رواج أغاني المهرجانات انعكاس لحال الشباب المصري

كلمات كئيبة بلحن راقص تناقض يكشف صراعات نفسية لدى الجيل الجديد.
الأحد 2021/05/23
الرقص لا يعني السعادة

يبدو الشباب في مصر متوحّدين مع أغاني التعاسة والغدر والخيانة والحظ السيء والحياة الحزينة، ولا يندمجون مع نظيرتها التي تروّج للسعادة والرضا والأمل. فقد أصبحت أغاني ما يعرف بالمهرجانات وسيلة الأجيال الجديدة للتعبير عن الاحتجاج على الأوضاع التي تعيشها، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.

تعكس طبيعة الأغاني المفضلة لنسبة كبيرة من الشباب المصري اليوم حجم المعاناة التي تعيشها هذه الشريحة. فقد نرى البعض يتراقص ويتمايل على موسيقى صاخبة في الأعراس والحفلات، لكن مجرد التدقيق في الكلمات نجدها تتحدث عن التعاسة والغدر والخيانة وتبعث على الكآبة واليأس والإحباط.

ولم يعد الاستماع إلى الأغاني الحزينة مقتصرا على فئة شبابية بعينها، تعيش في المناطق الشعبية أو حتى تسكن الأحياء الراقية والمدن العمرانية الجديدة، وتمتلك سيارات فارهة، لكنها صارت حاضرة عند شريحة واسعة من الأجيال الصاعدة، وكأن الكلمات الكئيبة مع الموسيقى الصاخبة تمثل بالنسبة إليها راحة نفسية لا توفرها الأغاني التي تعكس السعادة والرضا وتحثّ على البهجة.

وصار من النادر أن تجد صاحب مقهى يقوم بتشغيل أغنية رومانسية أو تتألف من كلمات تدعو إلى الأمل، ومهما جلست من وقت لن تسمع سوى الأغاني الحزينة. واللافت أن أغلب الجالسين من الشباب يندمجون معها ويتمايلون مع كلماتها ويشعرون بأنها استطاعت أن تمسّ ما بداخلهم من آلام وحزن ومعاناة وغضب مكبوت.

والشاب سعيد حمدي، الذي لم يتجاوز الثلاثين عاما أحد هؤلاء، لكنه يتعامل مع الأغاني الحزينة باعتبارها رسالة احتجاج على أوضاعه المعيشية والظروف الاجتماعية التي يمرّ بها منذ الصغر، بعدما فشل في الحصول على وظيفة حكومية رغم كثرة الإعلان عن مسابقات للتعيين في الجهاز الحكومي، لكنه لا يزال يبرّر إخفاقه في عدم وجود معارف أو نفوذ لعائلته.

المتحدث باسم الشباب

Thumbnail

لا يستهوي حمدي سماع الأغاني السعيدة أو المبهجة، لأنها تفصله عن الحياة الصعبة التي يعيشها، في حين ما زالت الكلمات الكئيبة الأصدق تعبيرا عنه. يراها تناسب ظروفه وأوجاعه وتتحدث بلسانه، لدرجة أنه كثيرا ما يصمت لحين انتهاء الأغنية، حتى لا ينعزل عن مضمونها أو تفوته كلماتها. فهو لا يستطيع الشكوى، ويتعامل مع اللحن الكئيب باعتباره الناطق باسمه.

وقال حمدي لـ”العرب” إن الشباب لم يعد يجدوا من يحنو عليهم سوى كلمات الطبطبة التي تتضمنها الأغاني الحزينة، فهذه كفيلة بأن تهدئ نفوس الغاضبين على الظروف الصعبة التي تعيشها الأجيال الحالية، وتصف أحوالهم دون تزييف أو تهويل، وكأنها تحتج نيابة عنهم، وتبعث برسائل حادة للأهل والحكومة والطبقة السياسية، لعلهم يعيدون النظر إلى احتياجات الشباب.

