روايات لا تكتب بالأقلام ولكن بالمصارع

يظل الجرح العراقي ينزف، وتبقى العيون شاخصة أمام ما يعانيه هذا البلد من أزمات وحروب، جعلت من الوطن جحيما مستعرا، ضاعت فيه الهويات أمام الشعور بقسوة الحياة التي تحولت إلى ما يشبه المنافي المظلمة، وصارت الأرض مهدا للاقتتال الطائفي الذي أتى على الأخضر واليابس وجعل من بلاد الرافدين سجنا كبيرا محاطا بحراس لا يفهمون إلا لغة القتل والتعذيب.
السبت 2016/08/20
نزيف الجرح ( لوحة للفنان كاثي كولويتز)

تضعنا رواية “أبناء الماء” للروائي عواد علي، أمام لعبة سردية حافلة بالمفارقات، لها موجّهاتها التعبيرية والدلالية، ولها إحالاتها الواضحة للواقع العراقي المأزوم، والحافل بصراعات دامية يشتبك بها الأنثروبولوجي مع النفسي، الديني مع الجنسي، وكأن هذا الاشتباك هو المجال الذي يكشف عن حجم تلك اللعبة، وعن خطورة الخيار الظاهراتي الذي عمد إليه الروائي في نسْج أحداث الرواية وشخصياتها.

تعتمد موجّهات السرد في هذه الرواية، الصادرة عن دار أزمنة في عمّان 2016، على الوصف التمثيلي للشخصيات، وعلى وضعها في سياق تحكمه قصدية الروائي في تعرية الواقع، في الإبانة عن عطبه الوجودي، مقابل حساسيته في التعاطي مع مرويات الحدث، عبر تمثّلاته السيرذاتية، وعبر تفجير حمولاتها الرمزية.

وهذا ما يُعطي للذوات الساردة مساحات للتعبير عن مسكوتها ومقموعها، وأنْ تعطي للروائي أيضا حافزا لتوسيع اشتغاله السردي، على مستوى إضاءة عوالم تلك الشخصيات والتعريف بها وبمرجعياتها، وعلى مستوى توظيف تقانة الميتاسرد بقصديّتها في قطع الإيهام، وفي توظيف الضمائر السردية، فضلا عن نزوع الروائي لاستخدام تقانة التعدد الصوتي/البوليفونية بتنوّع إحالاتها، وهو ما يهدف إليه وضع البُعد الشخصاني في صياغة المصائر، وفي تقديمها كمنظور داخل سياق تأطير الحالة السردية للرواية، تلك التي تقوم على إبراز حساسية الشخصيات إزاء المكان الغائب، والحضور الإيهامي.

سبع شخصيات تبحث عن معنى، تشبه أحيانا شخصيات لويجي برانديللو الباحثة عن مؤلف، إذ يكون هذا البحث هو الحافز على المغامرة، وعلى التحقق داخل المعنى/الوجود.

المنفى/المهجر الذي تقترحه الرواية ليس صالحا لإنتاج ذلك المعنى، لذا تعيش شخصياتها الكثير من الشجن والكثير من النوستالجيا، يُساكنها هاجس البحث عن هوية لذلك المنفى بوصفه مكانا إشكاليا، قريبا من الإنقاذ، لكنه غامرٌ بالتوتر أيضا، وهذا ما يجعل تلك الشخصيات أكثر تورطا بالقلق، قلق الاغتراب الداخلي، ولوعة التهميش والفقد.

فكرة الماء في الرواية تتمحور حول شيفرة التطهير والتوحيد باعتبار أن الشخصيات تضع تسمية الماء في مرجعياتها الأنثروبولوجية

عتبة العنوان

فكرة الماء في الرواية تتجوهر في شيفرة التطهير والتوحيد، باعتبار أن الشخصيات تضع تسمية الماء في مرجعياتها الأنثروبولوجية، وبما يجعل شيفرتها مُهيمنة سردية تتحفز فيها فكرة الترميز من جانب، وترتبط بذاكرة الشخصيات عبر أنسنتها الجامعة. والأبناء هم علامات بائنة للطرد الوجودي، ولتمثّل هوياته المُستَلبة، مثلما هم مُدوّنو مخطوطاته التي تتبدى عبر تعددية الأصوات.

هذه العتبة العنوانية تُحيل إلى عتبات ثانوية، وإلى فضاءات يتجسد الحكي فيها من خلال سير الشخصيات/الأصوات، ومن خلال ما تثيره من أسئلة تخصّ كينوناتها المُستلبة، ومعاناتها، وما تعيشه من صراعات، تلك التي أفقدتها الأهل والأصدقاء، وغَيّبت وجودها داخل المكان والهوية، حتى بدت السلسلة الحكائية التي تمدّ نسيجها الشخصيات، وكأنها تتماهى مع فوبيا الطوق والقيد الذي ظل يحاصرها، ويوهمها بقلق الحرية، وبرهاب الوطن/المكان الأليف، وبالاغتراب في الوطن/البديل. هذا التفكك الوجودي في الرواية يُفضي إلى تداعيات تتكشّف عن هشاشة شخصياتها في المنفى، وضياعها وهامشيتها، ونزوعها للبحث الدائب عن إشباعات إيهامية تبدأ من البحث عن الإشباع المكاني والعائلي وتنتهي بالإشباع الجنسي.

