رواية إيطالية عن امرأة مشؤومة وجاسوس وأديب في طنجة

الخميس 2014/04/17
فوزارو يصور حياة أشخاص يعيشون العزلة

رواية “الحب يرهق” للكاتب الإيطالي فيليب فوزارو، والصادرة عن “منشورات لوليفيي”، تحكي قصة ثلاثة أفراد وحيدين من جنسيات مختلفة يقيمون بطنجة وهم لاسبيا ولولو وميمفيس. ورغم قصر الرواية (160 صفحة)، إلا أن قوتها تبدو في تلاحم سردها ودقة تفاصيلها، والمصير الواحد لأبطال القصة، وهو الفشل في حياتهم السابقة الذي نجم عنه إحساس بالعزلة.

الرواية تدور أحداثها في مدينة طنجة المغربية عام 1973، عندما تلتقي ثلاث شخصيات تجمع بينها الوحدة والعزلة.


شخصيات متناقضة


الشخصية الأولى تدعى لاسبيا، وهو رجل أسمر غامق بين عمرين، قصير لكنه أنيق، هو “جاسوس عادي”، ذو “يد صغيرة”، هكذا قيل عنه في الوسط. إنه يقيم في فندق كونتينونتال وينجز بعض المهمات بتكليف من القنصل. مهمات مؤقتة وغامضة، حتى بالنسبة إليه. مطلق، لقد ترك ابنيه الكبيرين وسط الملامة بإيطاليا. في نظر الجميع، إنه يعمل بشركة للتصدير والاستيراد، كغطاء.

أما لولو، فهي ممثلة فاتنة وأنيقة، تتواجد هنا من أجل تصوير فيلم، وسبق لها أن لعبت العديد من الأدوار الثانوية في أفلام تاريخية. هي إيطالية لكنها تعتبر نفسها “هوليودية”. إنها لا تحب إلا الترف، تقيم في جناح بفندق المنزه ولا تلبس إلا الماركة المشهورة إيف سان لوران، بدءا من فساتينها على المقاس حتى أظافرها دائمة اللمعان ولا تشوبها شائبة. لا يبدو أنها تهتم بشيء آخر غير مسارها المهني، الذي تأخر في الإقلاع، وبصورتها التي تكون على غاية من الأناقة والتي تحب أن تبعثها إلى الآخرين.

والشخصية الثالثة هي ميمفيس، وهو أديب أميركي مشهور على المستوى العالمي، يبدو بالمقابل في مرحلة انهيار، في ضياع وشرود جغرافي ونفسي. إنه يبدو عجوزا بعد أن حطمت معنوياته وفاة حبيبته قبل سنوات، إنه لم يعد قادرا على الكتابة ويحاول دون جدوى إيجاد الخلاص من الكحول والعقاقير المنومة: إنها تشنجاته النفسية وأشباحه التي كان يأمل الهروب منها حين قرر فجأة السفر إلى المغرب. إنه يتردد على فندق المنزه ويغازل قعر حوض السباحة، نظارتاه المظلمتان على أنفه باستمرار، كأس من شراب الروم والكاكاو في اليد و”ضحكته الرعداء” كقناع واق قبالة عميق جراحه وجحيم حياته.

سر التلاحم بين أبطال القصة هو الفشل في حياتهم السابقة الذي نجم عنه إحساس بالعزلة


علاقات غريبة


نحن في خريف 1973، بين هؤلاء المغتربين الوحيدين الثلاثة، ستنسج روابط تشارك مختلطة وفريدة، تسمها حميمية لطيفة، بريئة بقدر ما هي عضويا مريبة. في البداية، يفصح لنا الكاتب عن العلاقة الجد حساسة التي ستربط بين لاسبيا ولولو، ثم في رحلة سردية مبشرة باختلاط قادم، ستتسلل للغرفة والأحلام المتقطعة لجارهما، الغارق في سبات اصطناعي. في تضادّ وجداني ناعم، تتسلسل القصة الغرامية للعشيقين في شقين متنافرين، شق غرامي وشق تافه مبتذل: “ستغَنين مرتدية تبانك الصغير، وقطع من القطن بين أصابع رجليك”.

بعد زمن قصير، بمناسبة الاحتفال الذي أقيم على شرف القنصل بقصر مولاي حفيظ، سيتواجد الرجلان على هامش الجمع المنتشي، “الأذن الحساسة” للاسبيا ستصبح للتوّ المؤتمن الوحيد على الأسرار الأليمة لميمفيس. هكذا ستتطور علاقة الشخصيتين ولن يفترقا بعدها، سيتقاسمان الوجبات والأمسيات بمطعم لاكازا ديطاليا، مقهى الحافة أو أيضا مقهى باريس. خلال الصيف، سيُظهر ميمفيس مقاومة لرغبة لاسبيا في أن يُعرفه بلولو المعجبة بكتاباته لكنه سرعان ما يستسلم رغم كل شيء ويطوّع تحت سحر الضحكات المعبرة للممثلة الشابة: هكذا ستنشأ علاقة ثلاثية، لدرجة أن الحميمية لن تغدو مكتملة إلا بوجود الثلاثة. استحمام في منتصف الليل وسط الثمالة، امرأة تُرمى بملابسها في حوض السباحة: ألعاب صبيانية توطد ميثاق عائلة مبتكرة من جديد. علاقة ملامسة ستصير معها أجساد الشخصيات الثلاث كائنا واحدا، يقف وحده في مواجهة باقي العالم.

