روائي قصير يعرّي سوءات المجتمع التونسي ويكشف تناقضاته

"الموجيرة والري" حب بريء بين طفلين يربك معتقدات الكبار البالية.
الاثنين 2021/01/11
تهديد ووعيد دون طائل

"الموجيرة والريّ" فيلم روائي تونسي قصير من إخراج أنيس العبسي، ومن المقرّر أن يفتتح فعاليات الدورة السادسة من مهرجان بانوراما الفيلم القصير الدولي بتونس في الثاني من فبراير القادم. ويمثل هذا الفيلم الروائي الأول من نوعه لمخرجه الذي جمع فيه بين الكوميديا والتراجيديا ليتوغّل عميقا في الكشف عن عورات بعض العادات والتقاليد البالية التي تتحكم في حياة التونسيين، رغم ادعائهم للحداثة.

تونس - يستعرض الفيلم الروائي القصير التونسي “الموجيرة والري” أو “المرأة والرجل” للمخرج أنيس العبسي في 23 دقيقة قصة فانتازية بطلاها طفلان، تناقضات المجتمع التونسي وتردّده الصارخ بين ادعائه مواكبة موجة الحداثة في كل تمظهراتها الحياتية المعاصرة وبين السقوط أسيرا للعادات والتقاليد البالية التي تتحكّم في كل جزئيات حياته، حتى البسيطة منها.

وينطلق الفيلم حين تعود الصبية ليلى (قامت بالدور درة بن ضياء) مع عائلتها إلى مدينة الصمعة التابعة لمحافظة نابل (شمال شرق تونس)، مسقط رأس والدها المهاجر إلى فرنسا، فتلتقي بصديق طفولتها أحمد (قام بالدور محمد عزيز العبسي) لتطلب منه أن يتجوّلا كعادتهما في أنحاء القرية المحافظة، لكنّ أحمد يتردّد في تحقيق طلبها، وهي التي ترتدي فستانا قصيرا يعدّ نوعا من التبرّج المرفوض في مثل هكذا مكان، وإن كان مأتاه صبية لم يكتمل عود أنوثتها بعد.

هذا التردّد من أحمد يتجسّد فعليا في نظرات أهل القرية وهما يتجوّلان بين أرجائها، فترى شيوخها ينظرون إليهما شزرا، مُعاتبين في السر والعلن هذه الوقاحة، على حد توصيفهم، لسلوك الصبية ومظهرها الخارجي الذي يتعارض مع التقاليد والأعراف.

طرح مرح

كمال عويج: المهرجان يهدف إلى التعريف بالأفلام القصيرة والوثائقية
كمال عويج: المهرجان يهدف إلى التعريف بالأفلام القصيرة والوثائقية

تتوغّل كاميرا أنيس العبسي بعيدا في هذا التناقض بين ما يطمح إليه أهل القرية من الذكور خاصة، وهم يلومون سلوك الطفلين في العلن ويحسدون الصبي أحمد في السر على هذا الصيد الثمين بصبية نظرة وجميلة، والأهم أنها مواطنة فرنسية، وما تعنيه جنسيتها من أمنيات وأحلام قادرة على التحقّق في قادم السنوات لطفل قد يمنحه هذا الحب الصبياني الذي يجمع بين قلبين غضين من إمكانية الهجرة إلى فرنسا بطرق شرعية والاستقرار فيها.

وهو ما استعجلته الصبية ليلى ببراءتها الطفولية، حيث طلبت من صديقها / حبيبها أن ينتقل معها إلى أوروبا حيث الحرية المطلقة بعيدا عن تلصّص العذّال والحاسدين. فيعلمها أن هذا الأمر شبه مستحيل، إلاّ في حالة واحدة، هو زواجه من امرأة حاملة للجنسية الفرنسية، فتقترح عليه الزواج من والدتها، لكن الطفل يرفض الزواج من امرأة في عمر والدته. فتقترح عليه الزواج بها شخصيا.

ومن هناك أخذ أحمد الاقتراح على محمل الجد هذه المرة، ليتحايل بكل ما أوتي من تدبّر أملاه عليه عقل طفل بسيط، ممّا يُمكنّه من الانتقال مع صديقته إلى الضفة الأخرى من المتوسّط، حيث الحرية والعيش الرغيد وفق تحريضها له، كي يوافقها على مقترحها الساذج.

وهكذا تتسارع الأحداث، فيطلب أحمد من صديقه الطفل، عمر، أن يعقد قرانهما على أساس أنه الشاهد على زواجهما، وهو ما يحصل. لكن أحمد يرفض تقبيل صديقته التي تحوّلت إلى زوجته وفق عقد القران المُمضى بينهما، كما ينصّ عليه العرف الأوروبي بين الزوج وزوجته.

فالقبلة في عرف الطفل الذي نشأ في بيئة غير البيئة الأوروبية المتحرّرة، عيب وفضيحة. والقبلة المحرّمة ذاتها التي يرفض الطفل منحها إلى حبيبته رغم إلحاحها، هي التي كانت سببا في انتقال الطفلين إلى السفارة الفرنسية بالعاصمة تونس، لإتمام إجراءات التأشيرة، وفق خيالهما الطفولي الجامح.

