت المنطق فلم تجن غير تعب الركوب”.

وفي سياق الصراع بين عقيل وسلافة لإنقاذ عاطف من موت يسير نحوه بقدميه، تطرح عدة تساؤلات منها “من يسهل تضليله؟ العالم أم الجاهل؟”.

ويمنى عقيل بالهزيمة في معركته فيأكل الموت الحياة ويقول “غدا يواقع الموت الحياة”. ثم يختفي عن الأنظار فلم يعد له أثر.

ومن هنا تنقلب الحكاية إلى جو عجائبي يبدو في ظاهره متناقضا ومشتتا لكنه مليء بالإيحاءات، وتبدأ الرحلة نحو عالم الخيال بحبكة محكمة حيث تنطلق رحمة صديقة سلافة وعقيل وعاطف في رحلة للبحث عن سلافة بعد أن أضنتها الوحدة وطال غيابها واختفت آثارها حتى إذا أتت غرب المدينة وجدت سلافة تحتضر “في بيت متفرد في قبحه” قبل أن يفترسها الموت. ثم ولت وجهها شرق المدينة فوجدت عقيل قد ضرب خيمة في قرية مهجورة ليؤسس للعمران قائلا “إني أزرع بذرة في هذه الأرض المعطاء”.

وتعود رحمة لتأخذ معها عاطف إلى القرية الجديدة التي أسسها عقيل وبدأت تتكاثر فيها الخيام وانبثقت الحياة من البذرة وتدور أحداث في قرية تنحو منحى غرائبيا. لكن عاطف مازال يلهث وراء الموت فيقول “أريد أن أموت يا عقيل” فيرد عليه “لن تموت حتى تحب الحياة”.

ثم يموت عاطف فيغرس عقيل غرسا على قبره ويسقيه من ماء البحر حتى إذا استوت شجرة بعد ليل طويل خسف فيه القمر و”اشتد فيه النباح والعواء والنهيق والصهيل” خطب في أهل القرية أن يصوموا عن الشجرة قبل أن ينسحب.

الرواية مليئة بالرموز والإيحاءات وتتناول قضايا وجودية واجتماعية ونفسية بأسلوب أدبي مميز، حيث لكل جزء منها رغم ما يبدو عليه من تناقض مع المنطق، إيحاء ودلالة.

17