رواية أبطالها ضحايا قلقون يفكرون بالانتقام

تقتَحم الكتابة العوالم الخفية لكواليس السلطة والسياسة لتفضح دواخلها وأسرارها، بحيث تفتح المجال لفهم آليات صناعة القرار، في محاولة لتفسير ما يحدث في الخفاء، خصوصاً في ظل سياسات الفساد وبطش السلطة وغياب القانون في المنطقة العربيّة، ليقدم العمل السردي المتخيّل تفسيراً لواقع السلطة الوحشية، التي تستتر بغطاء العمل السياسي، لكنها حقيقة قائمة على العلاقات الشخصية والنظريّة المكيافيليّة.
الجمعة 2016/09/09
قتل وابتزاز وترويع بحد السكين (لوحة للفنان يوسف عبدلكي)

تقدم رواية “سِفرُ السكيّن”، للصحافي والروائي اللبناني فارس خشّان، تصوراً لعلاقات مافيا السلطة، وكيف تتغير السياسات والأفراد وتدار الفضائح في الغرف السريّة وعبر صفقات شبه خياليّة، يكون القانون فيها في خدمة الأقوى لا صاحب الحق.

تسرد الرواية، التي تقع في ما يقارب الـ450 صفحة، مغامرة يتداخل فيها التشويق مع القتل والفساد السياسي والابتزاز الجنسي، وبطل هذه الرواية، الصادرة عن دار الساقي للنشر والتوزيع اللبنانية، محامٍ شاب يطمح إلى امتلاك القوة والمال، مُستغلا دهاءه وحنكته، ومدمّراً أعداءه مهنياً وشخصياً، وليخفي “حقيقته” نقرأ محاولاته في البداية بأن يخفي مكان سير الأحداث، وحقيقة شخوص الحكاية وأماكن نشاطهم، بوصفها متخيّلة لا تتقاطع مع الواقع، فيدّعي أنه أمير فينيقي ولد منذ الآلاف من السنين، إلا أنه كي يوفر على القارئ عناء المقارنة يختار لبنان، بوصفه المكان الأقرب والأنسب لتدور فيه حبكة حكايته وخططه الجهنميّة.

الجشع للسلطة

يبدأ الراوي منذ الصفحات الأولى بالتأسيس لثنائيّة الوهم والواقع التي تدور فيها الرواية، فهو لن يكشف عن شخصيته بل سيواريها باسم آخر، كما أنه لا يطلب من القارئ أن يقارن الأحداث مع ما يعيشه يوميّاً، لكن لضرورات سرديّة، نراه يختار اسم فادي ماضي المولود في لبنان، لنقرأ بعدها سيرة ماضي الذاتية بصوته؛ كيف خرج من المزرعة التي أدارها والده وأخوه بحد السكين، بالذبح والهيمنة وترويض الحيوانات على الطاعة، ووفق منطق المزرعة يبدأ ماضي حياته المهنية، ليرى البلاد كمزرعة أيضاً، يطبّق فيها ما تعلمه، الذبح والعَلْف والتّسمين، وهكذا هي السلطة بالنسبة إليه، مزرعة عليك أن تبرهن فيها على قوتك لتنال دوراً ضمنها، ليتحول من محام شاب طموح إلى أحد ألمع الأسماء في عالم السياسة.

يستخدم فادي الابتزاز والقتل ليزيح كل من يقف في طريقه، النساء من حوله هن فقط “بقرات” للذبح أو للتسمين، أمّا الرجال فهم إمّا ثيران وإما كلاب للحراسة، وهكذا يتمدد نفوذه، متجاوزاً لبنان ليصل إلى المنطقة العربيّة وأوروبا، لكن على النقيض، وبعيداً عن عوالم الصراع، نراه ومعلمه وعرّابه سليم معروف ينخرطان في قصتي عشق في مدينة “كان” الفرنسيّة، إذ يجد كلٌّ منهما لنفسه معشوقة فرنسيّة، تُخرجه من عوالم الفساد والشر التي يعيشها، لتتحول علاقة فادي مع الفرنسية أليسون إلى ما يشبه فردوساً مفقوداً، لطالما سعى إليه، يتبادلان فيه وعود الحب، وأحلام إنشاء أسرة خارج قيود الزواج والالتزام التقليديّة.

رواية محبوكة بتقنية صناعة المرايا المقعرة

أسفار الخراب

العنوان في الرواية “سفر السكين” يحيل إلى المنطق الديني ونصوصه، لكن لا بالمعنى الأخلاقي، بل بالمعنى الشكليّ، بوصف الأسفار ترسم المنهج وأساليب التعامل، هي حِكم تختزن الخبرة التاريخيّة والحياتية، وهذا ما يخبرنا به ماضي، لنقرأ على لسانه تعاليم شبه مقدّسة يتحول من يتقنها إلى زعيم لا نزاع حوله، وهذا ما سيكون عليه فادي ماضي؛ سيكون زعيما ذا حضور مميز متماسك، يغوي النساء ويزرع الرعب في قلوب الرجال، يرهب الأعداء ويكسب الأصدقاء، مهاب الجانب لا يقف في وجهه شيء، اختزالا للشرّ ومرددا لأناشيده، لاعبا ماهرا في كواليس السلطة وفاهما لقوانينها.

الأخ الضائع

تقنية المزرعة التي يتبعها فادي ماضي تقوم على أساس تصنيف الأفراد، والتعامل على أساس أنهم قطع شطرنج أو عناصر يمكن الاستغناء عنها، فنظام التصنيف قائم على حد السكين، هذا المنطق الذي يحكم حياة المحامي الطموح يجعل أناه تتضخم دون حدود، يمشي كأنه مالك للدنيا وما عليها، أشبه بزعيم مافيا/ دولة، لكنه فجأة يلتقي نقيضه، إذ يتعرف مصادفة على أخيه الصغير، الذي هرب من المزرعة لأن والده ذبح عجله الصغير، هذه المواجهة شكلت صدمة له، إذ حاول أن يستميل أخاه الأصغر ويدخله في عوالمه الفاحشة، لكن الأخير رفض، بل واجهه وأعلن كراهيته المطلقة له ولأساليبه، فهو شيطان متجسد في شكل بشر، هذه المواجهة تجعل فادي ماضي يحوّل أخاه إلى عدو، ولا بد من تصفيته، كما سيصفي عشيقته الأولى، فكلاهما يريدان قتله، لكن الأخ الأصغر، وبعكس العشيقة، يتغير بعد المواجهة، وكأنه تحرر من سطوة تلك الأسرة، ويذهب لممارسة التحليل النفسيّ الذي درسه.

يترك الراوي وراءه ضحاياه يتلوون حرقة، البعض منهم يتحولون إلى خدم له، والبعض الآخر يسعى للانتقام، لكن كأي قاتل محترف، لا يترك النهايات معلقة، فمن قتل مرة سيقتُل لاحقا، وهذا ما نراه يخطط له، التخلص من أخيه ثم أمينة، عشقه الأول، والتي تحولت إلى عبء على كاهله، إذ يحيك لها المكائد للتخلص منها و”سلخها”، فقد كانت آخر ارتباط عاطفي له مع “عالمنا” الأخلاقي، لكن متى يأتي دور فادي ماضي؟ متى ستكون السكين على رقبته لا رقبة من حوله؟ الجواب يُترك معلقاً في الهواء، بانتظار الرواية التالية التي سيخبرنا فيها خشّان عما سيحدث لاحقاً.

14