روائي وطبيب سوداني يتنبأ بكارثة إيبولا

الاثنين 2014/10/27
هل كان الحس الطبي حافزا لتاج السر كي يكتب روايته

قد يتنبأ الروائي بوقائع وفواجع لا يكاد يصدقها الواقع! وتلك هي القدرة الخارقة والسرعة الفائقة للخيال، حين يستبق الواقع، ويحكي عنه وعن أحداث قبل أن تحدث أصلا، هذا ما فعله الروائي السوداني أمير تاج السر، حين كتب روايته الأخيرة “إيبولا 76”، قبل شهور من ظهور وباء “إيبولا” من جديد، والذي يهدد العالم هذه الأيام، ويقبض أرواح الناس مثل ملك موت لتتكاثر “لوحات المأساة” الفجائعية.

تعود بنا رواية “إيبولا 76” لأمير تاج السر إلى سنة 1976، بالضبط، يوم ظهر الوباء في “كينشاسا” عاصمة “الكونغو”، التي كانت تحمل اسم “زايير” سابقا، وكيف سيقوم لويس نوا، وهو عامل نسيج يزور الكونغو، بنقل الوباء إلى مدينته أنزارا، في جنوب السودان، بعدما ارتمى في أحضان الفتاة الكونغولية كانيني، التي كانت مصابة بالوباء، فصار لويس نوا ذلك الجسر الذي سيعبر عليه إيبولا نحو بلاد أخرى. عن هذه التجربة “وفضاء التجربة” بلغة بول ريكور، تحكي الرواية.


فضاء التجربة


في الجزء الثالث من كتابه “الزمان والرد” يتساءل المفكر والناقد الفرنسي بول ريكور: “لماذا نتحدث عن فضاء التجربة ولا نتحدث عن بقاء الماضي في الحاضر؟” في اللحظات الأخيرة من رواية أمير تاج السر إجابات بالتلميح على سؤال ريكور، حين ينبهنا الروائي السوداني إلى أن الوباء قادر على العودة في كل حين، فهو داء الفقراء، وهو ملازم لأفريقيا، ما لم تعش رفاها وديمقراطية وحقا في الثقافة والصحة والحياة.

حين ظهر الوباء في كينشاسا أول ما ظهر، كان عصيا على فهم البسطاء الفقراء، فكانوا يتحدثون وباقتناع تام، عن “الساحر الشرير”، الذي ينشر الموت في عدد من القرى والمدن، وبلا أيّ هدف معروف. ورغم حديث الراديو عن الفيروس الغامض، وبيانات وزارة الصحة، كانت مسألة “الساحر الشرير” هي الأقوى والأرفع شأنا. وبطل الرواية أو “جسر الوباء” استسلم بدوره لهذا التفسير الساحر.

ها هو وباء إيبولا، وبعد أشهر من صدور الرواية عن دار الساقي اللبنانية، يقطع استراحته الكونغولية، لينبعث من جديد، ومن على ضفاف النهر المديد، نهر الكونغو

أما الروائي أمير تاج السر، ورغم كونه طبيبا، فقد كان السياق سياقا روائيا، فاستثمر هذه الهالة السحرية والأسطورية التي ألصقت بوباء إيبولا، ووظفها توظيفا روائيا فانطازيا، تتبع فيه انتقال هذا الساحر المارد من جسد إلى جسد، ومن بلد إلى بلد. هكذا، فإن الوباء هو ذلك “الساحر الكونغولي” الذي يتجول في البلاد مثل قاتل مطلق السراح. وقد “كان إيبولا يضحك، ويودّ لو ينطق ليذكر الناس كلهم بأنهم ميتون لا محالة”.

كان إيبولا، ومنذ انطلاقته المحيرة خلال يناير 1976، في الرواية كما في الحقيقة والتاريخ، كان يتنقل حرا طليقا، عابرا من هذا الشخص نحو ذاك بكل سهولة. كان يبتسم ويسمع الراوي قهقهاته، كلما همّ أحدهم بتقبيل فتاة مصابة بالوباء، ويبتهج “إيبولا” مزهوا، لأنه تسلل عبر الشفاه، ونال حظه من قبلة معدية.

مثلما كان إيبولا يمتلك القدرة الخارقة على الفرار من أجساد الذين يمتلكون مناعة كافية لمقاومته وإبطال مفعوله. كانت يده تسبق، حين يمدّ أحد المصابين يده لمصافحة ضحية جديدة. كان يتناسل ويتكاثر عبر آلاف النسخ، لتتكاثر “لوحات المأساة” كما يسميها أمير تاج السر. لقد كانت “لوحة المأساة” اصطلاحا روائيا بديلا لمفهوم الصورة، المنقولة من حقل الشعر، ليقدم لنا تاج السر مفهوما بصريا يتقدم مفاهيم التشكيل، وهو “اللوحة”.

من لوحة تينا أزاقوري، وهي زوجة لويس نوا، التي انتظرته على سرير الشوق بعد خيبات فتوحاته الجنسية الأفريقية، وأعدّت له كل أطباق وأشواق الغواية، فلما استعادته على أمل أن تنجب منه ولدا، بث فيها نطفة “إيبولا” بدل نطفة الابن الذي كانت ستسميه “ماجوك” على غرار خالها الذي يعمل راقصا في “فرقة أنزارا للفنون الشعبية”.

