رواية "العكاز" تسرد حياة وطن مريض يتناقلها الرواة

تأتي رواية “العكاز” للكاتب سمير فوزي كاشفة عن حالة من حالات المعرفة والإدراك، ذلك الإدراك وتلك المعرفة اللذان يتجليان للذين عاينوا اللحظة واللحظات السابقة، وأدركوا أن الاستمرار وفق هذا النسق الحياتي المعيش الممتد على مدى ثلاثين سنة يكاد يكون مستحيلا، وأننا في حاجة إلى هزة قوية تحدث رجرجة وخلطا للمقرر والمتعارف عليه، الذي أصبح في زماننا قانونا كاشفا عن عفونة وتيبس دائمين.
الثلاثاء 2015/05/19
سمير فوزي كتب رواية معنية بتقديم وتصوير واقع ذاهب إلى التلاشي

ربما يكون المدخل إلى رواية “العكاز″ للكاتب سمير فوزي مرتبطا بالعنوان أولا، ومرتبطا بجملة وردت في الصفحة التاسعة عشرة على لسان عربي “الحوادث في مصر في السنين اللي فاتت ما فيش أكثر منها”، ففيها إشارة دالة على الإهمال المتسبب في وجود نسق وسيادة العكاكيز.

دلالة العكاز تفرض وجودها على تلقي الرواية، والعكاز هنا لا يظلل البطل “عربي” -والتسمية في أغلب الظن فيها شيء من القصدية- وإنما تتحرك دلالة العكاز لتصبح نسقا عاما متفسخا إلى حدّ بعيد، الاحتياج إلى العكاز إشارة مرتبطة بالمرض، فالرواية معنية بتقديم وتصوير واقع ذاهب إلى التلاشي.

السرد والرواة

القارئ للرواية يدرك أننا أمام عمل بسيط في عدد صفحاته، ولكنه عميق في أفكاره وطرحه المعرفي. الآلية المقدمة للعمل السردي في صفحات الرواية تكشف عن رؤية لها مشروعية.

فالرواية معنية في الأساس بالكشف عن قاتل “عربي”، بوصفه فردا، وبوصفه أيقونة كاشفة عن الخراب، وعن السمة الغالبة على الشخصية المصرية في العقود الثلاثة الأخيرة.

ويأخذ السؤال: من قتل “عربي”؟ وفق هذا التلقي آفاقا أوسع، ليصبح من طمس ملامح الشخصية المصرية، وجعلها تتخلى عن سماتها الفاعلة عبر التاريخ؟ وجعلها تتلبس بصفات مثل الانتهازية والدونية؟

كل واحد من الذين قدموا سردا موضوعيا عن حادثة القتل، من خلال صلته بعربي لا يكشف عن ذلك فقط، وإنما يكشف عن مستوى من مستويات الخراب داخل الإطار العام.

وهذا يجعلنا نعيد النظر في توصيف الآلية السردية الفاعلة والمهيمنة في نص الرواية، هل هي رواية أصوات؟ أم هي إجابة عن أسئلة يقدمها محقق في عملية القتل التي تمت على هذا النحو المقدم في الرواية؟ أم هي في النهاية مجرد آلية لتقديم صورة مفتتة للبطل، يمكن من خلال تجميعها الوصول إلى صورة شبه كاملة عنه؟
الرواية ليست بوليسية مهمومة بالبحث عن القاتل، وإنما هي مهمومة برصد لحظة آنية، وصل فيها الوطن حد الحاجة إلى عكاز

إن حسم هذه القضية لن يتم بسهولة، لأنها جزئيات متداخلة إلى حد بعيد، وأول ما يهشم التصور الأول -أي كونها رواية أصوات- يتمثل في غياب الأيديولوجيات المتصارعة والمهيمنة في مثل هذا النوع من الروايات، فليس هناك صراع أيديولوجي يمكن التوقف عنده على نحو مباشر.

وما يغيّب افتراض كونها إجابة عن أسئلة يقدمها المحقق للبحث في عملية القتل قصد الوصول إلى القاتل يتمثل في تلك النهاية المنفتحة دون إجابة أو أدنى محاولة للوصول إلى إجابة.

