روائي تونسي يكتب بشراهة بناء يسكن في كوخ

يحرص الشاعر والروائي التونسي يوسف رزوقة في كتاباته على فك شيفرات الحياة، آملا في مستقبل أفضل قد ينسينا واقعا مترديا سمته الضبابية والسواد. “العرب” التقت يوسف رزوقة للحديث إليه حول مكانة الشعر اليوم، ومسيرته الإبداعية وحال المشهد الثقافي التونسي بعد الثورة، وعن عدة مواضيع أخرى، فكان الحوار التالي:
الجمعة 2016/10/21
الأدب التونسي ما بعد الثورة محبط

يبدأ ضيفنا الروائي والشاعر التونسي يوسف رزوقة حديثه عن أحدث أعماله الروائية “ريكامو”، فيقول “هذه الرواية صدرت عن دار زينب للنّشر، في 242 صفحة. وفازت بـجائزة معرض تونس الدولي للكتاب في دورته الأخيرة. هي الثالثة في مدونتي السردية، بعد “مسمار تشيخوف”، الصادرة عن دار مومنت بلندن و”وداعا براءة العالم”، الصادرة عن دار العين مصر، فضلا عن رواية قيد الطبع ستصدر في قادم الأيام بعنوان “أعشاش مغشوشة”.

ويضيف” ريكامو هي رواية الخروج من التيه والعودة إلى الجذور. مدارها: العاصمة ترشيش. فصولها تروي حياة مستلبة في مدينة بلا قلب زادها حراك “شيء اسمه ثورة” اغترابا جعل الهروب إلى الرّيف ضرورة وملاذا. في الرّواية، ثلاثة أجيال: البارون موسى أَكَهُو، شـمّار العسليّ وأسماء الهيشري. على امتداد عشرين نوبة، هي مجمل الفصول، تتناسل أحداث ومفارقات وتطلّعات من نسج شخوص في واقع متغير”.

الشعر يغير العالم

بدأ رزوقة مسيرته الإبداعية شاعرا بالأساس، حيث أصدر أكثر من 20 ديوانا أوّلها “أمتاز عليك بأحزاني” وآخرها “أرض الصّفر”، ثم تحول إلى الرواية، عن هذا التوجه الجديد يقول” يظلّ الشعر ترجمان الحالة بينما الرواية بناء تسوّغه الآلة؛ آلة السّرد بـما تنطوي عليه من ميكانيزمات معقّدة كالحبكة وحيوات الشخوص والصّراع بين القيم، ولعل ما طرأ على “إنسان الهنا والآن” في ظل حراك ثوري، مغشوش، استوجب اللجوء إلى السرد، آلة شافطة لما يـجري حولنا وبين ظهرانينا حيث المجتمع مخيف أو غير مرغوب فيه بطريقة ما وحيث المكان خبيث كما في المجتمعات الدّيستوبيّة الّتي تتجرّد من إنسانيتها، وتزخر بالكوارث المرتبطة بانـحطاط كارثيّ في المجتمع في محاولة مني، كسارد هنا، لتسليط الضوء على القضايا الموجودة في الواقع والمتعلقة بالمجتمع والبيئة والسياسة والدين وعلم النفس والقيم الروحية التي عصفت بـها التكنولوجيا وقد أسيء استعمالها”.

رواية الخروج من التيه

رغم هذه الهالة التي نراها اليوم، وهذا النزوع نحو الرواية، إلا أن يوسف رزوقة يظل مؤمنا بالشعر، ودوره المهم في هذا العالم، وهو يرفض فكرة بداية اندثار الشعر، فن العربية الأول، يقول “سيظل الشعر في مرتبته ما بقي الإنسان، فقط بعض وهجه إلى انحسار مؤقت بسبب الطّارئ الافتراضي عندنا والذي غزا النفوس وجعلها ترى الشعر مطية سهلة لها ولكل من هب ودب وهو ما جعله يبرح ‘ديوان العرب’ إلى هناك؛ إلى كندا مثلا لينتصر له رئيس وزرائها الشاب جوستين برودو، الشاعر بمدى وظيفية الشعراء راهنا.

تتضمن جل أعمال ضيفنا الروائية نفسا صوفيا مع استحضار للموروث التونسي، سألنا ضيفنا هل هذا خط جديد في الكتابة أم هي ثورة على السائد؟ فيجيب “ربّما، لا أدري، أنا هنا أكتب شيئا ينتمي إلى الرواية أو إلى اللاّرواية. أكتبها بشراهة بنّاء يسكن في كوخ وكلّ طموحه، بعد أن حفيت يداه واحدودب حلمه واستبد به شيء ذو أنياب، أن يُعلي شيئا يسميه “ناطحة وهم” تليق به كبنّاء على مشارف شيخوخة داهـمة. ما أسوقه هنا ليس تعاليا عن قارئ محتمل أو ضربا بأمنية له عرْضَ الحائط، وإنما هو سياسة قلم جموح العاطفة، لا يرضيه، وهو ينزف، إلا منسوب عقل اِرتوازِيّ كي يرتوي، ولذا سأكتفي برواية ما أريد بناءه كما تزيّنه لي آلة السّرد؛ لي الماعون، ولي ما يكفي لأصنع عُجَّة. ألا يكفي هذا وجبة سريعة لقارئ شَبْعَان بَطِرَ الفنّ ومشتقّاته فلم يعد يـحفل إلاّ بـملخّصات الأشياء وبالطّعام مستوردا؟”.

