روايات عضلية

السبت 2014/01/11

الروايات العظيمة يمكنها أن تغيّر حياة الناس، حقيقة لا غبار عليها. نعرف سلفا بأن الاستغراق في قراءة رواية جيّدة، قد يضع أقدامنا في “أحذية أشخاص آخرين”؛ بمعنى أن ارتكاب فعل الاستغراق في قراءة قصة ما مشوقة قد تسرقنا من واقعنا وتجعلنا نرتدي ملامح أبطال القصة، نفكر بعقولهم ونرى بأعينهم ونتحدث بمنطقهم.

العلماء لم تقنعهم هذه الاستنتاجات العشوائية، فذهبوا بعيدا في تحليلهم لفعل القراءة؛ حيث فسروا الوقوع في أسرها على أنه احتلال غير معلن من قبل كائنات خفية “خفيفة الظل” للسيطرة على أفكارنا، ومداراتنا العصبية والحركية أيضا.

تؤدي عملية القراءة هذه إلى تحديد المسار الذي تعمل على هديه أدمغتنا باتجاه معين، وهذا بدوره ينقل الأوامر بواسطة النهايات العصبية إلى حيث تقبع أعضاؤنا الحركية لتقوم بتنفيذ المهام بدقة ودون تردّد.

باحثون في جامعة إيموري في ولاية جورجيا الأميركية، أكدوا على أن بعض الروايات من شأنها أن تخلق “ذاكرة عضلية”، هذا يعني بأن القارئ يمكنه أن يترجم الأحداث التي تلمّ بأبطال الرواية إلى أفعال حركية؛ حيث تبدأ السلسلة بعملية القراءة تتبعها التغييرات العصبية يليها تنسيق أنظمة الإحساس فتلحقها الاستجابة الحركية.

فحكاية بطل رواية هارب من العدالة مثلا قد تتسبب في خلق توتر فيزيائي في النهايات العصبية لقدمي القارئ، تدفعه لا إراديا لتبني حركة الهروب، عضليا، لأيام عدّة فنجده لا يصبر على المكوث في مكان واحد؛ حيث يتناول طعام الإفطار على عجل بحجة اللحاق بالحافلة ويغادر محل عمله على عجل بحجة اللحاق بالحافلة في الاتجاه المعاكس، كما أنه على عجل “في الغالب” هربا من دفع مستحقات المعيشة اليومية، ولا من حجة تذكر.

وهكذا، يحرص علماء الأعصاب على ملاحقة النتائج لمعرفة السر الذي يكمن وراء انشغال الناس بالقراءة بالرغم من ضيق الوقت وضيق ذات اليد، ومازال بعضهم يتساءل: لماذا قد تغيّر بعض الكتب من حياة الناس باتجاه آخر غير متوقع، وما هو سرّ انجذابهم لسحر هذا العالم المتخيل الذي يعج بآلاف العناوين؛ روايات عن الحرب والسلام والحب واللاحب والحياة والموت في تشكيلة معقدة تضج بالناس والأحداث؟.. أكثر من هذا وذاك: كيف تقودنا شخصيات رواياتنا المفضلة إلى نزع جلودنا الحقيقية وارتداء حلة الوهم الذي نختار، فترانا ننسخ تصرفاتها ونتبع خياراتها في الحياة دون وعي؟

هذا النصر العلمي قد يبدو خيارا مناسبا لبعض الحالمين من المواطنين الصالحين؛ فالشعوب العربية، أو ما تبقى منها، ما زالت مجبولة على القراءة بالرغم من تحذيرات التربويين وتقارير الإعلاميين المغرضة، التي تروّج لأخبار غير دقيقة عن تراجع اهتمامها بالقراءة.

في الأقل مازالت الشرائح المثقفة والفقيرة، التي يخشى الحكام غضبها في العادة، تمارس طقوس القراءة “العضلية” بعنف أكبر من السابق مدفوعة بعصا اليأس من واقع غير قابل للتغيير.. وبعضهم نجح في مسعاه فعلا؛ كثير منهم الآن ملوك لقلاع لا تقهر وكنوز لا تنضب وأحلام لا تموت.. يفعلون كل هذا ولم يغادروا مقاعد القراءة.. ويرسلون، بين دفة كتاب وأخرى، نظرة استعلاء يحملها خيط الشمس، الذي ينتظر خارج نوافذهم المكسورة، إلى شعوب وهمية يحكمونها في عقولهم.. وربما في سجون اخترعوها في أمزجتهم.

حذار من روايات هولاكو وجنكيز خان، فالواقع لم يعد يستوعب مزيدا من الطغاة.

21