فالطفلان وهما يتجوّلان بين فيافي القرية، التقيا بالشاب إبراهيم (قام بالدور الشاذلي العرفاوي) الذي كان في لحظة خلوة مع عشيقته، يقبّلها تحت أغصان شجرة زيتون وارفة الظلال في يوم صيفي قائظ، لتلتقط ليلى لهما صورا وهما في وضعهما المريب ذاك وفق أعراف أهل القرية، وتهدّده إما أن يوفّر لهما المال للانتقال إلى العاصمة، أو أنها ستنشر “فضيحته” على مواقع التواصل الاجتماعي.

يرضخ إبراهيم لابتزازهما، خوفا من فضيحة حبيبته وسط مجتمع قروي محافظ يرى في قبلة تجمع بين عشيقين لم يتمّا زواجهما بعد، من الكبائر.

وفي صبيحة اليوم التالي ينتقل الطفلان إلى العاصمة، وتطلب ليلى مقابلة السفير لإتمام إجراءات التأشيرة لزوجها الطفل كي يتمكّن من السفر معها إلى فرنسا، الأمر الذي أربك المسؤول عن الهجرة.. وينتهي الفيلم عند هذا المشهد الطريف.

لا شيء تغيّر

الفيلم يكشف أمراض المجتمع التونسي العديدة وفق بنية درامية سلسة تجمع بين الكوميديا والفانتازيا والتراجيديا
الفيلم يكشف أمراض المجتمع التونسي العديدة وفق بنية درامية سلسة تجمع بين الكوميديا والفانتازيا والتراجيديا

“الموجيرة والري” الذي يفتتح الدورة السادسة من مهرجان بانوراما الفيلم القصير الدولي بتونس، التي تلتئم فعالياتها في شهر فبراير القادم، يتّسم بحبكة سينمائية سلسلة تجمع بين الكوميديا والفانتازيا والتراجيديا الموجعة في ملاحقته لأمراض المجتمع التونسي العديدة، الذي ورغم إقراره بتمكين المرأة منذ أمد بعيد عبر مجلة الأحوال الشخصية المنتصرة لحريتها وتحقّقها، إلاّ أن ذلك ظل حبرا على ورق، لا يقدّم ولا يؤخرّ، وسط مجتمع بطرياركي يُصارع أزماته المجتمعية والاقتصادية، بمنطق المُغالبة والتمييز بين الجنسين.

فالنظرة الدونية تجاه المرأة ظلت على حالها رغم التطوّر المجتمعي الحاصل في تونس منذ الاستقلال وإلى يوم الناس هذا، وما قدّمه المخرج أنيس العبسي في فيلمه ليس إلاّ دليلا بسيطا على حجم هذا البون الشاسع بين التشريعات والعقليات التي نخرها سوس الجندر وتصنيفاته.

ويستعرض “الموجيرة والري” إلى جانب النظرة الدونية للمرأة والتمييز على أساس الجنس مشكلات مجتمعية أخرى تغلغلت في النسيج المجتمعي التونسي على غرار مصادرة الحقوق والحريات الفردية، والاحتكام إلى المسلمات والأحكام المسبقة كالخرافة والشعوذة، علاوة على الهوس بالهجرة إلى أوروبا بأي طريقة كانت.

وكلها علل مجتمعية تناولها المخرج وفق بناء درامي يستند في طرحه إلى الكوميديا السوداء، واضعا إصبعه على جملة من التناقضات والمفارقات، من أجل إماطة اللثام على بعض مظاهر النفاق المجتمعي الذي يشرّع للرجل ما لا يجوز أبدا للمرأة، وإن كانت مثقفة ومتحرّرة، بل حتى وإن كانت حاملة لجنسية أوروبية. فما هو متاح عندهم غير مباح عندنا، بأي شكل من الأشكال وإن تظاهرنا بالتمدّن والتحضّر والانفتاح المكذوب.

وعنوان الفيلم “الموجيرة والري” مستلهم من لعبة الورق في تونس “الشكبّة” التي يمارسها العاطلون عن العمل والمتقاعدون في المقاهي الشعبية لتمضية الوقت والترويح عن النفس، في يوم طويل لا يفعلون فيه أي شيء سوى لعب الورق والتلصّص على المارة وهتك أعراضهم واستباحة أجسادهم ولو بنظرة شبقيّة متحرّشة تجاه صبية لم تستكمل بعد ربيعها الحادي عشر.

وصرّح كمال عويج، رئيس ومؤسّس مهرجان بانوراما الفيلم القصير الدولي بتونس لـ”العرب” أن المهرجان الذي تلتئم فعاليات دورته السادسة في الفترة الممتدة بين الثاني والرابع من فبراير القادم “يهدف إلى التعريف بالفيلم القصير الروائي والوثائقي ووضعه في دائرة الضوء التي تليق به”، وأضاف أن لجنة الانتقاء وصلها 167 فيلما قصيرا من مختلف أنحاء العالم، ليقع اختيارها على 11 فيلما روائيا قصيرا و11 فيلما وثائقيا قصيرا.

وتشارك في المسابقة الروائية أفلام من تونس والطوغو والمغرب والجزائر ومصر (بفيلمين) وفرنسا ولبنان والبحرين وسوريا وإنجلترا، أما المسابقة الوثائقية فتشارك فيها مصر (ثلاثة أفلام) وفلسطين والعراق وتونس (ثلاثة أفلام) وفرنسا والجزائر والبرازيل وسوريا.

وتتكوّن لجنة التحكيم من المنتجة التونسية درة بوشوشة والممثل والأكاديمي التونسي الأسعد الجموسي والممثلة والمخرجة التونسية آمال علوان والممثل الجزائري حسان كشاش.

17