روايات الخيال والقدرة على الخلق

السبت 2017/07/15

على الرغم من أن الحدود الفاصلة بين روايات الخيال المطلق وروايات الواقع أو الروايات غير الخيالية واهنة جداً، فإن ما يميز رواية الخيال هو القدرة الفذّة على الخلق الإبداعي وتشييد عوالم جديدة واستنباط شخصيات مبتكرة نتيجة اشتغال مخيّلاتي بحت قد يصل حدّ الإعجاز أحياناً، إذ يستخدم الكاتب-الراوي في هذا النوع من الأدب مجموعة من التقنيات الفنية لنسج الأحداث ورسم الشخصيات الخيالية ووصف ما تقوم به من أعمال، إضافة طبعاً إلى التحكم بلغة الحوار وإدارة الأحداث، وهذه التقنيات بمجملها تشغل مساحة واسعة من الفضاء السردي، بينما لا يتدخّل مؤلف الرواية الواقعية أو الوثائقية-التاريخية في سير الأحداث لأن كل شيء في الرواية واقعي وحقيقي وقائم على ملاحظات المؤلف وتأمّلاته، إذ تعتمد روايات الواقع أو الروايات غير الخيالية بالدرجة الأساس على إعادة تدوير الوقائع التاريخية أو السيرذاتية وما شابه، حتّى لو اعتمدت تقنيات سردية معينة ولغة دقيقة وقادرة على الوصف وبناء الأحداث وتسلسلها درامياً.

وفي الوقت الذي تنطلق فيه روايات الخيال من نقطة ما أو فراغ مطلق في مخيلة الكاتب لتجسّد واقعاً متخيّلاً، تعمل روايات الواقع أو الروايات غير الخيالية العكس تماماً، إذ تنطلق من الواقع الحقيقي لتحاول أن تسبغ عليه بعض صفات الخيال وعلى الرغم من انتشار ما سمّي لاحقاً بأدب الواقع أو الأدب غير الخيالي في خمسينات القرن الماضي، إلّا أن تجاربه الكثيرة لم تصمد أمام الزمان ولم تصلنا نماذج خالدة منه على غرار ما أبدعه الكتاب الكبار في مجال رواية الخيال المطلق التي أصبحت اليوم تمثّل نماذج خالدة في ذاكرة البشرية جمعاء، مثل أعمال دوستويفسكي وتولستوي وألكسندر دوماس وهمنغواي وغيرهم، كأدب خالص، بينما ظلت التجارب الروائية الأخرى التي اعتمدت إعادة تدوير الوقائع التاريخية مقتصرة في الغالب على توظيفها في صناعة السينما على سبيل المثال أو للاستهلاك على نطاق محدود، وغالباً ما يأنف النقاد من إطلاق صفة الأدب الخلاق عليها.

ولعل أبرز التجارب العالمية المبكرة في مجال روايات الواقع أو الروايات غير الخيالية رواية الكاتب الأميركي ترومان كابوت “بدم بارد” (1965) التي استندت أحداثها إلى وقائع جريمة قتل عادية كتبت عن تفصيلاتها الصحف اليومية وتابعها كابوت باهتمام بالغ وجمع كافة الوثائق المتعلقة بها كما قابل القاتل شخصياً في سجنه ودوّن الكثير من الملاحظات بشأن شخصيته ثم اطّلع على وقائع جلسات المحاكمة وتفصيلاتها، ليكون كل شيء واقعيا وحقيقيا وتدوينيا باعتراف كابوت نفسه الذي لم يغير شيئاً يذكر في الظروف والوقائع والملابسات الخاصة بالجريمة ووصفها كما جرت بدقة تامّة، ومع ذلك لم يكتب النجاح لتلك الرواية على نطاق واسع كما هو الأمر مع روايات همنغواي على سبيل المثال التي تعد نماذج مشرقة من روايات الخيال المطلق.

وبالعودة إلى التجارب الأدبية في العالم العربي فإن أكثر الروايات التي استلهمت الأحداث والوقائع والمتغيّرات الكبيرة كانت روايات الخيال التي نجحت في استلهام تلك الأحداث وتفكيكها وإعادة تركيبها على جسد السرد بأساليب خلاقة ولغة ثرّة، في حين لم نشاهد أيّ تجارب لافته على صعيد روايات الواقع يمكن أن يُشار إليها بالبنان ونستطيع القول إنَّها اشتغلت على تدوين الأحداث بطريقة الروايات السيرذاتية أو التدوينية أو الوثائقية كما هو متعارف عليه في الأدب العالمي. ولعله من المثير للتساؤل أن تصل ثلاث روايات تاريخية للقائمة القصيرة لجائزة البوكر هذا العام من مجموع ست روايات، في حين لا تتجاوز نسبة الرواية التاريخية بالنسبة إلى النتاج الروائي العربي كله العشرة بالمئة.

كاتب عراقي

15