روايات عربية تقرع بالخيال أجراس الواقع

في عام 1907 نشر الكاتب البولندي جوزيف كونراد روايته “العميل السري” والتي كانت بمثابة نبوءة مبكرة لما يحدث من أعمال إرهابية في الكثير من دول العالم. تدور أحداث الرواية حول بطل الرواية “العميل السريّ” أدولف ﭬيرلوكوهو، إنكليزي من أم فرنسية، عمل لمدة 11عاما كجاسوس لبلد مجهول الاسم وانخرط في جماعات ثورية وفوضوية. يقوم بعمليات تخريب داخل بريطانيا، مقابل عمولات يتقاضاها. يكلّف هذا العميل بتفجير مرصد “غيرينتش بارك” العلمي الذي كان بمثابة تحفة معمارية، ويستخدم في عملية التفجير أخا لزوجته المعوّق تسيـفـي، الذي تتوزّع جثته إلى أشلاء. في هذا التحقيق تقف “العرب” عند أهم الأعمال التي تناولت العنف الذي تحوّل إلى إرهاب، وكيف تناولت الرواية الظاهرة؟ والأهم أن الرواية وهي تسرد وقائع الإرهاب وأخطاره، هل قدمت الحلول للخلاص منه؟ أم أنها اكتفت بكتابته كنوع من المقاومة وفقط؟
السبت 2017/09/23
من صنع هذه الوجوه القبيحة (لوحة للفنان سبهان آدم)

تنوّعت الأعمال الأدبية التي كانت بمثابة إرهاصات من الواقع تنذر بحدوث كارثة كما حدث مع قصة “اقتلها” ليوسف إدريس التي نشرها في جريدة الأهرام صباح الجمعة السابع من أغسطس 1981، قبل شهرين من اغتيال الرئيس السادات، وكذلك رواية “الأفيال” لفتحي غانم، التي سبقت أيضا مقتل السادات على يد الجماعات الدينيّة عام 1981.

لقد كانت حادثة الاغتيال كما يقول الدكتور جابر عصفور “أخطر عملية عنف سياسي شهدها تاريخ مصر الحديث، بل يمكن القول إن عملي فتحي غانم ‘الأفيال‘ و‘تلك الأيام‘ كانا بمثابة جرس الإنذار، الذي لم يلتفت إليه أحد لمواجهة موجات العنف والإرهاب التي انتهت بمقتل الرئيس السادات، ثم مقتل الكاتب فرج فودة، والدكتور رفعت المحجوب، وكادت تصل إلى الكاتب الكبير نجيب محفوظ”.

التعصب والعنف

في الحقيقة كانت دراسة جابر عصفور عن “مواجهة الإرهاب في الأدب المعاصر” سبّاقة في تناول الموضوع لكن لم يلتفت إليها أحد أو لم يتوقف حتى عند نتائجها البنّاءة، وإن كانت قد شملت تمثيلات لهذه الظاهرة في كافة فنون الأدب؛ القصة، الرواية، المسرح، وكذلك الأعمال الدرامية (كمسلسل العائلة 1994 للكاتب وحيد حامد)، والسينمائية (كفيلم الإرهابي لعادل إمام).

هنا لن نعيد ما طرح من قبل وإنما نقف عند الأعمال الجديدة التي كانت صورة العنف قد وصلت إلى حدّ التماثل مع العمل الإرهابي في الفزع الذي خلفته في النفوس، حتى وإن لم تضاهِه في حجم الدمار المادي. فعلى سبيل المثال ما تعرضت له الفيلسوفة هيباتيا والأسقف جورج الكبادوكي في رواية “عزازيل” ليوسف زيدان، لا يمكن وصفه إلا بالعمل الوحشي وهو يتوازى مع الأعمال الإرهابية بامتياز، فهو صادر عن إرهاب فكري يعمد إلى مصادرة الرأي المخالف.

الرواية الحاصلة على البوكر في نسختها الثانية 2009 تمثل صورة من صور العنف المسيحي في فترة من تاريخ الكنيسة المظلم. حيث قام أتباع أسقف الإسكندرية كيرلس (جماعة محبي الآلام) ومن معهم عام 415 بسحل العالمة والفيلسوفة هيباتيا في شوارع الإسكندرية، في منظر بشع لا يقل بشاعة عن الأعمال الإجرامية التي تقوم بها العصابات المسلّحة.

فربطوا يديها بالحبال ومزقوا ثيابها وجروها على رصيف الشاطئ ذي الأحجار المتباعدة ومسننة الحواف لتسحج جلدها ولحمها على طول الطريق حتى الوصول إلى كومة من الحجارة والحطب فينهالون عليها بالأصداف ويقشرون ما بقي عالقا بعظامها وأخيرا بعد أن سكن صراخها الذي كان يصل إلى عنان السماء كوموا جثتها وأحرقوها حتى لا يبقى منها شيء.

