رواد فضاء ناجون تلاحقهم ديناصورات

المخرجان جيمس وجون كونديلك حاولا في فيلم "المجرة الجوراسية"، استثمار المكان المقفر والمفتوح لاستعراض أفعال الشخصيات وهي في صراعها اليومي مع الديناصورات.
الاثنين 2019/06/24
معالجة فيلمية اتسمت بالفقر على مستوى الغرافيك

لا شك أن فكرة أعداء الإنسان ظلت تتفاعل في سينما الخيال العلمي متخذة شتى أشكال المعالجات السينمائية، وخلال ذلك تراوح أولئك الأعداء ما بين أضداد مباشرين يناوئون الشخصية الرئيسية الإيجابية والطموحة، بمعنى أنهم بشريون، وبين أعداء فضائيين، وثالثا بين أعداء من نوع العمالقة وخاصة فصيلة الديناصورات التي وإن كانت كائنات منقرضة، إلاّ أنها مثلت في سينما الخيال العلمي عدوا مباشرا للبشر.

شاهدنا ثيمة الديناصورات الكائنات العملاقة المنقرضة وهي تصارع البشر منذ بواكير السينما في العديد من أفلام الخيال العلمي مثل “الديناصور والرابط المفقود” (إنتاج 1917)، “كنك كونك” 1933، “مليون سنة قبل الميلاد” 1940، “القارة المفقودة” 1951، “رحلة في بدايات الزمن” 1955، “العالم المفقود” 1960، “عالم الحيوان” 1956، “ديناصورات” 1961، “فرانكشتاين يسيطر على العالم” 1966، “الديناصور الأخير” 1977، “إنسان الكهف” 1981، “الأرض قبل الزمن” 1994، وبالطبع سوف تحضر هنا سلسلة أفلام “الحديقة الجوراسية” للمخرج ستيفن سبيلبيرغ الذي أخرج منها فيلمين؛ الأول عام 1993 والثاني 1997، ثم تلتهما أربعة أفلام لمخرجين مختلفين.

وفي فيلم “المجرة الجوراسية” للمخرجين الشقيقين جيمس وجون كونديلك سوف نشهد معالجة فيلمية هي ليست إلاّ امتدادا لتلك السلسلة، ومحاولة الخروج من طوق النموذج الذي صنعه المخرج البارع سبيلبيرغ والذي سار على خطاه العديد من المخرجين.

أما هنا فسوف ننتقل بالحديقة الجوراسية إلى إحدى المجرات البعيدة عندما تسقط مركبة فضائية على أرض أحد الكواكب، وينجو منها بعض  من كانوا على متنها. لكن ما هو غير متوقع أن يجد أولئك الناجون أنفسهم في مواجهة ديناصورات متوحشة استوطنت ذلك الكوكب وصار كل ما عداها سببا في شراستها وعدوانيتها.

وفي مقدمة الناجين كوريكان (الممثل رايان بادس) الذي يسعى هو وزميلته كيل (الممثلة تامارا ستاير) للتخلص من ذلك المأزق، ثم ليكتشفا وجود آخرين من الناجين، فضلا عن وجود كائن مختبئ في أحد الكهوف والذي قد تحول إلى أحد آكلي لحوم البشر.

وبالطبع حاول المخرجان ما استطاعا استثمار المكان المقفر والمفتوح لاستعراض أفعال الشخصيات وهي في صراعها اليومي مع الديناصورات، وحيث تنجح في قتل بعضها وكذلك محاولة إقناعنا بأن تلك المواجهة بين الديناصورات المتوحشة وبين البشر جديرة بالمشاهدة، لكن ذلك الإقناع سيبدو ضعيفا بالمقارنة من أفلام سبق وذكرنا بعضها وتم بناؤها فنيا وجماليا بطريقة مختلفة وأسلوب مغاير.