شخصيات متناقضة تجمعها الرواية


أسلوب مرقش


تتجلى قوة هذه الرواية القصيرة قبل كل شيء، في أسلوبها الأبقع، المرقش بين الدقة والحلم المتبخر. لا وجود لسارد ثابت: ننزلق دون توقف، نكاد لا ندرك ذلك، من سرد خارجي إلى حكي بضمير المتكلم، متغير، تارة بصوت لاسبيا وتارة أخرى بصوت ميمفيس. بعض الصفحات يسودها ضمير المخاطب، في إشارة إلى الكائن المحبوب، سواء تعلق الأمر بلولو أو فقيدة الكاتب. هذا الطفو الحكواتي -الذي سرعان ما سيوقع الخاصية المزجية للعلاقة بين أبطال القصة- يدعمه غياب تنقيط خاص خلال العديد من المقاطع عند المرور إلى الخطاب المباشر. يتحرر الخطاب من كل الأغلال، لكي لا يصير إلا تعبيرا خالصا عن انفعالات وأحاسيس كونية، في حاضر السرد أغلب الأحيان.

لا يتردد الحكي في الاستسلام لينجرف نحو معالجة شاعرية للنص، حتى بلوغ أنشودة حقيقية بأربعة مقاطع شعرية للكائن المحبوب المفتقد بالفصل 3، في الإطار المسيحي لمدينة باليرمو، مقر الرغبة: “مْمْمْ باليرمو، حمراء وذهبية، بالدم والغبار، الموت فوق كل الباسطات، الصراخ، الاستعطاف، هكذا أحب الكائنات، أن أقطع أوصالها وهي حية، الابتسامة نيرة والمزاج في الاحتفال، ننسى البؤس وهيأتك، محبوبتي، فاتنة، أرستقراطية، من زمن آخر وبشرتك بنكهة التين”. التكرار يفرض نفسه، القوافي ترن، اللحن يتسلل حتى إلى الرسائل المشفرة المهموسة في أذن الجاسوس.

تم التخلي عن التنقيط المضبوط للتعبير بشكل أفضل عن الميزة الحية لطنجة، المدينة التي “لا تنام”، ولا سيما خلال جولة كثيرة الحركة بسيارة أجرة -بنفَس واحد لصفحتين حيث يطغى فن البلاغة- والأمسيات الطافحة بالحيوية المقامة بقصر مولاي حفيظ. الحرارة، الموسيقى، الروائح، الرقصات الدائرية للأجسام والرغبات المتقابلة، كل هذا يتطاير في وجه القارئ. هناك القليل من الشخصيات الثانوية حول الثلاثي: الآخرون ليسوا سوى ظلال شاردة، كالقنصل أو أيضا المغني العاطفي الذي يهدهد عدة أمسيات بأغانيه الحزينة.


رواية عن الأصول


في الواقع، يبدو أن سر التلاحم بين أبطال القصة هو الفشل في حياتهم السابقة الذي نجم عنه إحساس بالعزلة. إن الجمع بين عزلة الثلاثة هو الذي سيفسح لهم فرصة الانطلاق من جديد. تتطور الرواية من خلال دواع مختلفة تتجه تدريجيا صوب واقع حيوي. سيستمد ميمفيس طاقته من فكرة الموت، ما كان الحداد ليجعلنا ننسى أمواتنا، بل على العكس لنبعثهم من جديد. يخلص الاتحاد بين الشخصيات الثلاث إلى انسجام وتناغم، إلى وهم حاضر أبدي.

إنها أيضا رواية عن الأصول -التي نبحث عنها أو نهرب منها لكنها دوما تلاحقنا- التي يتم بناؤها حول تخليد جميل لإيطاليا، دائمة الحضور في عمل الكاتب “إنها صقلية، الجزيرة التي يجعلها ميمفيس مثالية تماما كالكائن المحبوب، إنها أوطرانطا، حيث يعيش أبناء لاسبيا، إنها سيوسياريا، التي تنكرها لولو، لكن تشي بها أردافها وضحكتها”. من بين تلك الأصول يوجد البحر بالنهاية، الذي يُبعد ويربط في الآن نفسه، بباقي العالم “في كل مرة آتي فيها، أذهب من جديد وحزني أشد. لأن النظرة تربطك بالقارة المقابلة، إنها تعرض إمكانية عودة من جديد”. وعد بالهروب أو الخلاص، يمثل البحر الفرصة الأبدية، إنه العابر لكل المسافات، الذي يخوّل للحياة أن تستمرّ رغم كل شيء.

14