روايات تاريخية مفبركة: جديد التضليل في برامج عراقية

الجمهور يقيّم المعلومات وفقا لمعتقداته ما يسهّل انتشار الروايات المفبركة وأوقات الأزمات تعتبر فرصة للمدعين للترويج للمعلومات المضللة.
الأربعاء 2020/04/01
سقطة أم سقوط؟

استغرب غالبية المهتمين بشؤون الإعلام ما قام به مذيع عراقي في برنامجه التلفزيوني من نشر روايات تاريخية كاذبة، في حين يفترض أنه مسؤول عن نشر الحقائق وليس عن نشر الأخبار الزائفة في وقت يكون فيه الناس بأمسّ الحاجة إلى معلومات موثوق بها بشأن وباء كورونا.

بغداد – ارتكب مذيع في قناة فضائية عراقية سقطة إعلامية، بنشر رواية تاريخية كاذبة، لينقل التضليل إلى مستوى جديد بالاستناد إلى كتب تاريخية لترويج أجندات خاصة.

ووقع المقدّم والمحاور نجم الربيعي في قناة “التغيير”، في سقطة اعتبرت فظيعة من غالبية المشاهدين وخبراء الإعلام، عندما ادعى أنه قرأ في كتاب “عظائم الدهور” لأبي علي الدبيزي، نصا نسبه للإمام علي بن أبي طالب، على أنه ورد في “نهج البلاغة”، بما يتعلق بنبوءة ظهور وباء كورونا.

ويجمع كل أساتذة التاريخ على أنه لا وجود لهذه النبوءة في “نهج البلاغة”، ولا وجود لكتاب عنوانه “عظائم الدهور”، ولا وجود لكاتب أو مؤلف اسمه الدبيزي.

وصعب على غالبية المهتمين بشؤون الإعلام تفسير موقف إعلامي يفترض أنه مسؤول عن نشر الحقائق وليس على نشر الأخبار الزائفة في وقت يكون فيه الناس بأمسّ الحاجة إلى معلومات موثوق بها بشأن وباء كورونا.

وتم تداول فيديو البرنامج بشكل غير مسبوق في وسائل التواصل الاجتماعي بوصفه حقيقة تاريخية تنسب إلى الإمام علي، الأمر الذي أعاد الحديث بقوة عن ضرر الأخبار الزائفة، وقال مصطفى كامل رئيس تحرير موقع “وجهات نظر”، في تصريحات لـ”العرب”، “كيف سمح صحافي لنفسه بنقل هذا الكلام، وقبل ذلك كيف له أن يصدق نفسه. وعبّر عن استغرابه تصديق الجمهور مثل هذه الكلام دون أن يكلّف أحد نفسه مشقة البحث الهينة في الإنترنت، فيقعون في المحظور، عبر تناقل الأكاذيب بقصد أو دون قصد”.

من جهته، يرى الكاتب المتخصص بالتاريخ الإسلامي رشيد الخيون “أن مقدّم برنامج في قناة ‘التغيير’ وقع في سقطة فظيعة، عندما ادعى أنه قرأ في كتاب ‘عظائم الدهور’ لأبي علي الدبيزي، نصا نسبه للإمام علي بن أبي طالب، على أنه ورد في ‘نهج البلاغة’، بما يتعلق بنبوءة ظهور ‘وباء كورونا’، والحقيقة إنه لا وجود لهذه النبوءة في ‘نهج البلاغة’، ولا وجود لكتاب عنوانه ‘عظائم الدهور’، ولا وجود لكاتب أو مؤلف اسمه الدبيزي”.

وأضاف خيون في تصريحات لـ”العرب”، تبين أن المقدم أخذه عن جهل من الإنترنت كجزء من التلاعب بعقول الناس، وتقوية الخرافة، والمقدم، الذي يُقدم برامج عن الفساد وعن الدولة العراقية بشكل عام، لم يدقق في ما يذيعه على الناس، لهذا أنبه إلى الحذر من ذلك، فشاهدتُ مقدم البرنامج قرأ النص وكأنه فتح فتحا في التاريخ. أقول “إذا كانت القناة المذكورة تحترم نفسها عليها أن تجبر مذيعها على الظهور والاعتذار للمشاهدين، وإلا فهي مشاركة ببثّ الجهل والكذب والتلاعب بعقول العراقيين”.

