رواية أبطالها يسندون الحيطان بهشاشتهم الإنسانية

الثلاثاء 2014/06/10
رواية المددي تروم إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي بالواقع

حسن المددي هو شاعر وإذاعي مغربي مفتون بالحرف، إصدارُ الدواوين لديه بداهة، وتنشيط البرامج الثقافية في الإذاعات الجهوية وسواس خناس يزيد من حبه للغة العربية وآدابها، إذ له من الدواوين، مثلا، “مسرى الناي” ومن البرامج في إذاعة أكادير الجهوية ريبيرتوار معتبر. وهو حين كتب روايته “ليال بلا جدران” (2014) قد حقق بالملموس تلك المقولة التي مفادها أن “أجمل السرود هي تلك التي يكتبها الشعراء”.

الواقع أن حسن المددي قد خاض في موضوع يكاد يكون بكرا، رغم أن أحداثه الشاهدة ابتدأت منذ حوالي أربعة عقود، في حين أن تداعياتها ما تزال إلى الآن قائمة تَتْرى وتتوارد.


نحو الجنة


رواية “ليال بلا جدران” تخوض في ما سماه رولان بارت “أثر الواقع” والواقع معا، أي في الأبعاد النفسية والاجتماعية التي قد يتسبب فيها حِدْثانُ الأمور بدءا ومنتهى. ذلك أن الرواية تختار فترة سبعينات القرن الماضي، بما أنها حقبة مفصلية من تاريخ المغرب الحديث، وهي حين تقترب منها تتجاوز قمة الجبل الثلجي العائم إلى الغوص في ما تخفيه الأغوار.

ولئن كان الكاتب، في هذه الرواية غير معني بشكل كبير بالصراع السياسي الذي كان على أشدّه، آنذاك، بين السلطة ومعارضيها والاضطرابات الاجتماعية والطلابية، مادامت تلك التيمات قد تمّ استهلاكها أو كادت من قبل الكتاب والمبدعين، فإنه يذهب إلى التفاصيل الصغرى التي صنعت الفرق وساهمت، بعمق، في إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي وتبديل القيم الاجتماعية في كيانات قبلية ظلت إلى تلك اللحظة متماسكة ومنغلقة وغير مخترقة تقريبا.

هكذا كانت قرية “أيت همّان” الأمازيغية التي تكتسي فيها “الأشياء ظلالا غير مرئية” هادئة صامتة آمنة حتى عكـّرَ صفوها، ذات خريف، خبرُ رغبةِ فرنسا في شبّانٍ مغاربة للعمل بمناجم الفحم لديها. ولأن القرية كانت منهكة بالفقر وتوالي السنوات العجاف، فقد بدا الخبرُ لإبراهيم وعمر وآخرين من شباب “أيت همّان” كما لو أن كوة ضوء ستنير أيامهم الظلماء.

لهذا سافروا تاركين ديارهم وأبناءهم وأهاليهم، حالمين بالجنة الموعودة، قاطعين عهودا على أن يظلوا أوفياء لذويهم ومساقط الرؤوس. بيد أن الإكراهات والظروف كانت حنـّاثة كما يقال.. صحيح أن الأموال التي صارت تبعثها العمَالة المهاجرة إلى القرية حرّكت بعض الركود التجاري والاقتصادي وأدّت، بالتالي، إلى ارتفاع مستوى العيش لدى بعض الأسر، لكنها أعادت الترتيب في السلم الهرميّ الاجتماعي وأخلت بالتوازنات، فضلا عن إدخالها بعض العادات والسلوكات المرتبطة بمجتمع الاستهلاك.

وقد وظفت الرواية في رصدها لتحوّلات الشخوص والأمكنة تقنية التوازي عبر لوحات سردية متناوبة على إبراز السيرورات الزمنية والصيرورات المتصلة بالفواعل والأفضية، متوقفة، من جهة، عند معاناة العمال المغاربة، والعرب عموما، في فرنسا؛ وهي معاناة جسدية وعنصرية وثقافية وكيف أن بعض المهاجرين تخلى عن التزاماته العائلية كإبراهيم الذي انساق مع شهواته واستنزف طاقاته لينتهي به الأمر إلى السجن، إثر تورطه في جريمة قتل، فيما الآخرون عادوا إلى القرية، بعد سنوات، منهكين موبوئين منكسرين، كالمُنـْبَتـّين لا أرضا قطعوا ولا ظهورا أبقوا.

