رواية إماراتية عن شخص يتلصص على شخص يتلصص من ثقب الباب

الرواية فن يمكن اللعب فيه على أكثر من جانب فكري وجمالي وتقني، حيث تتيح مجالات واسعة بل لا محدودة أمام كل من الكاتب والقارئ بمادتها التي لا يحد تجددها حاجز لغوي أو فكري أو غيره، وهذا ما تؤكده العديد من الروايات ومن بينها رواية غرفة واحدة لا تكفي التي بلغت سابقا القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية.
الاثنين 2017/04/10
سلطان العميمي يكتب رواية عجيبة تختبر ذائقة القارئ

في روايته الثانية “غرفة واحدة لا تكفي”، يواصل القاص والروائي الإماراتي سلطان العَميمي مشروعه السَّردي عبر أعمال عدَّة، إلّا أنَّه، وفي هذه الرواية، يختار عوالِم المتخيَّل الإبداعي عبر فضاءات السَّرد المفتون بذاته، فروايته ليست رواية واحدة بل روايات داخل رواية مشحونة بعوالم المتخيَّل الغرائبي والخارق والعجائبي ضمن مفارقات عاشتها الذوات المشاركة في أحداثها.

تحكي هذه الرواية قصَّة شخص كان يتمشى ليلاً ليجد نفسه فجأة منعزلاً في غرفة غريبة لا يعرف كيف جاء إليها، وهو الأعزب ابن الثامنة والثلاثين عاماً اسمه قرواش. وشاءت الأقدار أن يكون في معيش عزلة بلا اتصالات مع العالم الخارجي سوى فتحة باب يتواصل من خلالها مع جاره الذي لا يستجيب له إلّا في اللحظة الأخيرة، وفي خضّم ذلك يستعين بذاكرته الشَّخصية ويوظفها بالكتابة لحرق زمانية العزل الغريبة التي يعيشها.

بطل معزول

جاء المتن السَّردي في رواية “غرفة واحدة لا تكفي”، الصادرة في طبعتين عن منشورات ضفاف والاختلاف في بيروت والجزائر سنة 2016، في أكثر من خمسين فصلا حكائيا من حيث التبويب، مسبوقة بعتبة إهداء إلى الشاعرة موزة التويهية، ومتبوعة كذلك بملفوظ عنوانه “مدخل”: “في غرفة صغيرة بمكان مجهول، ثمَّ شخص يتلصَّص من ثقب الباب على شخص كان يتلصَّص على شخص آخر في الغرفة المجاورة له، كانوا يتلصَّصون جميعاً على أشخاص آخرين دون توقف، ولا يفعلون شيئاً سوى ذلك”، هذا “المدخل” الذي سيظهر في الفصل الثالث. إن المقصود بملفوظ “المؤلَّف”، في هذا النَّص، هو أبوبدر نفسه، الروائي الداخلي الذي جعل من قرواش بطلاً لرواية أراد كتابتها أبوبدر نفسه وفعل ذلك.

حالة قرواش، وبكل تفاصيها، إنَّما هي حالة سردية روائية ورقية متخيَّلة صنعها أبوبدر من داخل الحكي كمؤلِّف ضمني في رواية سلطان العَميمي

ولذلك، يمكن القول إن عالَم الحكي في الرواية ينصرف إلى ثلاثة مدارات كبرى، أولها مدار العزل داخل غرفة، وكتابته من جانب قرواش بشكل “مذكّرات” يمكن عدّها معيش هوية ذاتية، تلك “المذكّرات” التي ستتحوَّل إلى هوية سردية ستدل، بنحو أو آخر، على الاحتفاء بتقنيات وجماليات السَّرد المفتون بذاته.

أما المدار الثاني فهو مدار كتابة قرواش لسيرة جدّه قرواش الأول، تلك الكتابة التي ستتخذ أيضاً طابع السَّرد المفتون بذاته كونها رواية داخل رواية، وهي السيرة التي ستكون عاملاً من عوامل الربط بين حالتي الحفيد والجد، سيما أنَّهما معاً واجها محنة التغييب عن مكانيهما المعتادين، الأول تحول إلى مسخ حيواني، والثاني إلى سجين داخل غرفة غريبة.