وما يلفت الانتباه أن غالبية أصدقاء حمدي يفكرون بنفس المنطق، وجميعهم من الفئات الشبابية التي لم تتجاوز أعمارها الثلاثين عاما. فهؤلاء توحدت آراؤهم على أن الكلمات الحزينة تخفي وراءها هموما لا يستطيعون البوح بها، فلم يعد هناك من يسمع للشباب أو يقترب عمليا من طموحاتهم وأحلامهم، وصارت ضحكاتهم مزيّفة.

سهير لطفي:  الأغلبية من الشباب ترغب في تحقيق الحلم دون عناء، لذلك يظهر الاحتجاج الصامت
سهير لطفي:  الأغلبية من الشباب ترغب في تحقيق الحلم دون عناء، لذلك يظهر الاحتجاج الصامت

حالة اجتماعية

ولم يعد الأمر بحاجة إلى سؤال أيّ شاب عن سبب الراحة التي يعيشها بسماع الأغنية الحزينة، لأنه سيردّ بتساؤل آخر: أين توجد السعادة، هل مع طوابير البطالة، أم تجاوز أغلب الشباب ثلاثين عاما دون زواج، أم عمل بعض خريجي الجامعات المرموقة في وظائف متدنية لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية، أم لتمكين الشباب في المؤسسات الحكومية الهامة؟

أمام تبريرات الإحباط التي يروّج لها الشباب يبدو الاستماع إلى الأغاني الكئيبة أمرا طبيعيا، فالكثير من الشواهد تشير إلى غياب الحد الأدنى من الرفاهية والرضا والراحة النفسية، فقد تجد شبابا يتمايلون ويضحكون في فرح شعبي، لكن مكبرات الصوت في المكان لا تردد سوى الكلمات الحزينة التي تتحدث عن خيبة الأمل والخيانة والغدر والفشل في تحقيق الأحلام.

“الناس تعبانة قرفانة من العيشة طهقانة نعمل إيه ولا إيه دا الخسيس أصبح فيها بيه”. هذا مقطع بسيط من أغنية شعبية تحمل اسم “مفيش صاحب بيتصاحب”، حققت أرقاما قياسيا في معدلات مشاهداتها، وصارت حاضرة في أغلب المناسبات السعيدة ووسائل النقل الشعبية، والمقاهي المنتشرة في أحياء مختلفة.

وتعبّر كلمات الأغنية عن جزء من الحالة الاجتماعية التي يعيشها الشباب على وجه الخصوص، حيث يمرون بظروف بالغة الصعوبة، وبينهم من لديه قدرات ومهارات وخبرات، لكن البعض ممن يتصدرون المشهد لا يستحقون المكانة التي يحتلونها، وهذا موجود في أغلب المواقع والوظائف، ما يدفع الفئات الشبابية للتعاطي مع مثل هذه الكلمات على أنها تشبههم.

وتجذب أغنية أخرى مسامع الشباب وتعبر عن أحوالهم، وتقول كلماتها “دنيا موانى على الملأ.. قلوبنا فيها بتتحرق.. غلبان وعايش في الغلا (الغلاء).. مسكين وعشه بينزلق ومين يحسّ بالتاني أحلام شبابنا بتتسرق.. دنيا موانى وناس بتعاني باين في وشوشهم القلق”.

يقود التفسير النفسي لأغنية تتحدث عن سرقة أحلام الشباب إلى أن الأجيال التي يفترض أن تتفتح أمامها الحياة بالسعادة والبهجة تشعر بالقسوة الاجتماعية وتعيش المعاناة منذ سنوات، رغم أنها ما زالت في مقتبل العمر، رغم أن الكلمات نفسها لم تتطرق إلى شريحة شبابية بعينها، بل كانت شاملة لكل الفئات.