وها هو إيبولا قد تمكن من الجسد البض لتينا، حين تمنت لو أنها ظلت مهجورة إلى الأبد، على أن تموت هي ولويس نوا وكل الذين تحبهم ذهبوا، على يد الساحر الكونغولي الذي نشر الموت في كينشاسا، وصَدَّرَهُ إلى أنزارا في جنوب السودان وإلى أسواق وتجمعات بشرية أخرى.

الرواية جسدت فيروس "إيبولا" في شخصية الساحر المارد

واقع تجسده بدقة وأمانة “لوحة جيمس رياك”، وهو ربّ معمل النسيج، هنالك حيث عمل لويس نوا، ومن معه من المستضعفين، قبل طرده، وموتهم جميعا بالوباء. في النهاية، ندم جيمس رياك على طرد نوا من المعمل. وكان نوا قد تعافى من مرض إيبولا، دون غيره من الذين نقل إليهم الوباء، وعاد من رحلة موت محقق.

وقد أصرّ ربّ المصنع على إعادة نوا إلى عمله، وتحريك الآلة القديمة التي لا يعرف مداعبتها أحد سواه، لأن الجميع كان ملقى في حفر الموت، وفي مقابر إيبولا الجماعية، الأموات منهم، والأحياء مع وقف التنفيذ، عبر لوحات المأساة الفجائعية.
ورياك هذا هو أحد المتمردين على النظام في جنوب السودان، والذي عاد من الغابات والأدغال، ليوقف عصيانه وتمرده، ويصبح أحد سدنة النظام القائم والحاكم. من هنا، وجب الانتباه إلى أن رب المصنع جيمس رياك هو الوحيد الذي لم ينل منه الوباء، ولم يستطع هذا الساحر المارد أن يسكن جسده.

لوحة تؤكد لنا أن الوباء هو نصيب الفقراء ومصير البسطاء المحتوم، أي الموت. لهذا، ينطلق الوباء من مستنقعات الفقر الأفريقي، على ضفاف نهر في بلدة “كيوكيت” وهو نهر “إيبولا” الذي يصب في نهر الكونغو الكبير، وعلى اسم النهر الصغير “إيبولا” تم إطلاق اسم الوباء، بينما لم تستطع تينا أزاقوري إطلاق اسم خالها “ماجوك” على ابنها الذي لم يظهر لأنها كانت أول امرأة انتقل إليها الوباء عن طريق زوجها لويس نوا، الذي كان الجسر الذي عبر عليه إيبولا نحو بلدها ومناطق أخرى.


أفق التوقع


نواصل قراءة رواية “إيبولا 76” من خلال توظيف مفهوم آخر صاغه بول ريكور، في مقابل فضاء التجربة، ونوظف هذا المفهوم توظيفا مغايرا، ليس من خلال قراءة الرواية، بل من خلال قراءة نوايا وخلفيات الروائي، لكي نتوقف عند ما اصطلحنا عليه بـ”نبوءة الرواية” بالمعنى النسبي والمجازي. يتساءل ريكور في الجزء الثالث من موسوعته النقدية “الزمان والسرد” قائلا: “لماذا نعدّ الزمان شيئا غير قابل للعودة؟”.

بل يطرح سؤالا آخر يقع في صميم ما يكتبه أمير تاج السر روائيا، وهو يرى بأن عدم قدرتنا أو رغبتنا في استعادة الزمن هو تسليمنا بأن “الزمن يهرب”، أليس ذلك “لأننا نهرب من أنفسنا، نهرب من الموت؟”، يتساءل ريكور، أو لأنهم هربوا وتهربوا من “إيبولا”، يقول أمير تاج السر، فإذا بالوباء يعود، لأن كل المعنيين، من ساسة إفريقيا إلى ساسة العالم الذين استعمروا واستعبدوا هذه القارة، لم يقتلعوا الوباء من جذوره، وهو الذي ينشب أظفاره ويمدّ عروقه في دماء الفقر والفقراء، والبؤس والبؤساء، في غياب العدالة الاجتماعية والرفاه والحق في الحياة الكريمة.

ها هو إيبولا قد تمكن من الجسد البض لتينا، حين تمنت لو أنها ظلت مهجورة إلى الأبد، على أن تموت هي ولويس نوا وكل الذين تحبهم ذهبوا

هذا ما انتهى إليه تاج السر، وما خلص إليه، في المقاطع والجمل الأخيرة من الرواية، وهو يتحدث عن “هدنة إيبولا” وتراجعه إلى الوراء، مشيرا إلى أنه “من المحتمل جدا أن يكون إيبولا قد شبع، أو هزته صحوة ضمير مباغتة.. من المحتمل أن يكون إيبولا قد عاد إلى حالة استرخائه القديم، في قرية من قرى الكونغو، قبل تلك الانطلاقة الكبرى المحيرة”.

وها هو وباء إيبولا، وبعد أشهر من صدور الرواية عن دار الساقي اللبنانية، يقطع استراحته الكونغولية، لينبعث من جديد، ومن على ضفاف النهر المديد، نهر الكونغو، الذي يتقاطع بدوره مع “نهر مانو”، الذي ينبع من مرتفعات غينيا، ويفصل ما بين ليبريا وسيراليون.

أليست هذه هي الدول التي ينتشر فيها الوباء اليوم، وينتشي بقتل سكانها المسحوقين؟ بهذا، يكون أمير تاج السر قد تنبأ، فعلا، بوباء “إيبولا”، وعودته المحيرة، وعالجه روائيا من خلال هذا العمل الذي يؤكد أن الرواية ممارسة استشرافية، تشتغل على أفق التوقع والممكن والمستحيل، وليست حكاية عما جرى.

15