ثم يأتي المدار الثالث وهو مدار فك قرواش نفسه للغز الذي عاشه في تلك العزلة، فتبين له أنه هو ذاته مجرد فاعل سردي مسرود في متن حكائي داخلي اختاره أبوبدر كمشروع روائي له، وحالما خرج قرواش من عزلته بالغرفة إياها تسلَّم أبوبدر زمام السَّرد لينهي الرواية وتنكشف لعبته داخل الحكي، بل كذلك لعبة الرواية (غرفة واحدة لا تكفي) برمتها.

من معطيات كتابة السَّرد المفتون بذاته هو ما سيقرر قرواش أثناء عزلته، ألا وهو اللجوء إلى الكتابة كخيار وجودي فيقول في الفصل الثامن “أفكّر قليلاً، ثم أقرر تقسيم الكتاب إلى جزأين؛ الأول أدون فيه سيرة حياة أسرتي وحياتي، والثاني أدوِّن فيه مذكّراتي في الغرفة، إضافة إلى ما أرصده بتنصّتي وتلصّصي على شبيهي في الغرفة المجاورة من خلال ثقب الباب”.

نحن هنا بإزاء شروع واضح لبناء متنين كتابيين داخل الرواية، حتى أن قرواش نفسه سيلجأ إلى عنونة ما يريد كتابته، فيقول “سأسمي الأول: نافذة على جذوري، وسأسمي الثاني: حين راقبت نفسي، ويبدو العنوانان جيدين. أكتب الأول بخط كبير في الصفحة التي تلي القصّة، وأكتب الثاني بخط مماثل، وأضع تحته: الجزء الثاني من سيرة رجل وجد شبيهه، نعم لا بدّ أن أكون متواضعا”. وابتداء من الفصل التاسع سيشرع الراوي أو قرواش بكتابة قصَّة جدّه، وابتداء من الفصل الحادي عشر سيبدأ بكتابة مذكّراته فيما عايشه في مرحلة العزل.

يبدو عزل إنسان ما في غرفة، كما صوّره الكاتب، حالة غرائبية، فهي بلا قنوات اتصال سيما أن البطل المعزول لا يعرف أين نسي هاتفه الجوال، كما أن الهاتف الأرضي بدا معطلاً بفعل فاعل، ولا طعام سوى النزر منه، ولا مرآة أو منشفة في الحمام، ولا حذاء.

كان قرواش يتواصل مع محيطه خارج غرفته فقط عبر ثقب باب الغرفة ليكتشف أن جاره الساكن في الغرفة يشبهه في الكثير من الصفات، يقول قرواش “دقّقت في ملامحه جيدا، ذلك الشخص كان أنا”. ثم يتساءل “ما الذي تفعله نسختي في الغرفة المجاورة؟” وبالتالي: “كيف ينام شخص واحد في غرفتين منفصلتين في الوقت نفسه؟”. لينداح السَّرد باتجاه تبيان خصائص كثيرة بين الشبيهين في مسارات وفصول المتن الحكائي.

من بين ما شاهده الضيف الحائر في غرفة العزل القسري وجود “كتاب” بجانب السرير، لكنّه سيكتشف العجب عندما يجد اسمه مدوَّناً في الصفحة الثانية باعتباره الكاتب فيه، ويجد فقرة تحت عنوان “مدخل” كان العَميمي استخدمها كعتبة نصيَّة في بداية متنه الروائي، ثمَّ يكتشف أن كل صفحات الكتاب التالية بيضاء، وتلك غرابة أدهشته. وما هو غرائبي أيضاً أن اسم البطل قرواش هو نفسه اسم جده قرواش، وكذلك اسم والده، ولكي يضفي على شبيهه متماثلات أنطولوجية، راح يطلق عليه اسم قرواش الرابع.

