رواة يتجنبون قص الحكايات في النهار كي لا تحل بهم اللعنة

جدل حول الأدب الشفوي الأفريقي في مهرجان الفداوي بسوسة، والخرافات الأفريقية كان لها تأثير كبير على الأدب المغاربي.
الثلاثاء 2018/05/15
اختتام المهرجان في تكرونة التونسية

تضمّن مهرجان الفداوي السنوي الذي انتظم بمدينة سوسة التونسية من 3 إلى 13 مايو من هذا العام، فقرات توزعت بين الموسيقى والرقص والحكايات الشعبية والعروض المسرحية.

أما الندوة الفكرية التي أشرف عليها الدكتور عبدالرحمن أيوب المتخصص في الأدب الشفوي، والعارف بمختلف الصيغ التي رويت بها السيرة الهلالية، فقد خصص للبحث في خصائص الحكايات الأفريقية، وفي سجل تقاليد وعادات شعوب القارة السمراء.

وقد شارك في هذه الندوة التي انتظمت في المكتبة العمومية بمدينة سوسة كامل يوم الجمعة الموافق للحادي عشر من الشهر الحالي، عدد من الباحثين والباحثات أمثال المسرحي كمال العلاوي، والأكاديمي الجزائري عبدالحميد بوريو، والشاعر والجامعي الجزائري حميد بوحبيب، ومريم بن عمار، وسعاد ماطوسي، ومنى عباس، ومنيرة الزكراوي.

الحكي في الليل

في الجلسة الصباحية للندوة، تحدث الدكتور عبدالرحمن أيوب عن دواعي اختيار الموضوع قائلا إن الخرافات الأفريقية كان لها تأثير كبير على الأدب الشفوي التونسي، وحتى على الأدب المكتوب. من ذلك مثلا أن الروائي التونسي البشير خريف خير أن يكون بطل روايته “برق الليل” عبدا أسود جيء به إلى تونس من بلاد السينغال في القرن السادس عشر، ليروي وقائع الاحتلال الإسباني، وتنكيله بالتونسيين بمختلف مراتبهم، مستغلا الخلافات والصراعات السياسية التي كانت تشغل الحكام الحفصيين.

هناك حضارات كانت مهددة بالانقراض لكن الهزل هو الذي حقق لها البقاء، فالضحك قادر على مواجهة الموت

وأشار أيوب إلى أن الرواة الأفارقة، مثل الرواة التونسيين كانوا يتجنبون قصّ الحكايات في النهار لأن ذلك قد يكون مدعاة لموت أحد الأقارب، أو لوقوع ضرر أو مصيبة ما. كأن يصاب الراوي بالعمى، أو بالصمم، أو بفقدان الذاكرة. أما في الليل، فيتحول قص الحكايات إلى ما يشبه العرض الفرجوي الممتع. وغالبا ما تكون الحكايات المروية كاشفة عن الأساطير والخرافات الأفريقية التي يطغى عليها سحر شاعري بديع، وفيها تتكلم الحيوانات كما في “كليلة ودمنة”، وتحضر الآلهة وعناصر الطبيعة بما فيها من عواصف، وأمطار طوفانية، وغير ذلك.

ويمكن اعتبار العوالم العجائبية في الحكايات الأفريقية منبعا من منابع الشعر لما يمتلكه الرواة من قدرة عجيبة على التلوين والتجميل وشدّ السامعين بشكل ساحر وشديد التأثير. لذلك أصبح النّفَسُ الشعريّ أحد الركائز البنائية للخرافة. ونظرا إلى التأثير الكبير الذي يحدثه الرواة الشعبيون في مختلف البلدان الأفريقية على العادات والتقاليد، راجت المقولة الشهيرة: مع موت كل راو، أو حكاء تحترق مكتبة.

وفي مداخلته التي حملت عنوان “سَمَر أفريقي تحت شجرة الثرثرة”، تحدث المسرحي كمال العلاوي عن تأثير الحكايات والأساطير الشعبية على الكتّاب والشعراء الأفارقة، متخذا من الشاعر والروائي الكونغولي تشيكايا أوتامسي نموذجا لذلك. وكان تشيكايا أوتامسي الذي كان صديقا للزعيم المقتول باتريس لومامبا وللرئيس السينغالي ليوبولد سيدار سنغور وللشاعر المارتينيكي إيمي سيزار، قد قام بجمع العديد من الحكايات والأساطير الشعبية الرائجة في مختلف البلدان الأفريقية لتكون مرجعا أساسيا لدراسة خصائص العادات والتقاليد في المجتمعات ولدى القبائل.

