رواية الإسكندرية الثائرة على الطغيان المقهورة بخيبات الأمل

السبت 2014/03/29
مشهد من تكريم الروائية انتصار عبد المنعم فى افتتاح مؤتمر أدباء مصر بمناسبة صدور روايتها "جامعة المشير"

في واحدة من الروايات التي ترصد إلى حد التوثيق التاريخيّ ماضينا بكلّ إخفاقاته ونكساته، وحاضرنا بإجهاض أحلامه، وضياع دماء ثوّاره، تستبصر الكاتبة انتصار عبدالمنعم في روايتها “جامعة المشير مئة عام من الفوضى”، الصّادرة عن “الهيئة المصرية العامة للكتاب” واقع ثورة 25 يناير ومآلاتها.

تقدّم انتصار عبدالمنعم رؤية كابوسيّة ليس للحاضر الذي لم يكن يعنيها على الإطلاق وهي تسرد حكاية الثورة المجْهَضة بعد أن فقدتْ بوصلتها، وغابَ عنها رمزها، وإنما للمستقبل المظلم والكابوسيّ وِفق أحداث الرّواية، في نوع من المصادرة تُصدِّرها المؤلفة عبر عنوانها الفرعي «مئة عام من الفوضى».

وتضحي صرخات الأم بعد فقدان ابنها كأنّها صرخات التحذير من ضياع الثورة بعدما تصدّر أمرها مَنْ طَحْلَبَ مَوْرِدَها وقد نيط له (لهم) سقي القوم.


نص مقهور


تُمَارِسُ الكاتبة نوعًا مِن التجريب والمغايرة، وهو ما يظهر في التعدّد الذي يعدّ السِّمة البارزة المشكِلَة لبنية النص، بدءا مِن العنوان المُنْقَسِم إلى عنوانٍ أصلي «جامعة المشير» وآخر فرعي «مئة عام مِن الفوضى»، أو ببنية الرواية العامة التي تبدو وكأنها «بنية الرِّواية داخل الرِّواية»، حيث ثمَّة قِصتان تسيران متجاورتين الثانية نتيجة للأولى رغم الفارق الزمني بين حدوثهما، عبر سرد يأخذ إيقاعا ميلودراميا في النّص الأول، وإيقاع الرّعب والتراجيديا الممزوج بالفنتازي في النّص الثاني.

ويعمد إلى التسجيل في معظمه وإلى بثّ رسائل التحذير في بعضه الآخر، بعيدا عن المبالغة والاسترسال المضلّل، فيأخذنا في نشوة تصاعد أحداثه ليصل بنا إلى ذروة السّخط والغضب على المآل؛ مرورا بالتنوّع في الأسلوب الذي يأتي في النَّص الأوَّل تقريرا يميلُ إلى الغنائية في الأجزاء الذاتيَّة، والإنشائيّة حيث التساؤلات التي تطرحها السَّاردة هنا وهناك، دون جواب، وهو ما يكشف عن حالة الصِّراع الدَّاخلي بين تسجيل ما تشاهده ومحاكمة فعلية عبر الأسئلة والخطابات المُسْتَنْكِرة، وهو ما انعكس على الشَّريط اللّغوي الذي تماهى في لحظات تسجيل مشاهد الثورة مع اللّغة الغنائية التي تميل إلى الشِّعرية، ثمّ اللّغة التقريريّة التي ترصد وتسجل، إلى قمّة الدراميّة في وصف الانتهاكات والترويع.
"جامعة المشير" رواية الثورة بامتياز

وقد تضافر هذا التنوّع اللّغوي في تعرية الأيديولوجيات الكاذبة التي ادّعت ذاتَ لحظة الثورية وفضحها، والسّخرية مِن تكلّس النّظام، ومواته، وأيضًا مِن القِوَى الانتهازيَّة، بلا استثناءٍ.


نبوءة قاسية


هذه رواية الثورة بامتياز، فمع اقتصار بؤرة السَّردِ على الإسكندرية التي صارت «عاصمة التعذيب الأولى»، إلا أن أحداثها تتجاوز المكان لتقدِّم صورة لواقع معيش مُنْتَهَكة فيه الحقوق وغائبة فيه الحريات ومجهضة فيه الأحلام. فترصد الرواية لتلك الانتهاكات التي كانت شرارة الثورة، حيث أيقونة الثورة خالد سعيد، الذي تحوَّل قتله بتلك الصّورة البشعة من قبل أجهزة السّلْطَةِ إلى شرارةٍ ووقود الثورة، فتدفقت الجموع في شوارع الإسكندرية لتتآزر مع أمواج البحر، وتقدِّم المارية فلذاتها كدماءٍ تروي بها ترابها الزعفران، مازجة بين الشَّخصي والعام، ليتماهى الشَّخصي ويذوب بعدما تجاوب مع ندائها على ابنها الجميع، «أنادي عليه، فيرق قلب الثوّار لي وينادون معي، وترق لي قلوب أفراد الأمن المركزي، التي حسبناها جامدة».

كانت الكاتبة انتصار عبدالمنعم، قاسية في نبوءتها، صدمتنا وأوجعتنا وما بين الصدمة والوجع تبعثرت خيوط الأمل التي انتشينا بها في الميدان، ضاعت الحقيقة وسيطر العفن، وفي العفن الذي عمّ ضاع الحُلْم، والدم، وعلى رائحة الدم رقصت الذئاب، لكن طلَّت روح زرقاء اليمامة تحذِّر مِن القادم، فهلَّا استقبلنا دعوتها أم تغاضينا عنها كما هي عادتنا؟ وما إن يأتي يوم نستصرخها بصوت أمل: «أسألُ يا زرقاء… عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء»، حتى نُدْركَ عندئذ فقط أنه لم يتبق إلا «الموت …».

16