روايات صادمة وأخرى صفعة لعالم مزيف

الاثنين 2014/01/27
العجيلي قدمت في روايتها "سجاد عجمي" نقوشا على صدر مدينة الرقة

يقدّم لنا الكاتب والفنان صاحب التوقيع قراءات لماحة ومكثفة في عشر روايات لكاتبات وكتاب عرب من بلدان مختلفة، فنجد مصر والسعودية والكويت والأردن وفلسطين وغيرها.

من علاء الأسواني إلى عبده الخال، مرورا بيوسف زيدان ويحيى يخلف وشهلا العجيلي وسميحة خريس. روايات تتحدث عن مواضيع متنوعة بأساليب تعبّر عن الواقع المعيش ومشاغل الإنسان المعاصر.

في روايته”عمارة يعقوبيان”، يمسك علاء الأسواني بتلابيبنا ولا يكاد يترك لنا فرصة للتنفس وهو يحدثنا عن عالم القاهرة في العقود الأخيرة، طارقا أبوابا جديدة لم يطرقها الأدب العربي إلا نادرا كاللواط والشذوذ الجنسي بين الرجال، والجماعات السلفية.رواية مكتوبة بإتقان شديد ومهنية عالية. تؤهلها لأن تكون واحدة من أشهر الروايات في الأدب العربي.

أما عبده الخال، فقد مررت بعد أن قرأت له رواية “ترمي بشرر” بكابوس فظيع أشبه بزلزال. استهانة واستهتار وتجاهل لكل القيم الدينية والأخلاقية، في بلد يفترض أنه بلد القيم والدين والأخلاق. المترفون يحيون في عالم الترف بقصوره ونسائه وغلمانه وخموره.

حتى أنهم إن صلوا الفجر يوما يصلونه وهم سكارى ولا ينهضون من السجود، أو بين أحضان العاهرات. لواط وشذوذ واضطهاد وقتل وسحق للإنسان ولكل ما هو نبيل.

رواية صادمة في عالمها، ممتعة وشيقة في أسلوبها. أرشحها لأن تكون الرواية الأهم في الأدب العربي على الإطلاق، لما حملته من جرأة شديدة في تعرية الواقع المزيف حتى العظم.


سقط القناع


لعلها من أكثر الروايات المثيرة للجدل في العشرية الأخيرة، “عزازيل” ليوسف زيدان، أو عالم المسيحية بصراعاته وتناقضاته. هي الرهبنة المضادة للغرائز الإنسانية. حتى الخوري الراهب لا يستطيع تطبيقها، يعشق أول مرة ويغرق في حمى المتعة الجنسية. يحاول أن يستقيم لكن دون جدوى.

الأسواني طرق أبوابا جديدة لم يطرقها الأدب العربي

يغرق في العشق مرة ثانية ويمارس الحب. ومن حوله أناس يضاجعون أمهاتهم وأخواتهم وحتى الأغنام. صفعة لعالم مزيف يرتدي قناع الدين. “ساق البامبو” للكاتب الكويتي سعود السنعوسي، الرواية الفائزة بجائزة البوكر، للسنة الماضية، أعتبرها الكثير من النقاد حالة استثنائية في عالم العشق والمحبة والدفء. تتمنى لو أن للرواية حضنا لتغفو عليه. عمل آسر وممتع، مزيج من الضحك والبكاء.

رواية تحلق في رحاب النفس الإنسانية وعذاباتها وآلامها وطموحاتها وآمالها. ابن من خادمة فلبينية يبحث عن أبيه الكويتي وهويته الكويتية دون جدوى. المجتمع الكويتي يرفض وبشدة أن يكون كويتي ابن خادمة! إنها ضريبة الثراء التي تفقد الإنسان بعض إنسانيته.

وأعتقد أن أحداث هذه الرواية لو كانت تدور في زمن اللؤلؤ وما قبل النفط، لكان ابن الخادمة كويتيا كامل الحقوق. هي رواية أعتبرها صفعة مؤلمة للمجتمع، ومؤثرة في النفس الإنسانية. تستحق وبجدارة أن تكون واحدة من أهم الروايات في الأدب العربي.


مأساة شعب


بشر يتسلقون ويسقطون ونساء مضطهدات ونفوس معذبة. جشع واستغلال وطمع وبحث عن الملذات، هذه أغلب مواضيع رواية “شرفة الهاوية” للكاتب الفلسطيني إبراهيم نصرالله.

أسلوب الرواية جاء متقننا وممتعا، حيث يتلاعب نصرالله بالزمن تقديما وتأخيرا، حتى يستولي على قارئه وهو يقود أبطاله إلى الهاوية. هاوية العواصم العربية التي لا تختلف إحداها عن الأخرى.

