روايات فرنسية تحت البوركيني

الأحد 2016/11/13

ككلّ عام، مع بداية الخريف، ينطلق الحديث عن جديد الإصدارات الأدبية في فرنسا، عن الأعمال الأهمّ، عن الأسماء المرشحة للجوائز الأدبية الكبرى، عن النّصوص التي لاقت اهتمام النّقاد والملاحق الأدبية والبرامج التلفزيونية، يكثر الحديث، في الإعلام وفي الشّارع، يرتفع اللغط، تنشط المكتبات، وتكتظ الجرائد والأسبوعيات بمساحات إعلانية للكتب الجديدة. لكن خريف 2016، يحمل خاصيّة تميّزه عن الأعوام الماضية، إنه الموسم الأخير الذي يسبق سنة انتخابية ملتهبة، سنة سيجد فيها اليسار نفسه في مواجهة صعبة مع اليمين المتطرف، هو موسم «التّموقعات» إن صحّ التّعبير، هكذا يصير الحديث عن الأدب، في فرنسا، متّصلاً –بالضرورة- بالحديث عن السّياسة.

قبل أيّام، بدأت القوائم الأوليّة للمرشحين إلى الجوائز الكبرى (غونكور، رينودو، فيمينا، جائزة الأكاديمية الفرنسية.. إلخ) في الظّهور، ولم تحمل مفاجئات، بحكم أن الأسماء «الكبيرة» -التي تعوّد عليها القارئ- لم تصدر لها أعمال جديدة هذا العام، مما أوجد منفذاً لكتّاب آخرين، يشتغلون في هدوء، لوضع أقدام لهم في واجهة المكتبات، وضمن أولويات النّقاد والمتابعين.

رواية «لا مبالاة» (منشورات غاليمار) للفرنسية كارين تويل (1972) تصدّرت، منذ شهر، المشهد الأدبي الجديد، فالنّاقد الشهير برنار بيفو يرشّحها لأن تكون رواية الموسم. برز اسم كارين تويل، في فرنسا، خصوصاً في العام 2002 إثر صدور روايتها الثّانية «عن الجنس الأنثوي»، واشتهرت بروايتها «الهيمنة» (2008)، التي لاقت احتفاءً مهماً في أوساط «سان جيرمان»، وفي الصّحف الباريسية. وفي العام 2010، كادت تقتنص «الغونكور» بفضل رواية «ستّة أشهر، ستّة أيام».

في روايتها الأخيرة «لامبالاة» يُصادف القارئ جندياً سابقاً في أفغانستان، يدعى رومان، سيعود إلى فرنسا ويقع في حبّ الصّحافية الشّابة ماريون، المتزوّجة من رجل أعمال شهير، سيجد نفسه متورطاً في فضيحة جنسية (تذكّرنا بفضيحة دومينيك ستروس كان، 2011)، هكذا يدخل رومان نفسه في دوّامة من التّفاعلات مع قضايا الرّاهن، في مساءلات عن الوضع الاجتماعي والسّياسي في فرنسا، فالرواية تستمد جزءا من مادتها من الأحداث اليومية الجارية الآن، تجعل منها مادة خامّا في سردياتها، تحوّل وقائع عادية إلى قصّة أدبية، ولا تغفل عن قضية مهمّة ألا وهي الحرب على الإرهاب وصعود الإسلام الرّاديكالي في بلدها، مع إشارات إلى ما يحدث حالياً في العراق وسوريا، وهي أمور تشير إليها الرّوائية بشكل غير مباشر، لكن القارئ سينتبه إليها بسهولة.

إذن، رواية كارين تويل، المرشحة بقوة في عدد من قوائم الجوائز الأدبية، تختصر لوحدها بعضا من خصائص الدّخول الأدبي الجديد في فرنسا، المشبع بأسئلة سياسية، خصوصاً حول الإسلام والعنصرية، كما لو أن قضية «البوركيني» التي شغلت الرّأي العامّ، هذه الصّائفة، لم تكن كافية لينتقل حسيسها إلى الأدب أيضاً. ضمن الأجواء المتصاعدة نفسها، سنجد رواية «أغنية دافئة» (منشورات غاليمار) للصّحافية المغربية ليلى سليماني (1981)، التي منذ صدور روايتها الأولى «في حديقة الغول» (2014)، باتت رقماً مهماً في الخارطة الأدبية الباريسية، تشدّ الانتباه إليها، وتحظى بأرقام مبيعات معتبرة.

في روايتها الثّانية، تنطلق ليلى سليماني من فاجعة: رضيعان مقتولان، ومُربيتهما أيضاً، بعدما حاولت الانتحار. قبل أن تحكي بالتّفصيل يوميات زوج عادي: بول ومريم، يستعينان بمربية تُدعى لويز للاعتناء بطفلين لهما. ومن فصل إلى آخر، ندرك العلاقة المضطربة بين الطّرفين، كيف أن مريم وبول كانا يعاملانها أحياناً بمهانة وباحتقار. «أغنية دافئة» لليلى سليماني هي أيضاً أغنية للموت، جاءت محمّلة بعنف وبمشاهد صادمة، لتخبرنا، في الأخير، كيف أن مربية أطفال هادئة بإمكانها أن تصير «وحشاً آدمياً».

الفظاعة والعنف هما ثيمتان تحضران في باكورة البوروندي غايل فاي (1982)، التي جاءت بعنوان «بلد صغير» (منشورات غراسيه)، الذي يعود فيها إلى وطنه الأم: بوروندي، سنوات الحرب الأهلية الأخيرة (1994)، وينظر إليها بعيون طفل في العاشرة. طفولة صعبة عاشها المؤلف، ستنتقل، بسرعة، من جنّة حالمة إلى أرض للويلات، فالحرب بين قبيلتي الهوتو والتوتسي ستحوّل رواندا وبوروندي إلى أرض مفتوحة للحرائق، هذا الذي يحكي عنه غايل فاي، ولكن من دون السّقوط في البكائية، ولا في تكرار السّوداوية، التي عادة ما تميّز روايات الكتّاب الأفارقة، فهو يكتفي بالنّظر للحرب، وللأحداث الدّامية التي رافقتها، عن بعد، يعيد كتابتها من دون أن يُشعر القارئ بأنه نادم عمّا حصل.

ضمن هذا الفضاء الأفريقي المشوب بصراعات لا تنتهي، تأتي رواية «مدار العنف» للموريسية ناتاشا أباناه، والتي تدور وقائعها في أرخبيل «مايوت» (إقليم فرنسي، يقع بين جزر القمر ومدغشقر)، حيث يموت أفارقة غرقاً، في سبيل الوصول إليه، في سبيل الوصول إلى جنتهم الفرنسية المتخيّلة.

هذا العام، يختلط السّياسي بالأدبي، يسافر ياسمينة خضرا إلى كوبا ليصدر «الربّ لا يسكن في هافانا»، وتعود سوريا، إلى الواجهة مع سمر يزبك (1970)، فقد رشح كتابها عن يوميات الثّورة السّورية، الذي ترجم تحت عنوان «أبواب العدم» (منشورات ستوك)، إلى جائزة «ميديسيس» للكتاب الأجنبي.

كاتب من الجزائر

13