روايات همينغواي تلهم الشباب المبدع

النقاد يرون أن دخول همينغواي عالم الصحافة، أضفى على أعماله الأدبية قدرا من التمرد على اللغة الرصينة والإسهاب في الوصف.
الأربعاء 2019/03/06
كتابة همينغواي لا تزال مؤثرة في الأجيال الشابة وتحظى باهتمام كبير

في عام 1952 نشر الروائي إرنست همينغواي كتابه “العجوز والبحر”، الحائز على جائزة بوليتزر، وهي رواية مكتوبة بشكل مقتضب لصياد سمك من كوبا يدعى سانتياغو، يقوم بكل المحاولات كي يصطاد سمكة كبيرة، ويفشل في كل مرة لكنه يعيد المحاولة.

ولكن قبل إصدار هذه الرواية، قدم همينغواي المخطوطة إلى صديقه أي. هوتشنر، وسأله عن رأيه. كان ذلك قبل واحد وستين عاما الآن. وبعد أن بلغ هذا الصديق المئة والواحد من عمره، عمل إلى جانب ابنه  تيم على تقديم رواية همينغواي ”العجوز والبحر” على مسرح  جامعة بوينت بارك في أميركا، مما يدل على أن كتابة همينغواي لا تزال مؤثرة في الأجيال الشابة أيضا وتحظى باهتمام كبير. يصف هوتشنز في أحد حواراته التي أجريت معه عقب المسرحية رواية العجوز والبحر بأنها أحد الكنوز الأدبية.

يُعتبر همينغواي، الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1954، أسطورة خاصة بين أدباء النصف الأول من القرن العشرين، من خلال نصوصه الإنسانية المفعمة بالدفء، واستنهاض القوة الكامنة في النفس البشرية وامتزاج خبراته الحياتية بفنون الكتابة، ليودع فيها أعماله الروائية الشهيرة ومنها “العجوز والبحر”، و”لمن تدق الأجراس″، و”وداعا للسلاح”، و”جنة عدن”، و”ثلوج كليمنجارو” إضافة إلى عدد كبير من القصص القصيرة والمقالات الصحافية، والسيناريوهات السينمائية.

 بدأ همينغواي حياته العملية كصحافي في جريدة “كوتساس سيتي”، وارتحل إلى أفريقيا وباريس ومدريد، ليعيش حياة الصيادين والجنود والرحالة، وهو بذلك لم يكن مبدعا تقليديا، فقد آثر الخروج إلى فضاءات أرحب بدلا من العزلة والانسحاب إلى الداخل، وتجلى الكاتب بروح صدامية مع كل المشاهير في زمنه مثل وليم فوكنر ودوس باسوس، وفيتزجيرالد باستثناء صديقه عزرا باوند الذي تبادل معه رسائل عديدة، يتحدث من خلالها عن مشاهداته ورؤيته للفن وملابسات ظهور عمل من أعماله الأدبية.

صديق همينغواي الذي بلغ المئة والواحد من عمره، عمل إلى جانب ابنه على تقديم رواية "العجوز والبحر" مسرحيا
صديق همينغواي الذي بلغ المئة والواحد من عمره، عمل إلى جانب ابنه على تقديم رواية "العجوز والبحر" مسرحيا

تميز أسلوب همينغواي بالاختزال والتكثيف الشديدين، أو ما اصطلح على تسميته بالأسلوب الأدبي “التلغرافي”، فقد سعى إلى أن تتسم عباراته بالوضوح والبساطة، وذلك من خلال جمل قصيرة موحية، يستنهض فيها الكاتب حواسه المفتوحة لتكتمل عناصر المشهد، ويدخل القارئ مباشرة مع أحداث العمل، وتتجلى الشخوص دون تعقيد.

ويرى النقاد أن اشتغال همينغواي بالصحافة، قد أضفى على أعماله الأدبية قدرا من التمرد على اللغة الرصينة والإسهاب في الوصف، ولذلك تفرد بناؤه الروائي بالإحكام المتقن وعدم الاستغراق في التفاصيل التي لا تحقق تناميا منتظما لحركة السرد.

وتأتي أهمية همينغواي من اتساقه الفكري والإبداعي، الذي انعكس على أبطاله، فهم يحاكونه في روح المغامرة والتمرد والبساطة، وتلقائية المشاعر، والقدرة على التعامل مع الطبيعة والبشر والحياة، مثل الصياد العجوز سانتياغو في “العجوز والبحر”.

وأيضا شخصية هنري في رواية “وداعا للسلاح” الذي كان عليه أن يهرب من جبهة القتال الإيطالية إلى سويسرا مع حبيبته من أجل أن يبقى إلى جوارها، وغيرها من الشخصيات التي خالطت حنين همينغواي إلى عالم تسوده الألفة والمحبة وخال من الحروب والدمار.

ومن هنا توحد همينغواي وأعماله، فالأخيرة نتاج لتجارب شخصية ورحلات صياد جواب، يحمل بنادقه وعتاده الحربي، ويتسلق الجبال، لا يحب حياة الركود والعادات اليومية المكررة، لذا فعنصر الدهشة من أسطع العناصر في رواياته، حيث تكتنف أبطاله حالات من التمزق والرغبة في الانعتاق من أسر قوى مهيمنة تحاول أن تنتزع من داخلهم البراءة والدهشة.

أغرت أعمال همينغواي العديد من مخرجي السينما لتناولها من خلال أفلامهم، لاقتراب التقنية الفنية لدى الكاتب من تقنيات السرد السينمائي ولغة المونتاج و”الفلاش باك” واستخدام مناطق الظل والضوء في إبهار شديد، يحقق للقارئ متعة التخيل والتجسيد لحركة الشخوص في فضاءات الأماكن بين الرحابة والضيق، وتحريك المشاعر والانفعالات الإنسانية من خلال استخدامه للحوارات المقتضبة، والموجزة، والتي تشي بما يعتمل في داخل النفوس.

ويقينا أن حياة الكاتب لم تنفصل عن إبداعه، فليس غريبا أن يكره شراء الملابس الجديدة، ويتجنب اللباس الرسمي، فلا يلبسه مهما كانت المناسبة، وقد أصيب همينغواي بسرطان الجلد عام 1942، وهو في رحلة فوق البحر الكاريبي، مما دفعه إلى إطلاق لحيته، وكان في تلك الفترة قد تزوج أكثر من مرة، وفي عام 1943 ماتت زوجته الثالثة مارتا في حادث سيارة، ما جعله يقبل المشاركة في هجوم الحلفاء على نورماندي، وهناك شارك في معركة تحرير فرنسا من القوات النازية، وكان أول من دخل باريس مع القوات المتحاربة.

كان همينغواي يفقد حيويته بين حين وآخر، واضطر إلى دخول المستشفى للعلاج. ولعل هذا ما رفضه، أن يكون عاجزاً عن الكتابة ومواصلة إنجاز أسطورته كمبدع وصياد ورحالة ورياضي بارع، وليطلق النار على رأسه ليكون قراره موتا على غرار النهايات التراجيدية التي طالما سخر منها، ليأتي موته مماثلا لانتحار أبيه عام 1928.

14