رواية أطفال يعذبون القطط حتى الموت وينبشون القبور ويلهون بعظام الموتى

السبت 2015/04/25
جيله من الكتاب تتلمذ على رواية يهود بلا مال، التي تدعو إلى أدب يكتبه العمال الفقراء

تُصنف رواية “يهود بلا مال” للكاتب اليهودي الأميركي الراحل مايكل غولد (1842 /1967) بأنها رواية نصف مُتخيلة، لأنه يصعب الفصل بين السيرة الذاتية للكاتب والمُتخيل، فهو كاتب تماهى مع تطلعات فقراء العمال، حتى أنه كان يرتدي ملابس قذرة وفضفاضة فوق جسد مُتسخ، وعند ولادته كان اسمه “إتزوك إسحق”، لكن عند دخوله المدرسة الابتدائية في أميركا وقع تعديل اسمه إلى إيرفين إيروين للتخفيف من يهودية الاسم.

هرب مايكل غولد إلى المكسيك عام 1914 أي بداية الحرب العالمية الأولى كي لا يُحارب، وعاد إلى أميركا في نهاية الحرب وكان صديقا لجون ريد الذي كتب “عشرة أيام هزت العالم”، وكان التزامه بالقضايا الثورية نابعا من القلب وليس من العقل، وقد قال عنه جورج آمادو “إن جيله من الكتاب تتلمذ على رواية يهود بلا مال، فهي تدعو إلى أدب يكتبه العمال الفقراء”. وقد كان مايكل غولد يكره أرنست همنغواي وغيره من الكتاب الذين اعتبرهم كتابا تقليديين، يرضون بالتسويات، وأنصاف الحلول، وحافظ على ولائه لأفكاره طوال حياته. من الضروري ذكر تلك المعلومات لأن الكاتب أحد أهم شخصيات الرواية.

رواية جريئة

لم أقرأ رواية بهذه الجرأة، وهي جرأة على مستويين، فمن جهة غاص في تحليل وتصوير القوة التدميرية للفقر، ولم يكتف بوصفه من الخارج كما يفعل معظم الكتاب، بل غاص في تحليل البنية النفسية والمعنوية للفقير، ومن جهة أخرى تجرّأ وانتقد مظاهر الديانة اليهودية وخاصة الحاخامات وزعماء الصهاينة، الذين كانوا يستغلون اليهود الفقراء. لذا حصل الكاتب عن جدارة على لقب مكسيم غوركي الأميركي.

تدور أحداث الرواية في أفقر الشوارع بنيويورك وهو شارع الإيسد سايد، فهو شارع لأدنى طبقات المجتمع وأكثرها بؤسا و”فقرا”، وهو شارع لا ينام يزمجر كالبحر ويتفجر كالألعاب النارية، وسكانه قوادون، ومقامرون وسكيرون، وسياسيون تافهون، وحمالون في الموانئ، وهو شارع بيوت الدعارة، وفيه مركز بائس لمعالجة أمراض الزهري. في هذا الشارع ترعرع الكاتب واسمه في الرواية مايكي، ومنذ طفولته كان عضوا “في عصابة تسرق الفاكهة من العربات، وكانت تسليته المفضلة هو ورفاقه تعذيب القطط ورميها على أعدائهم الأطفال”، يقول الكاتب “إنه عالم العنف، رمي القطط وتعذيبها، كانت بدورها تعذبنا ونعذبها: إنه الفقر”.

رغم أن عام 1930 كان من أقسى الأعوام التي يعصف فيها الكساد بأميركا، فإن روايته طبعت 11 مرة في السنة الأولى

وكان الزنجي الطفل أحد أصدقاء مايكي وهو صبي يهودي شجاع، لكنه تحول إلى أزعر ومجرم بسبب الفقر والظلم، ويقول بأن سلطة الدولة حولت هذا الطفل الزنجي إلى مجرم وبأنه لا يوجد مجرم أكثر إجراما “من سلطة الدولة، فالطفل الزنجي الذي منع والده من ضرب أمه، اتُهم أنه ارتكب جنحة وأرسل إلى إصلاحية، حيث تعلم هناك بإتقان كيف يصير مُجرما، فيُجلد بوحشية، وتفقأ عينه بإبزيم الحزام، ويعود الطفل إلى المجتمع بعين وحيدة ومجرما”.