يتعامل الشباب مع سرقة أحلامهم بمنطق لا يختزل الطموحات في الزواج والمال فقط، بل في المعاناة بشموليتها، حتى صارت وجوههم عابسة وآذانهم تستهويها الكلمات الحزينة، مع أنهم صناع القرار في المستقبل، لكن إحباطاتهم أصبحت تسبق تفاؤلهم بإمكانية العيش حياة طبيعية يحققون فيها أحلامهم.

محمد صالح:  تحول الأغاني الكئيبة إلى علاج نفسي عند الشباب مؤشر خطير يظهر الاحتجاج الصامت
محمد صالح: تحول الأغاني الكئيبة إلى علاج نفسي عند الشباب مؤشر خطير يظهر الاحتجاج الصامت

ومشكلة الحكومة أنها تتعامل مع المهرجانات الكئيبة باعتبارها انعكاسا للتطوّر الذي طرأ على الأغاني المعاصرة ليس أكثر أو أنها تمثل تحولا في أذواق المراهقين من دون التعاطي مع الرسائل التي يرغب الشباب في توصيلها من وراء كلماتهم القاسية، كالاحتجاج والغضب والإحباط، وكلها إشارات صارت علامة بارزة عند الشباب.

ورأى محمد صالح المتخصص في علم النفس الاجتماعي، أن تحول الأغاني الكئيبة إلى علاج نفسي عند الشباب مؤشر خطير، خاصة في مجتمع معروف عنه الهروب من الأحزاب ومواجهة التحديات والصعاب بالنكات والضحكات، ما يعني أن منسوب الغضب عند بعض الفئات وصل إلى مرحلة متقدمة تحتاج إلى دراسات اجتماعية وسياسية ونفسية تحليل الظاهرة برمتها.

ولفت في تصريح لـ”العرب” إلى أن انجذاب الشباب نحو الأغاني الحزينة يكاد يكون نقطة فاصلة بين الفوضى السلوكية والقيمية إلى الانضباط السلوكي والقيمي، فالموسيقى مرآة للمجتمع وتحولاته وثقافته وطموحاته، وعندما تكون الكئيبة منها أكثر حضورا وجذبا، فهناك جرس إنذار يجب الاستماع إليه قبل أن تندثر الضحكة التي كانت جزءا من ثقافة المجتمع المصري.

قال محمود سيد أحمد، وهو شاب مصري يقيم في إحدى قرى محافظة البحيرة شمال القاهرة، إنه عندما يستمع إلى الأغنية الحزينة وقت شعوره بالضيق والإحباط من الظروف

المحيطة بحياته يرتاح نفسيا، كأنه تناول حفنة من العقاقير المهدئة،  وكثيرا ما يسرح مع الكلمات ليكون محل البطل الذي تتحدث عنه الأغنية، أي يتوحّد معها.

ووقت إحساسه بالرضا النسبي أحيانا يردد بعض الأغنيات البعيدة عن السعادة والبهجة، لأنه يعتبرها خيالية، في حين أن الكئيبة منها تشعره بالمزيد من الراحة والدفء والمتعة، لدرجة أنه صار يتعامل مع الكلمات الحزينة باعتبارها الصديق المقرّب إليه، لأن الدائرة المقربة منه لم تأخذ بيده، أو تحاول أن تُصغي إليه.

ولا ينكر الشاب في حديثه مع “العرب”، أن شعوره بالراحة مع سماع وترديد أغاني اليأس والإحباط أدخله ذات يوم في دوامة الاكتئاب والانعزال بنفسه للبكاء أكثر من مرة، لأن بعض الكلمات كانت تعبّر عنه كأن كاتبها رفيق حياته، وتأثر بها وصار مستسلما لها، ولا يرغب في فعل أي جديد لإدراكه أن كل الطرق أمامه موصدة.