المددي يعيد إلى الحكاية بهجتها، لا سيما وأن كثيرا من الروايات المغربية قد تغافلت عنها على حساب الخطاب

ومتعقبة من جهة أخرى المآلات التراجيدية التي أصابت قرية “أيت همّان”، فإلى جانب الفيضانات، تفشت بين أهلها الصراعات والموبقات.


كوى الفرحة


إن حسن المددي في هذه الرواية يعيد إلى الحكاية بهجتها، لا سيما وأن كثيرا من الروايات المغربية قد تغافلت عنها على حساب الخطاب وصناعة الأشكال باسم التجريب والحداثة، رغم أن الحكي لا يتعارض مع هذين الشعارين، لقد جعل الكاتبُ المحكيَّ بشقيه جميلا ماتعا.

فالحكاية شائقة رائقة وطريقة سردها محبوكة بصورة تليق بكتابة روائية كلُّ ما فيها متماسك ومتناغم، بل ودال أيضا، بما في ذلك عتبة العنوان ووضعيتا الانطلاق والختام وباقي تمفصلات النص الأخرى.

إذ لا شيء يحدث صدفة في عملية التسريد، عملا بالقاعدة الذهبية للكاتب الروسي تشيخوف التي تقول بأن القاص إذا أشار إلى مسمار في الجدار فعليه أن يجعل أحد أبطاله يشنق نفسه إلى هذا المسمار، وإلا فلا حاجة إلى ذكر المسمار أصلا.

رواية تعيد إلى الحكاية بهجتها

من هذا المنطلق، وعلى سبيل المثال، يبدو لنا أن العنوان “ليال بلا جدران” كان يفصح بشكل إرصادي استباقي عمّا سيقع من وقائع وأفعال في سِنـْخ النص وثناياه.

فـ”أقسى السجون وأمرّها.. تلك التي لا جدران لها” حسب تعبير أدونيس. ولعل هذا، أي غياب الجدران بما يحمل من دلالات وإيحاءات، لا يخص توصيف أوضاع اليد العاملة في “موسم الهجرة إلى الشمال” بين الغربة والمعاناة والافتقار إلى جدران تحميها من صقيع الأيام، بل إنها تعني كذلك حال تلك القرى النائية التي كان يصطلح عليها أيام الحماية الفرنسية بـ”المغرب غير النافع” ، وقرية “أيت همان” نموذج لذلك. ففيها “تكتسي الأشياء ظلالا غير مرئية لكآبة غامضة مشبعة بنكهة التراب، وملوحة العرق، وكدح الفلاحين الذي يلبس المحاريث الخشبية غلالة موشاة بحزن تائه، ومعاناة شمطاء دامت سنين عددا” وإلى ذلك قد يهاجمها السيل “فيجرف كل ما يجده في طريقه وفي جنباته من البساتين والحقول، وربما توغل في قلوب البيوت ستكنه أسرارهــا ويذهب بماشيتها وأثاثها”.

ويَا مَا تكرّر هجومُ السيل على هذه القرية وعبث بجدران بيوتها. ليس هذا فحسب فعبارة “ليال بلا جدران” كناية على من لا يجدون حيطانا يسندون بها هشاشتهم الإنسانية، خاصة النسوة المتروكات، مع أطفالهن، إلى مشيئة الأقدار، بانتظار أزواج قد لا يعودون، وإن عادوا، فلا يكونون إلا هياكل عبثت بها المناجم البعيدة. وكما تبدأ الرواية بغروب حزين “جنحت الشمس للغروب كرغيف ملتهب، مخلفة غسقا خفيفا يواري بقايا صور متلاشية على صدر الأفق” تنتهي، كذلك، بالغروب ذاته حيث تنام الشمس “حزينة متلفعة بوشاح داكن من غيوم…” مع فارق دالّ وهو أن الغروب الأول كان خريفيا بينما الثاني فغروب شتوي بما يولـّده من معان حافــّة تفتح للحزن كوى من الفرح.

وقد تجسّد هذا في كون القرية لم تستسلم، لأن أبناءها، من الأجيال الجديدة، حيث واصلوا رحلة الحياة رغم قسوة الوقت، مقتنعين بأن حلَّ مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية ليس في مكان آخر خارج ما يكتنزون من إرادة وعزيمة؛ كل هذا تمّ تشخيصه بلغة شاعرية رشيقة وبعمق أيضا.

15