والملاحظ أن هذا الفيلم ينتمي إلى نوع الأفلام قليلة الميزانية ولهذا لم يكن في أيدي المخرجين الكثير ليفعلاه، لاسيما من خلال المواجهات التي تقع ما بين البشر والديناصورات.

في المقابل لا يمكننا توقع اتحاد جميع الناجين لمواجهة الديناصورات، بل يقع الانقسام من خلال العديد من المواجهات بينهم، ولم يفلح المخرجان خلال ذلك في تأسيس حبكات ثانوية مؤثرة ترتقي بالدراما الفيلمية إلى مستوى أعلى إذا استثنينا العثور على ذلك الكائن المختبئ في الكهف ريتش (الممثل فرانكي راي)، والذي صار مصدرا لرعب الناجين، وذلك بعد اكتشاف هياكل عظمية لرواد فضاء سابقين تم الإجهاز عليهم، وربما يكون لآكل لحوم البشر هذا دور في هلاكهم.

مشاهد المهارات الفردية والتفوق على الديناصورات، بدت في الفيلم مبالغا فيها، وحتى شكل الديناصورات لم تحمل معها إقناعا كافيا
مشاهد المهارات الفردية والتفوق على الديناصورات، بدت في الفيلم مبالغا فيها، وحتى شكل الديناصورات لم تحمل معها إقناعا كافيا

وبموازاة ذلك، يمكن البحث في جغرافيا المكان، فإلى أين تسير الشخصيات الناجية؟ إلى أي نهاية في كوكب مجهول تسيطر عليه الديناصورات؟ ولربما شعر المخرجان أو أنهما لم يشعرا بالدوامة التي وجدا نفسيهما والمشاهدين فيها، فالجغرافيا المكانية شبه غائبة والشخصيات في حالة صراع من أجل البقاء لا غير، وإلاّ لوجدنا لدى المخرجين حلا إخراجيا مع بداية الأحداث، ومع ذلك فلا شيء من هذا حدث.

وفي مثل هذه الأفلام هنالك محاولات النجاة بشتى الطرق وليس مقاتلة الديناصورات فحسب، وهو ما طغى على أغلب مساحة الزمن الفيلمي، على أن نقطة التحول التي حاول المخرجان الإفادة منها تمثلت في محاولة ريتش إقناع دياز (الممثلة ماديسون ويست) بأن تبقى معه، وأن الآخرين سوف يتحولون إلى عبيد بين أيديهم. وهكذا يتحقق الانقسام بين مجموعتين هما ريتش وزميلته دياز من جهة والآخرين من جهة أخرى.

وتبرز هنا مشاهد المهارات الفردية والتفوق على الديناصورات، وهي تبدو أحيانا مبالغا فيها، وحتى شكل تلك الديناصورات وطريقة حركتها وقتالها لا تحمل معها إقناعا كافيا، وتلك هي مشكلة هذا النوع من الأفلام التي تحتاج إلى إتقان الشكل واستخدام الغرافيك والعديد من الخدع السينمائية لغرض الوصول إلى الشكل الأكثر مصداقية.

وأما في المشاهد الأخيرة، فلا شك أن فكرة اندحار الشر سوف تراود المخرجين، وهو ما وقع بالفعل، إذ تم ابتلاع ريتش من قبل الديناصورات ليتحرر الآخرون حيث المتبقون هم ثلاثة أشخاص فقط، وهم الذين يوجهون نداء استغاثة لمركبة فضائية تنقذهم.

ومع ذلك بقيت مشاهد الصراع مع الديناصورات هي المتسيدة، مع عجز الناجين وأدواتهم الهزيلة من قطع خشبية وما شابه، وكل ذلك في إطار شكل فقير في المعالجة الفيلمية.

حدود المغامرة في هذا الفيلم تنحصر بشكل أساس في الناجين وهم يواجهون مصيرهم وكيف يتكيفون مع تلك الظروف الطبيعية القاسية، أو وهم يحاولون إنقاذ أنفسهم والنجاة من المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه.

16