رواية "الحكاية الحزينة لماريا ماجدالينا" التقاء مصيرين

الروائي عبدالقادر حميدة يسعى في روايته "الحكاية الحزينة لماريا ماجدالينا" إلى مزاوجة بين حكايتين متقاطعتين من زمنين مختلفين ويرصد مسار شخصيات بين الحقيقة والخيال.
الأربعاء 2020/05/27
عبدالقادر حميدة يتعمد تناول التاريخ الثقافي لمدينة الجلفة

الجزائر- يقدم الروائي الجزائري عبدالقادر حميدة عمله السردي الثالث “الحكاية الحزينة لماريا ماجدالينا”، مستثمرا في كتابته وعيه بالفضاء الذي يستضيف الحكاية من جهة ووعيه بالتاريخ والفاعلين فيه من جهة أخرى، لينسج قصصا متقاطعة تشكّل الحكاية الكبرى التي تحتفي بالحب والتسامح والثقافة.

في الرواية، الصادرة عن منشورات الاختلاف بالجزائر وضفاف بلبنان في 124 صفحة، نجد أنفسنا في قلب حكاية ماريا ماجدالينا، وهي السيدة الإسبانية التي تزوجها خليفة الأمير عبدالقادر سي شريف بلحرش، وأقامت في الزاوية مقر الخليفة، وعاشت مع ابنها الوحيد بعد مقتل زوجها.

وبرؤية مختلفة عن السائد في سرد التاريخ الجزائري يسعى الروائي إلى مزاوجة بين حكايتين متقاطعتين من زمنين مختلفين، ويرصد مسار شخصيات بين الحقيقة والخيال، منها من ينتمي إلى التاريخ ومنها من استقاه من الحاضر، مؤثّثا نصه بأجواء ثقافية وأدبية صوفية.

قصة الرواية بنيت على محنة البطلة ماريا التي تنسحب على الصحافي حميد ريتشيكو فيتبناها ويتحول إلى رجل يعيش محنته ومحنة السيدة التي تتواصل معه من زمنها بشكل خيالي، حيث يجعل الكاتب من غربة البطلين في زمنين مختلفين ومن نسيج حكاياتهما عن الحب والحنين طريقا لكشف خفايا من التاريخ المسكوت عنه.

قصص متقاطعة تشكّل الحكاية الكبرى
قصص متقاطعة تشكّل الحكاية الكبرى

يتبادل صوت السارد في الرواية حميد ريتشيكو وماريا ماجدالينا، أو “العلجة” كما سماها وزوجها، وخلال عشرين فصلا كانا مقسومين في الروي بين صوتين، تأتي حكايتا حميد وماريا متقاطعتين بين زمنين مختلفين، هما منتصف القرن التاسع عشر ومطلع الألفية.

بنيت العلاقات في مسار الصحافي والكاتب حميد ريتشيكو على الشغف الأدبي لصحافي مهووس بالتاريخ، في حين يقوم مسار وعلاقات ماريا على شغف اكتشاف حياة أميرية مختلفة عن بيئتها الأم (غرناطة الإسبانية) ثم يصبح أكبر همّها حماية ابنها الوحيد وتأمين وضعه.

وبين 1869 و2007 يقدم لنا الروائي وصفا دقيقا للحالات الإنسانية في الفضاء ذاته، وينجح في حبك حكاية مفترضة تجعل حميد ريتشيكو يستدعي روح ماريا أو العكس، فينقل على لسانها جزءا من التاريخ وينقل حكايته أيضا، وفي بعض المواقف يتبادلان السرد عن حالتيهما.

يمكن تصنيف عمل عبدالقادر حميدة كرواية تاريخية، ولكنها رواية جماليات وهي أدبية بامتياز، فمن خلال صفحاتها يصادف القارئ الكثير من الأسماء الأدبية العالمية من إسبانيا وفرنسا والجزائر والعالم العربي، ويعثر على حميمية كبيرة في تقديم الوقائع الأدبية التي حدثت بالفعل.

 أكبر رهان للكاتب كان الاشتغال على تكثيف الحدث وبناء الشخصيات وتأثيث الفضاء، ولكن النص لم يكن متعجلا، بل كتب باقتصاد سردي وتقنية بسيطة وواضحة تجعل الكاتب حاضرا في تفاصيل المتن، بإشارات ضمنية إلى مهنة ريتشيكو كصحافي، ومقالاته التاريخية وعلاقاته بالوسط الثقافي، وكلها وقائع من حياة الكاتب الحقيقية.

ويتعمد الروائي تناول التاريخ الثقافي لمدينة الجلفة عبر استدعاء شخوص ورموز من ذاكرتها بين كتاب وموسيقيين وشعراء ومقاومين وشيوخ الصوفية، ويتكثف حضور الحالة الثقافية مع مواقف أبطال الرواية ليصبح الاشتغال على موضوع التاريخ والتعايش والصراع من وجهة نظر ثقافية.

يوجد في رواية حميدة حوار غير معلن بين الثقافات، وكلام عن الكنائس والمساجد ومساراتها السياسية والتاريخية، فمثلا تحكي ماريا الغرناطية عن “كاتدرائية غرناطة” التي بنيت على أرض جامع غرناطة الكبير المهدم بعد هزيمة المسلمين وقد استغرق بناؤها 181 سنة، كما توجد إشارة إلى قبول المسلمين منح أرض بل والمساهمة في تمويل بناء كنيسة في قلب مدينة الجلفة بمحاذاة المسجد الكبير.

ضمّن الروائي نصه الكثير من التلميحات الدينية التي تشبه الحوار بين المسيحية والإسلام، خاصة من خلال التحدث عن فوارق المسيحية والإسلام ووضع خطوط تقاطع بين الديانتين حيث جاء على لسانها أثناء وصفها لمدينة الجلفة أن “الديانات الثلاث تتعايش في سلام في هذه البقعة الطيبة من الأرض”.

ونذكر أن عبدالقادر حميدة يشتغل أستاذا جامعيا في علم الاجتماع، وسبق أن صدرت له مجموعة شعرية بعنوان “أثاث من رائحتها”، ومجموعتان قصصيتان هما “شجرة البلوط” و”رغبة صغيرة”، وسبق له أن اشتغل بالصحافة وأدار بعض الجرائد منذ
التسعينات.

14