تنوّع الشخصيات الأنثروبولوجي يعكس قصدية الروائي في تصميم مشهده الروائي، وأنّ ما يقترحه في استهلال الرواية، ومن خلال رفض البعض من تلك الشخصيات لما يقوله عنها السارد بخصوص سيرتها، يكشف عن تمثّله لوظائفية تقانة الميتاسرد، والشروع في قصديتها عبر تقديم صورة “اللابطل” أو البطل الظلّ، كما يسميه الناقد فاضل ثامر، ليكون هو الحكواتي المُتخيَّل الذي يعرّي محنة الواقع، ومحنة الهويات العراقية المقتولة، بعيدا عن خوف “البطل الواقعي” الذي عمد الروائي إلى تغييبه الافتراضي لأغراض تخص عملية البناء السردي.

ميران السبتي الصابئي، وتيرزا السريانية، وأفرام المسيحي، وسامان الكردي، ويوسف البكري المسلم، وآيجون الزرادشتية، وأيهان الشامية ذات الأصول اليهودية، تلك الشخصيات هي أصوات الرواية، وأن ما أراده الروائي من خلال تقانته البوليفونية اصطناع حيَل سردية يمتثل لها المُخطّط الذي اقترحه لكتابة روايته أولا، والتعاطي السردي مع تمزّقات الشخصية العراقية خلال زمن الرعب العراقي بعد الاحتلال، وما قبله أيضا “محنة الشيوعيين في النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين، وحملات الأنفال في النصف الثاني من ثمانيناته”.

أنثروبولوجيا الشخصيات

رواية الواقع الأليم الحافل بالصراعات

هذه الشخصيات/الأضحيات ليست هروبية، لكنها مطاردة وملاحَقة من قبل جماعات الإرهاب الإسلاموية، فهي تعيش استلاب الهوية، ورعب الفقد العائلي، والطرد والاختطاف والإحساس بالدونية، ورغم علاقتها الحميمة بالمكان فإن هاجس الموت يبدو أكثر قهرا لاقتلاعها وإقصائها إلى منافٍ اضطرارية؛ كتب لي جورج رسالة وهو في دمشق قال فيها “أخيرا يا أفرام اضطررت إلى هجر الموصل، مدينتي التي أعشقها كما تعلم، ولا أستبدلها بأجمل مدن الدنيا، ربما لن تتاح لي مستقبلا فرصة للعودة إليها لزيارة قبر والديّ وإضاءة الشموع لذكراهما، ولا التجول في عوجاتها وأزقّتها”.

لقد نهج الروائي عبر زاوية نظره/تبئيره نهجا يتوافر على عنصر الإثارة، وعلى الحِجاج مع الواقع، إذ تمثّلت تقانة السرد بوصفها لعبة سردية نوعا من المكاشفة، أراد من خلالها الروائي التعريف بما يرى، وتوسيع مساحة سردياته لتكون توسيعا لمساحة ما تحكيه الشخصيات، من خلال الكشف عن تفاصيل غائمة في حيواتها، ومن خلال ما يُعطي للتخيّل مجالا لتنشيط مستويات القصد والإيهام في الفاعلية السردية، وفي النزوع لخلق هوية سردية تعويضية للشخصيات مقابل هوياتها الإثنية المُصابة بالفزع والعطب.

الإشارة الصريحة إلى الأحداث تتمثّل في إشارة ما تُحيله إلى المكان المأزوم، وإلى الإطار الزمني الذي يعتور تلك الأحداث، فالزمن الاحتلالي هو الزمن الفاجع والفارق الذي تتفجر من خلاله الأحداث، والذي يسبغ عليها تلاوين سوداوية تَستعر فيها حيوات الناس، تلك التي تُفقد الأمكنة هويتها المتجذّرة في اللاوعي، وتُبرز القوى الجديدة وقوى الهويات المتشظية وكأنها صانعة المحو، وصاحبة النسق القهري الحاكم عبر تمثلاته الاغترابية، ومسمياته الأكثر إثارة.

أزمة المكان هي أزمة الشخصية، واغتراب الشخصية وطردها تعبير عن إحساس مرعب بالمحو الذي تركه الزمن الاحتلالي، إذ هو زمن لفظي تسنده اللغة التي باتت تفرضها الجماعات، مثلما هو إحساس اغترابي بالمكان الذي تلبّسته الأقنعة.

إشكالية المُسمّى في الرواية تستدرجنا للبحث عن مُسمّى الشخصيات التي اقترحها الروائي بقصدية، وتقديمها على أنّها رموز ليوميات الأزمة، ولأسفارها في البلاد الساخنة، وفي سيرة الفقد والاختطاف والقتل على الهوية، وفي المنافي التي تحولت إلى إسقاطات سيكولوجية كشفت من خلالها تلك الشخصيات عمّا وراء أقنعتها، وعن مكبوتها وإحساسها بشيفرة الجحيم التي تساكنها.

16