يتعمد مايكل غولد استعمال الألفاظ المهينة والساخرة، ليُظهر الاختلافات العرقية والطبقية في المجتمع، وتظهر الحداثة في أسلوبه من استعمال مفردات الشارع المتداولة، بطريقة تشبه استعمال جيمس جويس لهجة أهالي دبلن في روايته صورة الفنان في شبابه، ويتصف أسلوب غولد بالكثافة والسخرية اللاذعة، ويستعين بالجمل القصيرة كضربة ملاكم.

القوة التدميرية

لم أقرأ لكاتب يصور القوة التدميرية للفقر كمايكل غولد، فعدا لعب الأطفال بتعذيب القطط ورميها، كانت لعبتهم المفضلة أيضا “نبش القبور واللعب بعظام الموتى وتخيل قصص” خيالية عنها، شارع يعجّ بالدعارة التي تُمارس علنا و”على مرأى من الأطفال، الذين بدورهم يتعرضون لاستغلال جنسي، والأطفال كالقطط الشاردة مرمية في الشارع، وأن تدهس شاحنة طفلا” فليس بالأمر الخطير، وأن يقطع قطار رأس طفل ويفصله عن جسده حادثة مألوفة في هذا الجو الكارثي، وحشي القسوة من واقع الفقر.

المستوى الثاني للرواية هي تحليل الكاتب لعلاقته بالديانة اليهودية، وخاصة إظهار التعصب الديني والكره -حسب رأيه- بين اليهود والمسيحيين، لأن اليهود لا يؤمنون بأن المسيح قد جاء وصلب، بل إنهم ينتظرون مسيحهم الذي سيأتي إلى العالم في اللحظة المناسبة كملك.

تحليل للبنية النفسية والمعنوية للفقير

تمثل أم الكاتب الشخصية اليهودية النمطية، فهي تؤمن أن التلمود أعظم كتاب في الدنيا، وليس هناك جحيم من نار في الديانة اليهودية، وهم لا يعذبون الأطفال بمفهوم الخطيئة الأصلية والعقاب، ولا يخافون من الغيب، كانت أم الكاتب إنسانة طيبة القلب لا تعرف الكره الحقيقي وتساعد كل الناس وتفني نفسها في العمل، وخاصة الأعمال الخيرية غير المأجورة، ومع ذلك لا تنفك تردد أنها تكره المسيحيين كرها أعمى لأنهم أجبروا اليهود على المعمودية، وكانوا يعذبونهم ويقتلونهم إذا رفضوا المعمودية.

تموت أخت مايكي (بطل الرواية) وهي طفلة إذ تدهسها شاحنة، وتنهار الأم بوفاة ابنتها، ويضطر مايكي وهو في عمر 12 سنة للعمل في المصانع، ويصف ببراعة الاستغلال الحقير للعمال حيث يعملون لساعات طويلة وبأجر ضئيل، وكم صدمتني جرأته حين وصف كرهه لدروس اللغة العبرية، وقال بأنها لغة تافهة، وبأن المعلم جاهل ورائحته كريهة ومقززة، يشفق الكاتب على الفقراء الذين كانوا يؤمنون بقوة السحر وبأنه ذات يوم سوف تحدث لهم حوادث تغير حياتهم، ووالد الكاتب ووالدته كانا من هؤلاء المؤمنين بالسحر، وكانوا يزجرونه حين يتساءل: لماذا خلق الله الذباب الملتصق بعيوننا؟ لماذا خلق الله البق الذي يمتص دماءنا؟ هل إله المحبة الذي تتحدثون دوما عنه هو نفسه الإله الذي خلق الذباب والبق الذي يمتص دماءنا!

أسئلة كانت تتفتق في ذهن الأطفال والجواب عليها هو التهديد بالعقاب وإخراسهم، لقد لوحق مايكل غولد كمعارض للسلطة الأميركية عام 1950، واضطر للهرب إلى فرنسا، في الوقت الذي طورد فيه شارلي شابلن أيضا، وكانت الحملة ضدّ المعارضين تُسمى “حملة مطاردة الساحرات”.

رواية عميقة ومؤثرة على عدة مستويات، وأحب أن أختم بالعبارة الأخيرة التي استعملها الكاتب في روايته حين وصف العين المتبقية للزنجي بعد أن عُوقب وهو طفل بالضرب المبرح من قبل سلطة الدولة المتمثلة في الشرطي الذي فقأ عينه فخرج من الإصلاحية مجرما.

يقول غولد: هل هناك مجرم أكثر قساوة من الدولة، إن عين الزنجي عين ينسكب منها الازدراء والجشع والريبة، كأنها فانوس أبدي لاحتقار العالم.

16