روايات مريضة بأبطالها

الجمعة 2014/02/21

لا أُخفي أنّي أتحمّل حياة أبطالنا، أعني أبطال رواياتنا، بكثير من المشقّة وبوفير الحزن عليهم، بل أجدني في مرات أكاد أبكي لحالهم، وفي مرّات أخرى أشفق على أحوال الروائيّين الذين لم يسعفهم واقعهم بعجينة رمزيّة يصنعون منها أبطالا جديرين بوقتهم، ولم يجدوا في أنفسهم جرأةً لتخيُّل بطل يحرّر القرّاء من إكراهات واقعهم ويلبّي لهم أفق انتظاراتهم من الفعل الإبداعي.

ولئن تغيّت بعض نظريات النقد الأدبي طمس مفهوم البطل في الرواية، على غرار ما جاء بآراء الفرنسي آلان روب غرييه التي دعا فيها إلى تهشيم مفهوم البطل، فإنّها لم تقدر على محوِ وجوده في الرواية، لأن الرواية بطل أو أبطال يتحرّكون في اللغة معبّرين عن انشغالات الناس وأحلامهم، بل البطل فيها نموذج أو رمز يحثّ الناس على التماهي معه، ويوحّد فيهم انتماءاتهم إلى الماضي والحاضر والآتي، ويأخذ بأيديهم لتجاوز مَطبّات أيّامهم، فهو منهم النموذج الأكمل الذي يعوّض النقص البشريّ فيهم.

ما يُحيّرني أنّ النظر في المنجز الروائي العربي يكشف عن أن رواياتنا مريضة بأبطالها، ويشي بأن روائيّينا يقدمون للقارئ أبطالا مهزومين ومهمّشين، لا بل وضعيفي البنية النفسية حتى أنه يسهل إغراؤهم بقٌبلة باردة، أو تحويل وجهتهم بحَبّة حلوى، فتراهم لا يخرجون عن صفات المراهقة الفكرية أو الجسدية والخوف والجُبن والخيانة وبلادة الإحساس والتعالي الزائف والعصابية والذُّهانية الهَذَيانية والرغبة في الانتقام والميل إلى التخنّث والخضوع إلى السلطة والتحالف مع الشيطان لتحقيق مكاسب مادية.

سبق لي أن أجريت حوارا مع الكاتب المغربي أحمد المديني ونشر بالعرب يوم 5 أغسطس 2013، وسألته فيه آنذاك عن موقفه من انهزامية أبطالنا الروائيّين، فأجابني بالقول: “الرواية صورة للواقع، فإذا كنا نعيش في واقع مهزوم مهشم ومهتز فيكون من المضحك أن نقدم أيضا أبطالا منتصرين أو أحداثا فيها تفاؤل زائد عن اللزوم، ولست في حاجة إلى أن أقول بأن العصر الحديث لا يسجل انتصارات عظيمة، بل إن وقائعه مليئة باليأس والانهيار والهزيمة والقمع. ومن هناك كانت الرواية العربية صورة لهذا الواقع رغم أنها تحاول أحيانا التخفيف من حدّة انصباب مآسيه عليها”.

ولا أدري حينها هل أقنعي المديني أم هو قد هيّج فيّ أسئلتي حول وظيفة المبدع وأدواره الرمزية داخل مجموعته الاجتماعية، لأنّ الفعل الإبداعي ليس توصيفا للواقع أمينا، وخضوعا لاشتراطاته تامّا، وتخفيفا من حدّة انصباب مآسيه على الناس، بل هو تعكيرٌ لصَفْوِ مزاج الموجود الساكن والمتخثّر، وتثوير لعناصره، وحَفْزٌ لها للانعتاق من ربقة المسكوت عنه وظلامياته. لم أسمِّ أبطالنا المهزومين في سرودنا الحديثة، وكان بإمكاني ذلك، ولكني خشيتُ أن أخدش حياء رواياتنا العربية.

15