في ذات السياق نذكر رواية “ماء السماء”، وهي الجزء الثاني من ثلاثية ليحيى يخلف، سبقها الجزء الأول “بحيرة وراء الريح” الذي لم يسعفني الحظ حتى الآن في العثور عليه.

والروائي يحيى يخلف كمعظم الكتاب الفلسطينيين مسكون بمأساة شعبه، وهاجسه الأول هو التأريخ للقضية الفلسطينية، ففي هذا الجزء يتابع يحيى الصراع الذي بدأه في الجزء الأول، فينقلنا إلى التشرد واللجوء والعوز والحياة في الدول المجاورة لفلسطين وانطلاقة الثورة الفلسطينية.

نحيا مع أبطال يحيى آلامهم عبر أسلوب واقعي مؤثر ومشوق يصور الحياة في قسوتها. وستكون لي وقفة مطولة مع ثلاثية يحيى بعد حصولي على الجزء الأول. ويواصل يحيى يخلف في “جنة ونار”، وهي الجزء الثالث من ثلاثيته. هنا تتعمق شخصيات يحيى، في ظل الثورة، ويبدأ البحث عن الهوية والوطن والأهل، وتتعزز الآمال بالعودة.

نعيش مع سماء فرحها وحزنها وهي تبحث عن أمها التي تبيّن لها أنها فقدتها منذ عام 1948. تدخل مع دورية مقاتلة إلى الأرض المحتلة، وبعد بحث مضن تعثر على أمها وتلتقي بها. يصوّر يحيى لنا اللقاء في مشهد مؤثر جدا.

وحسب معرفتي أن ثلاثية يحيى هي الثلاثية الأولى والوحيدة التي تناولت القضية في ثلاث روايات تكمل إحداها الأخرى، وتتابع حياة شخوصها. إنها عمل ممتع وشاق وهام بذل يحيى لإنجازه جهدا كبيرا. وقد يحتاج إلى دراسة ووقفة مطولة كما أسلفنا.


سيرة مدن


الكاتبة السورية شهلا العجيلي، تقدم في روايتها “سجاد عجمي” نقوشا وزخارف وفسيفساء على صدر مدينة الرقة. مدينة الأديب الكبير عبدالسلام العجيلي، ومدينة شهلا. عودة إلى زمن ما، عباسي، وصراع بين شيعة وسنة في خلفية المشهد الروائي، عنوانه “مصحف عائشة”، نساء عاشقات مبدعات، نحيا معهن آمالهن وآلامهن.

سميحة.. المدن أصحبت جزءا من ذاكرتها

“رواية سجاد عجمي”، لوحة تراثية ترسمها لنا شهلا، بدفء وحميمية ومحبة وتأن، نسيج متقن بأرواح الرقاويات. نسمات منعشة تهب على ضفاف الفرات، باعث الحياة، المفرح أحيانا، والمحزن أحيانا حين يغرق فيه طفل جميل وحيد أمه. هي رواية تستحقّ وقفة مطولة.

رواية “غريب النهر”، يتابع جمال ناجي فيها أسرة عائلة فلسطينية في تشرّدها ومقاومتها لمصاعب الحياة، بأسلوب ممتع شيق، يمسك فيه جمال بالزمن لقرابة قرن، متلاعبا به بين الماضي والحاضر، مطلا على شرفات المستقبل، وحلم الفلسطيني بفلسطين.

يبدو جمال ناجي متمكنا من ناصية السرد، يضحكك من أعماقك أحيانا، ويدفعك باتجاه التأمل والتفكر أحيانا أخرى، وأنت تقوم بربط الوقائع بعضها بالآخر، حتى لا تفلت خيوطها من بين يديك.

أما رحلة الكاتبة الأردنية سميحة خريس فتحملك إلى السماء، في روايتها “على جناح الطير”، تطرح أكثر من سؤال، أيّ عشق هذا؟ أيّ حبّ؟ أيّ وله بالمدن والعواصم، تحيلك سميحة إلى ركن ما في مدينة أو إلى أحد أبنائها، وهي تدفعك لأن تحبّ هذه المدينة بإرادتك.

هي ليست رواية، إنها سيرة مدن عاشت فيها سميحة صحبة والدها الدبلوماسي الأردني. مدن أصبحت جزءا من ذاكرتها ونسيج روحها، فتحدثت عنها بمحبة وعشق حتى الوله. كتاب دفعني لأن أبحث عن كتب أخرى لسميحة قصد قراءتها وقد فعلت.
14