نفس الشيء فعلته هذه الجماعة (محبو الآلام) في العام 361 م مع الأسقف جورج الكبادوكي، حيث فتكوا به وقطّعوه بالسواطير في شوارع الحي الشرقي بالإسكندرية، لأنه كان يميل إلى آراء القس آريوس الذي أراد أن تكون الديانة لله وحده، وأن يسوع بن مريم الموهوب للإنسان بشر، ولا يعترف به شريكا لله الواحد.

مشهد مقتل فيلسوفة الرياضيات هيباتيا، دليل على أن العنف لا دين له وليس مقتصرا على الإسلام كما يسعى الغرب لإلصاقه بالدين الإسلامي وهو منه براء، فمشهد السحل والتمثيل كان صادرا عن رجال دين.

الرواية رصدت وكشفت عن مخاطر الإرهاب وأضراره على المجتمع، رغم ما يبدو من عجز الكلمة وشللها الواضح

ولم تقف محاولات زيدان في إظهار خطر التشدّد الدينيّ إلى حدّ التطرف عند العقيدة المسيحية، بل واصل حفرياته وكتب عن التطرف في الفكر الإسلامي كما جاء في رواية “مـحال” (2012)، وهي الجزء الأول من ثلاثية “جونتنامو، ونور” فتناولت الرواية أحداثا واقعية حدثت جراء العمليات الإرهابية التي قادها إسلاميون، مثل تفجير الشيخ الليبي محمد الخليفي مع مجموعة من أتباعه مسجد الثورة في أم درمان عام 1994.

وبالمثل تتوقف الرواية عند الأحداث الإرهابية في البر الغربي بمصر عام 1997، وكذلك تفجير الملّا عمر لتمثالين لبوذا بمنطقة باميان الخاضعة لنفوذه، ومقتل المجاهد الطاجيكي أحمد شاه مسعود على يد رجلين مسلمين رغم مقاومته للروس ودحرهم، ثم بعدها بيومين يتمّ تفجير برجي التجارة الأميركيين في سبتمبر 2001، وأيضا القتال في الصومال، والحرب على القاعدة في أفغانستان، ومطاردة القاعدة ورجالها، وغيرها من الأحداث الكبرى التي ارتبطت بفترة المدّ الدينيّ الذي تحوّل في آخر فتراته إلى تعصّب وغلوّ، وفي ذات الوقت أسهمت في إعادة تشكيل المنطقة من جديد، وفقا لسياسة القطب الأوحد الذي قسّم العالم إما مع الإرهاب وإما ضدّه.

ركّز زيدان في الرواية التي غلبت عليها الوثائقية على العوامل التي كانت سببا في استفحال الظاهرة، وأرجعها إلى الفقر والقهر السياسي والاجتماعي، بصفة عامة. كان زيدان قادرا على الإجابة عن سؤال: كيف توغّل التعصّب الديني في بنية العقل، فأحال العالم إلى جحيم، وقضى على بذرة العقل المتفتحة الفليسوفة هيباتيا ابنة ثيرون الأستاذ الفيثاغورثي، عالمة الرياضيات والفلسفة أستاذة زمانها، ثم ما حدث بعد ذلك للراهب الطيب نسطور على يد الأسقف كيرلس وإلى ماذا أدّتْ به يد الإرهاب، لأنه عارض آراء الكنيسة؟ وإذا بنا أمام مفارقة مدهشة، يلخصها سؤال كبير المعنى والدلالة، قليل العبارة، مازال بطزاجته وحيويته حتى الآن: ألا وهو لماذا يتولّد العنْف عن التعصّب الدينيّ دون تحديد لهوية الدين؟ ثمّ لماذا يتحوّل التعصّب إلى إرهاب؟

شخصية الإرهابي

في رواية “عمارة يعقوبيان” 2002 استطاع علاء الأسواني أن يرسم صورة أكثر وضوحا للإرهابي، عبر شخصية “طه الشاذلي” الذي فشل في أن يحقق طموحاته بالعمل بسبب الطبقية المقيتة، وهنا يقدّم عاملا جديدا لتشكّل صورة الإرهابي حيث يردها إلى القهر الاجتماعي والسياسي.

يتحول طه الشاذلي نتيجة هذه الظروف إلى نموذج إرهابي بامتياز، حتى أن الراوي وهو يرصد هذه التغيرات والتحولات لا على مستوى الشكل فحسب وإنما أيضا على مستوى الوعي، يقول “الذين عرفوا طه الشاذلي في الماضي قد يتعرفون عليه الآن بصعوبة، تغيّر تماما، وكأنه استبدل بشخصه القديم شخصا آخر جديدا، انهارت كل مقاييسه الدنيوية القديمة كما يسقط بناء قديم متصدع، وحلّ محلها تقييم إسلامي صحيح للناس وللأشياء”.