ويرى بعض الخبراء أن أوقات الأزمات فرصة للمدعين للترويج للمعلومات المضللة، ويضرب الكاتب هوغو مرسييه عالم معرفي في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، مثالا بما أشيع عن أن فايروس كورونا قد طُور في معامل صينية أو أميركية أو فرنسية، أو عن إصابة رونالدو والبابا بالفايروس المسبب لمرض كوفيد-19 القاتل.

مصطفى كامل: من الغريب تصديق مثل هذه الكلام دون أن يكلف أحد نفسه مشقة البحث في الإنترنت
مصطفى كامل: من الغريب تصديق مثل هذه الكلام دون أن يكلف أحد نفسه مشقة البحث في الإنترنت

وينطلق الكاتب وهو باحث فرنسي متخصص في علم المعرفة بالمركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية، ومؤلف كتاب “لم يولد بالأمس: علم من نثق به وما نؤمن به”. من فرضية أن المعلومات المضللة تتكاثر في أوقات الأزمات. ويتساءل: لماذا تزدهر المعلومات الخاطئة؟ هل تعني كل هذه الأخبار المزيفة أن الناس ساذجون بشكل ميؤوس منه، وقلقهم يجعلهم يتقبلون الهراء السافر؟

وفي مقال بعنوان “الأخبار المزيفة في زمن فايروس كورونا: ما هو حجم التهديد؟” في صحيفة الغارديان، يحاول الكاتب طرح تفسير يجمع بين العاملين المعرفي والنفسي.

ويشير ميرسييه إلى أنه “في العديد من الحالات، يتناقل الناس الأخبار المزيفة على سبيل المزاح واللهو”. ويضيف “القصص الغريبة الكبيرة (التي بدأت في حالة فايروس كورونا بحساء الخفاش) وتلك المتعلقة بالشائعات عن المشاهير (مثلما في حالتي رونالدو والبابا) تدغدغ مشاعرنا”. ويمضي ميرسييه، قائلا “عندما نقيّم المعلومات، فإننا نقارن ما يقال لنا (أو ما نسمعه) بمعتقداتنا: فإذا اتفقت معها، نميل إلى قبول المعلومات. وتستغل الأخبار المزيفة ذلك عن طريق تعزيز أحكامنا المسبقة: فالذين يشربون المشروبات الروحية يعتقدون أن الكحول نفسها هي شفاء، وكذا يلوم العنصريون العلماء الصينيين. على النقيض من ذلك، فإن الرسالة التي تتصادم مع خبراتنا الشخصية، وخاصة إذا استدعت سلوكا مكلفا، تلقى رفضا أوليا”.

ويبني الكاتب على هذا الافتراض، قائلا “بالتالي، من الصعب على الكثيرين سماع الإنذارات المبكرة: فالحبس (في المنازل ضمن خطة مكافحة الفايروس) يبدو رد فعل قوي على تهديد لم يؤثر علينا أو على أي شخص نعرفه حتى الآن”. ويؤكد الكاتب أن التغلب على رد الفعل الأولي يتطلب الثقة، أي إدراك أن من يخاطبنا يتمتع بالأهلية والكفاءة والتخصص، وأنه لا يحاول التلاعب بنا. ويضيف “لهذا فإن تدقيق المعلومات أمر بالغ الأهمية”.

ويشدد ميرسييه على أن التدقيق يتمتع بأهمية بالغة أيضا في تعزيز تصديقنا للأخبار الحقيقية وللنصيحة السليمة.

ويخلص إلى أنه “يجب علينا جميعا أن نسعى جاهدين لنكون محتاطين حريصين، غير أن الحيطة ستفيد فقط لو ساعدتنا في الانفتاح على المعلومات ذات القيمة”.

18