الرواية كخلاص

الغريب الذي يستحق التوقُّف عنده بشأن تسريد مدار السِّحر هو أن البطل المحبوس تلقى اتصالا عبر الهاتف في صبيحة اليوم الثامن عشر. وكان صوت الشخص المتصل غير صوت الشبيه في الغرفة الثانية، ليسأله “هل تظن أن ما حدث لجدِّك له علاقة بما يحدث لك الآن؟”، وهو الاتصال الأول من نوعه يجري لصاحبنا المعزول غيلة.

كان ذلك الاتصال الفعلي من شخص لا يعرفه أدّى إلى استجابة الجار الشبيه لصاحبنا قرواش، فكان بينهما حوار منتظر عبر ثقب الباب. وهنا تأتي غرائبية الحالة؛ فالشبيه أو أبوبدر بدا هو المتحكِّم بما يجري من أحداث لقرواش، الذي خاطبه قائلا “أنت كائن غير حقيقي، وأنا من صَنعك. أنا الحقيقة في كل ما يحدث بيننا الآن،

والقلم الحقيقي بيدي لا بيدك”، بل زاد توضيحاً أكثر عندما قال له “أنا من كتبتُ جميع أحداث هذا العمل وصورتها وسيرتها كما شئتُ لا أنتَ! وقد أردتُ أن يكون مكان قصتكَ أثناء عملي في هذه الرواية غرفة إلى جانب غرفتي”.

وهذا يعني أن قرواش السجين قسراً بالغرفة كان “موضوع حالة” لرواية قرر كتابتها الشبيه أبوبدر الذي اختلق كل شيء في أحداثها. وهذا دليل آخر يدعم رؤيتنا بأن رواية “غرفة واحدة لا تكفي” تنتمي جوهرياً إلى بنية السَّرد المفتون بذاته؛ لا سيما أن صانع حكاية قرواش في غرفة معزولة يأتي كحكاية داخلية في متن الرواية الحكائي.

في الحوار/ الحُلم بين الروائي وبطله أو بين أبوبدر وقرواش، نلاحظ أن الأول يضخ جُملاً سردية تؤكِّد أن قرواش موجَّه توجيها محكماً من جانبه “أنت كائن غير حقيقي وأنا منْ صنعك”.

وهذا يعني، في نهاية المطاف، أن حالة قرواش، وبكل تفاصيها، إنَّما هي حالة سردية روائية ورقية متخيَّلة صنعها أبوبدر من داخل الحكي كمؤلِّف ضمني في رواية سلطان العَميمي “غرفة واحدة لا تكفي”، التي هي أصلاً رواية متخيَّلة، وهو أمر جعل للمخيال السَّردي – الروائي إمكانية التلاعب الجمالي على نحو متجدِّد لدى العَميمي الذي اختار تقنيات السَّرد المفتون بذاته، هذه المرة، في قول ما تريد قوله روايته ليس على الصعيد الجمالي فقط إنَّما الفكري والثقافي والإنساني.

فالكتابة لدى سلطان العَميمي هي انتصار للحرية، لكن توجُّهات الكتابة، في “غرفة واحدة لا تكفي”، تبدو تكريساً لما أريد تسميته بروايات القسوة، فهي تجمع بين الغرائبي والعجائبي والخارق على نحو سريالي طقوسي تحدوه المفارقات المنعكسة في الكتابة السردية التي تسرِّب معيش واقع مأسوي راهن، فكم كان أبوبدر قاسياً، بل عنيفاً، في سلب قرواش حريته عندما زجّه في غرفة شبه معزولة، وكم كان قمعياً عندما سلب إرادة بطله وحوَّله إلى مجرَّد سجين يعتاش على ذاكرته؟ وكم كان أبوبدر يشعر بنشوة طقوسيَّة ربما هي سادية عندما يتحدث مع بطله بسلطوية الأنا عنده تلك التي تحكَّمت بمشهد العزل والسلب. إنه راهننا الذي صار يسلب المرء إنسيته، وهذا، بحسب تأويلي القرائي، ما كان يريد سلطان العَميمي قوله في روايته.

14