هذا التحول كان بفضل الشيخ شاكر الذي كان له الدور الكبير في تقوية إيمانه كما يدّعي. ما عزّز هذا التحوّل والبغض من العالم البغيض (كما تجسد له) الذي قذف به ورفضه هو فكرة الانتقام، خاصة بعد القهر الذي تعرّض له طه بعد القبض عليه. ثم انضمّ إلى معسكر تدريب في حلوان حتى يجهز للمهمّة الأساسية في النهاية، وبعد تدريب يثبت فيه حسن بلائه يرسل له الشيخ بلال ليطلعه على المهمة هو وصديقيه الدكتور محجوب والأخ عبدالشافي، وقد تمّ تحديد المكان منطقة فيصل والهدف العقيد صالح رشوان أيضا. وفي اللحظة المحددة “انطلقت فجأة زخات متتابعة من البنادق الآلية أصابت كلها جسد الضابط فسقط على الأرض، والدم يسيل منه بغزارة”.

رصدت رواية “بيضة النعامة” لرؤوف مسعد، حالات التغول لدى الجماعات الإسلامية، إلى درجة التفكير في الاستقلال وتكوين جمهورية مستقلة، كما حدث مع الشيخ جابر، الذي أعلن استقلال إمبابة، وأنها جمهورية إسلامية. لكن الرواية أدانت أيضا تراخي الدولة وأجهزتها في عملها، حيث كان لهذه الإهمال الأثر المهم في انتشار العشوائيات التي كانت حاضنة للفكر المتطرف ونقيضه تجار السلاح والمخدرات.

المدينة ظهرت في أواخر الستينات حيث كانت تستخدم كمكان لإلقاء الزبالة، ويرصد الراوئي تنامي الفقر في هذه المنطقة، وتركيبة سكانها التي يغلب عليهم انحدارهم من الجنوب/ الصعيد حيث الفقر، والهروب من الثأر الدموي الذي يلاحق البعض، كما احتلّ هذه المنطقة تجار السلاح والمخدرات ومن يبحثون عن أماكن آمنة للفرجة على أفلام البورنو. وكيف بدأ صغار المشايخ احتلال الجوامع والزوايا والتحريض ضد المخالفين، ومن ثمّ انتشرت المعارك بالأسلحة الخفيفة والثقيلة، وتحولت شوارع المدينة إلى ساحات حرب بعد اقتحام الحكومة وكر الإرهابين.

وثيقة حية

يقدم الجزائري بشير مفتي في رواية “دمية النّار” (2010)، نموذجا مختلفا للإرهابي، حيث يشير إلى أن هذا الإرهابي هو صنيعة الدولة الدكتاتورية. الرواية ترصد التحولات والتغيرات التي أصابت بنية المجتمع الجزائري من سيء إلى أسوأ، والتي خرج على إثرها كريم أخو رانية المسعودي من السجن حاملا للدعوة يأمر بالمعروف، وهو التحوّل الذي طرأ عليه إثْر مقابلته للشيخ أسامة، في إشارة دالة إلى نهوض الحركات الإسلامية واضطلاعها بدور مهمّ، وإن كان قد تحوّل إلى بركان عنيف في أحداث 1988، وخاصة في ظل صعودها إلى السلطة، وهو ما قابلته المؤسسة العسكرية باعتراض شديد، انتهى إلى القتال الذي شبّ في الجزائر.

الرّواية في الجزء الخاص الذي جاء على لسان «رضا شاوش» بمثابة نفض الغبار عن تلك الألاعيب والممارسات الخفية التي قامت بها هذه الجماعة، تحت مظلة الحفاظ على هيبة الدولة.

ومن ثمّ تأتي أهمية هذه الرّواية كشهادة أو وثيقة حيّة عن المسكوت عنه في فترة حرجة من تاريخ الجزائر أعقبت مرحلة الاستقلال، وللأسف انتهت بحرب أهلية في الثمانينات كان الإسلاميون أنفسهم ضحيتها ومن ثمّ فالرّواية وكأنها إجابة عن تساؤل كبير مفاده: ماذا حدث؟ وأين موطن الخلل؟

نخلص من هذا الاستطلاع بنتيجة مهمة، فمع تنامي ظاهرة الإرهاب التي صارت تمثّل صداعا لحكومات العالم أجمع، كانت الرواية في خندق واحد، حيث اكتوت شخصياتها بلهيب الإرهاب فقتل من قتل، وانهزم من انهزم.

كما رصدت الرواية وكشفت عن مخاطره وإضراره بالمجتمع، ومع ما يبدو من عجز الكلمة، وشللها الواضح في مواجهة زخات الرّصاص ولهيب القنابل التي تنطلق متذرعة باسم الله، إلا أن الأدب على حدّ قول الدكتور خيري دومة “فن ليبرالي، يقف في مواجهة التفكير الأحادي المتطرف؛ الأدب في عمقه، لا قبل تقسيم العالم إلى أبيض وأسود وخير وشرّ على نحو مطلق” ومن ثمّ مع تأثيره البطيء إلا أنه جزء من المعركة الرئيسية ضدّ التطرف.

17