ويضيف قوله “في المُخَيِّلة، أشياء لا تـحصى. بعضها قابل للتّصديق وبعضها الآخر لا معقول. ولا غنًى عن كليهما لرواية هي عُجَّة القارئ الأخير وقد لذّ له التّواضع، في غفلة من جهله ومن مشاغله، كي يتَبَلَّغَ بـها أو بِمَا تيسّر منها. سأكتب فقط عن أشياء أعرفها حقّ المعرفة. وهي أشياء كمعاني الجاحظ مطروحة في الطّريق. أشياء أحبّها و/ أو أكرهها. البقاء للمُخَيِّلة والبركة فيها فهي تهبني، كلّما أوشكت بئري على النّضوب، زَخْمًا جديدًا. لي تـحت طبقاتـها الجوفية حصى، رمل وطمي. ومن تلافيفها، ومن بين العوائق الصخرية، تنـزّ مياه هي للعطشان لا تعني إلا شيئا واحدا: الحياة”. ويتابع “بخصوص شخوصي، خصّصت لهم ‘صالون انتظار’. قلت لهم: انتظروني هنا. لكلّ شخص نفس ولكلّ شخص قناع، لكلّ شخص أسلوب ولكلّ شخص يوم. على تلك الأريكة، ستتمدّد كلّ نفس لتقول هذيانها”.

عن المشهد الأدبي في تونس ما بعد ثورة 14 يناير 2011، يرى يوسف رزوقة أنه خليط من “حـمص وزبيب” تـماما كالمشهد اللا سياسي وهذا شيء لا نستغربه في ظلّ حراك داهم كالذي عاشته تونس، معه تتشظى القيم وتتعفن الأشياء وحتى الرؤى فيخبث المكان بما فيه وبمن فيه ليزدهر، من ثمّة، “أدب المدينة الفاسدة” (ديستوبيا). هذا يخوّن ذاك أو يكفّره. والكلّ تقريبا يمتلك الحقيقة ويدّعي أنّه يعرف كلّ شيء حتّى ألاعيب الشّيطان وأين خبّأ أبناءه.

استحضار للموروث التونسي

الجوائز الأدبية

يقول رزوقة “لم تأت الثّورة إذن بـ’أضوائـها المضادة للضباب’ بل جاءت بشيء آخر عاصف أجهض الحاءات المحتملة في الحلم والحرية والحب والحياة. هكذا أشخّص المشهد الأدبي في تونس ما بعد الحراك”.

يسمي البعض الظاهرة الأدبية الجديدة “نوبة”، أو “موضة” لأنها تتناول في أغلبها المواضيع ذاتها، بعبارة أخرى جل الأعمال الأدبية تتحدث عن الثورة، عن هذا الموضوع يقول ضيفنا “هي، في رأيي، ليست ‘ظاهرة’ أو ‘نوبة’، بل هي وعي بـمتغيرات المرحلة وصدور طبيعيّ عنها.. ماذا ستكتب الأقلام الواعية بقضايا بلادها غير ما يـجري فيها؟ هل ستتناوله عن بعد بعد أن تكون قد فارقته بسنوات؟ بالعكس، الآن وهنا، الموضوع يبحث عن صاحبه كما يقول برخس والمعاني مطروحة على الطريق كما يقول الجاحظ. أمّا كيف يقول المبدع مرحلته وحرائقها لينأى عن كلّ مباشرتيّة محتملة؟ فذاك هو السؤال”.تشكو السّاحة الثقافية في تونس من عديد النقائص، فما هي الأسباب، وما هي الحلول؟ في هذا السياق يرى رزوقة أن النقائص أكثر من أن تـحصى وكذلك الأسباب. “أمّا الحلول فأربأ بنفسي عن الخوض فيها لإيماني بقصور آليّات تطبيقها في ‘مدينة الثقافة’ لدى من يهمّه سؤال الثّقافة في البلاد كما في العباد”.

يذهب البعض إلى أن لكل كاتب طقوسه عند الكتابة، إلا أن رزوقة ينفي ذلك ويقول “لا طقوس لي. أمّا لمن أكتب؟ فلقارئ متخيّل. ليس أكثر”.

كثيرا ما طفا موضوع الجوائز الأدبية، ومدى مصداقيتها، ودورها في حياة المبدع، عن هذه المسائل يقول يوسف رزوقة “الحافز المادّيّ ضروريّ للمبدع ولا عيب فيه. مثل النّص كمثل الحصان يعلفه صاحبه ويتفانى في ترويضه لغاية إطلاقه في مضمار السباق. لكن ما يؤلم في ملابسات هذه الجوائز وفي البعض منها حتى لا نعمّم، هو اللّوبي التحكيميّ الّذي قد ينسى ضميره ليجرم في حقّ البعض من مستحقيها”.

وعن سرّ عدم ظهور المثقّفين في المشهد الإعلاميّ أي الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة، يقول “حتّى لا يتماهوا مع ثغاء القطيع، مع لغو الرويبضة ومع قطاع الطّريق”.

ويختم ضيفنا اللقاء بالحديث عن دور المثقف العربي اليوم، في ظل هذه التحولات التي يشهدها العالم العربي، حيث يرى أنه لا دور له للأسف. وتلك حكاية أخرى.

يذكر أن الشاعر والروائي يوسف رزوقة أصدر العديد من الدواوين نذكر منها “أمتاز عليك بأحزاني”، و”برنامج الوردة”، و”أزهار ثاني أوكسيد التاريخ”، و”إعلان حالة الطوارئ”، والأعمال الشعرية (الجزء الأول فالثاني)، و”يوغانا” (كتاب اليوغا الشعرية)، و”الفراشة والديناميت”، و”أرض الصفر”، ومن أعماله السردية: “مسمار تشيخوف”، و”وداعا براءة العالم”، و”ريكامو”.

15