وأشار العلاوي إلى أن حكايات الأفارقة، مثل حكايات الشعوب الأخرى، يمتزج فيها التاريخ بالأسطورة، وغالبا ما تعكس ذاكرة شعب، واصفة حروبه ومعاركه، وأفراحه وأتراحه. ولا تخلو هذه الحكايات من الطرافة ومن الدعابة ومن السخرية. وكان تشيكايا أوتامسي يقول “أنا على قناعة مطلقة أن هناك حضارات كانت مهددة بالانقراض، لكن الهزل هو الذي حقق لها البقاء والخلود إذ أن الضحك يمكن أن يكون قادرا على مواجهة الموت”. وبحسب العلاوي، لا تخلو الحكايات الأفريقية من الجانب التعليمي حيث نعثر فيها على من يحث على الشجاعة، وعلى الصبر، وعلى السلوك السليم، وعلى نبذ كل ما يمكن أن يكون جالبا للشر وللمصائب.

الحكاؤون قاوموا الاستعمار (لوحة للفنان بسيم الريس)
الحكاؤون قاوموا الاستعمار (لوحة للفنان بسيم الريس)

الحكاء الأفريقي

في بحثه، حدد الأكاديمي الجزائري عبدالحميد بورايو خصائص العلاقة بين الرواي الذي يسمى في البلدان المغاربية بـ”المداح”، والراوي الذي يسمى في البلدان الأفريقية بـ”الغريو” قائلا إن كلاهما يتناول التاريخ المعاش عبر الفترات الزمنية المختلفة. كما أن كلاهما يستند إلى وقائع التاريخ الرسمي ويدّعي نقلهما. وينبثق الأداء السردي لكل واحد منهما بالقدرات الحية للمجتمع سواء كانت بشخصيات تاريخية، أو بشخصيات معاصرة، أو بشخصيات قد يولّدها المستقبل. وكل واحد منهما يكون مقتنعا أيضا بأن عناصر الطبيعة حيّة وفاعلة في الحياة وفي الأحداث.

أما عناصر الاختلاف بين المداح وبين الغريو فتتمثل في أن هذا الأخير غالبا ما يكون مرتبطا بأصحاب النفوذ والسلطة في قبيلته أو مجتمعه، وإليهم يقدم خدمات ونصائح وحكم تفيدهم وتنفعهم. أما المداح، سليل التروبادور فهو مرتبط بالمهمشين والمظلومين والمقهورين. لذلك نحن نجد في ما يرويه من حكايات ما يشي بنقد مبطن لأهل السلطة والنفوذ سواء كانوا من رجال السياسة أو من رجال الدين. وفي البلدان المغاربية لعب المداحون أدوارا في النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي. فقد كانوا يتنقلون بين القرى والمدن، ويذهبون إلى الأرياف البعيدة ليرووا حكايات تثير المشاعر الوطنية، وتحث على ضرورة مقاومة الاستعمار بطرق مختلفة بهدف الحفاظ على الهوية الوطنية التي كان المحتل يعمل على طمسها وتجريدها من أصولها، ومن مقوّماتها. لذلك دأبت السلطات الاستعمارية على ملاحقة المداحين ومعاقبتهم بصرامة.

وفي مداخلة ثانية، تحدث الدكتور عبدالرحمن أيوب عن الكاتب الكمروني صامويل مارتين إينو بيلانغا (1935-2004) الذي كان مغرما بالأدب الشفوي الرائج في مختلف البلدان الأفريقية، وعنه كتبت العديد من الدراسات التي لا تزال مرجعا أساسيا في هذا المجال. وأضاف أيوب قائلا إن هذا الكاتب الذي كان أيضا أكاديميا مرموقا، كان يكره العيش في المدن، ويحبذ أن يكون دائما في أحضان الطبيعة حيث الطيور والحيوانات المتوحشة. ومن وحي ذلك كتب قصائد ونصوصا تمجد العيش في الغابات. كما أنه كتب قصصا مستوحاة في جلها من الأدب الشعبي في بلاده. وتقديرا لبحوثه وأعماله الأدبية منحته فرنسا عام 2000 وسام الفنون ولآداب، وهو أرفع الأوسمة الفرنسية.

14