وأكدت سهير لطفي رئيسة المركز القومي للبحوث الاجتماعية بمصر سابقا، أن مشكلة الشباب عموما أن طموحاتهم لا حدود لها، وصارت هناك فوارق اجتماعية تثير لدى البعض منهم صراعات نفسية للوصول إلى مكانة بعينها دون الوضع في الاعتبار إمكانية التعرض لصعوبات وتعقيدات لا بد منها، لكن الأغلبية منهم ترغب في تحقيق الحلم دون عناء، لذلك يظهر الاحتجاج الصامت.

عقاقير مهدئة

كلمات أغاني المهرجات مستمدة من الواقع
كلمات أغاني المهرجات مستمدة من الواقع 

توضح لطفي لـ”العرب” أن الهروب من الأزمات الحياتية للتوحد مع الأغاني الكئيبة قد يتسبب في المزيد من الإحباط والاستسلام. واللافت أن أغلب الكلمات الحزينة المصحوبة بموسيقى صاخبة لم تعد تحثّ على الجهد والتعب والإصرار، بقدر ما تشفي غليل مستمعيها من الشباب وتخاطب أحزانهم، وهنا يأتي دور الدوائر الاجتماعية والإعلامية التي تحيي الأمل في النفوس الضعيفة.

وذهبت بعض الدراسات النفسية إلى أن التخفيف عن الروح بسماع الأغاني الحزينة غالبا ما يدخل فئات بعينها في حلقة مفرغة من الكآبة طويلة المدى خاصة إذا كانوا مراهقين، ومع الوقت يصبحون عاجزين عن تقبّل مشاهد سعيدة، لأنهم يصدرون الغضب تجاه أنفسهم مهما كانوا ضحايا لمواقف وتصرفات أطراف أخرى.

ويعتقد متخصصون أن الخطر يكمن في تحول موسيقى الغدر والإحباط لتكون بمثابة السند الذي يلجأ إليه الشباب والتخفي وراءه، لأن التعامل مع الأغنية الحزينة كجهة تتضامن مع الناقمين على أوضاعهم الصعبة، فإن ذلك يوسع الهوة بين الفئات الشبابية عموما، فقراء وأغنياء، وبين الأهل والمجتمع والدولة.

والخطر الأكبر في تعاطي هذه الدوائر مع انجذاب الشاب لحالة اليأس والاستسلام التي تبعث بها المهرجانات الكئيبة، باعتبارها تنفيسا عن الصبر وقوة التحمل والسلمية في مواجهة التحديات والصعاب والإحباطات، لأن التعامل مع استسلام المراهقين على أنه “شيك على بياض” قد يكون مقدمة لانفجار بركان غضب يصعب السيطرة عليه.

وأكد محمد صالح المتخصص في علم النفس الاجتماعي أن لجوء الكثير من الشباب إلى الفضفضة مع الموسيقى الحزينة وعدم اللجوء إلى الأهل والأصدقاء، يعني أن منسوب الثقة في الدوائر المقربة منهم صارت على المحك، ما يقود إلى اهتزاز العلاقات الاجتماعية في نظر الأجيال الصاعدة ويعرض بعضهم للوقوع في مشكلات وأزمات حياتية لا يستطيعون الخروج منها.

ويرى أن الحل أن تشعر دوائر صناعة القرار السياسي والاجتماعي، بوجود خلل في العلاقة مع الشباب، والعلاج يبدأ بإقناعهم بأن رسائل التماهي مع أغاني الطاقات السلبية صارت محل اهتمام من الدولة، ويتبع ذلك التحرك نحو تحقيق العدالة وأولوياتها في تحسين الأجور وتوفير فرص عمل كريمة للأجيال الصاعدة، وتمكينهم في المؤسسات، وتنفيذ القانون على الجميع دون استثناء ووضع معايير حاكمة في كل المجالات، وأن تكون المواطنة هي الفيصل، مع إقناعهم بأن طموحاتهم مشروعة، لأن عكس ذلك، يمهد لخروج أجيال مغتربة عن بيئتها الاجتماعية.

19