فالرواية ليست رواية بوليسية مهمومة بالبحث عن القاتل، وإنما -وهذا يجعل الآلية الفاعلة وثيقة الصلة بتشكيل الخراب بأشكاله المختلفة- هي رواية مهمومة برصد لحظة آنية، وصل فيها الوطن حدّ الحاجة إلى عكاز، لكي يسير بطيئا، بعيدا عن مداومة السير واستقامته.

هذا التوزع في السرد الموضوعي إلى أصوات عديدة يكشف عن آلية لتقديم صورة عن البطل موضوع الرواية بوصفها هدفا أوليا من جانب، ومن جانب آخر يحضر من خلال التأويل وجود مركزي للوطن المريض، حيث توزع مرضه في ما قدمته الشخصيات من خلل في سلم القيم، وخلل في الفهم والإدراك.

الرواية تكشف عن حالة من حالات الإدراك

معاينة الرواة المختارين بعناية تكشف عن قصدية واعية وعن ارتباط هذه الشرائح للوهلة الأولى بـ”البطل/ عربي”، وتكشف عن قصدية أخرى تتمثل في قدرة هؤلاء الرواة في الكشف عن شرائح ذات خصوصية، تأثرت حتما بهذا الخراب، وكانت ضحية من ضحاياه بوجه من الوجوه.

فكل واحد من هؤلاء الرواة مهتم بالكشف عن حالة من حالات التبدّل أو التغيّر، التي جعلت الجميع في النهاية بحاجة إلى عكاز، ويأتي “عربي/ صاحب العكاز/ المريض” بوصفه عنصرا فاعلا في ذلك الخراب، وهذا يجعله يغادر طبيعته المادية، ويجعل حادثة القتل في حدّ ذاتها فعلا من أفعال التخلص من ركام مكبل، أو عملا من أعمال التطهر الذاتي، فكل واحد من هؤلاء الرواة -باستثناء عاذر أبادير المحامي، وبسمة عربي دعبس (ابنته)- يمكن أن يكون قاتله.

مع الراوي الأول -سلامة السمكري- نحن أمام عملية اكتشاف القتل بحدّ ذاتها، ولكن الأمر لا يخلو من الإشارة إلى بعض أمراض الاستغلالية الكاشفة عن طبيعة الشخصية.

وتتوالى بالتدريج جزئيات الخراب مع “أم أحمد” التي صورها عارية لتستجيب لطلباته، وتكشف من خلال جزئيات ارتداد سابقة عن خراب يرتبط بالمدارس والإدارات التعليمية.

كل واحد من هؤلاء الرواة يريد أن يقول لنا، لماذا تمت عملية القتل، دون معرفة القاتل؟ وأن يجيب عن سؤال آخر، ظل موجودا في المخيلة أو في الهامش التأويلي، ويتحرك في بعض صفحات الرواية من الهامش إلى المتن، وهو لماذا قامت الثورة؟ خاصة في الجزأين الخاصين بالشيخ عثمان وكيل وزارة الأوقاف، ونبيل ابن صاحب “الجراج”، حيث تحول رجل الدين إلى بوق للسلطة مرددا ما تقوله هذه السلطة، متخطيا بعلاقته الخاصة بالسيدة الأولى من يسبقونه من مشايخ الأزهر. وتحوّل صاحب الحق -كما يروي نبيل ابن صاحب “الجراج”- إلى فقير يستجدي من سلبه حقه.

الرمزية والثورة

في تلقينا للأعمال الأدبية ربما تأتي جملة قد تكون مقصودة أو غير مقصودة، تجعلنا نعيد تلقي العمل مرة أخرى، وفق فهم لا يتنافى مع ما سبق، وإنما يتساوق معه ويعضده. ففي الجزئية الخاصة بالراوي، أم صابر زوجته، هناك إشارة إلى السنة التي تم فيها زواجها من عربي 1985، وهي السنة التي وقعت فيها حادثة الأمن المركزي الشهيرة.

الرواة المختارون بعناية يكشفون عن قصدية واعية، وعن ارتباط هذه الشرائح للوهلة الأولى بالبطل، وعن رغبة الكاتب في تعرية الواقع

هذه الجملة تجعلنا نعيد النظر في الرواية، وتجعلنا نقيم نوعا من التوازي بين بعض الشخصيات في الرواية والشخصيات الواقعية بالخارج المشدودة إليها بالضرورة، وتجعلنا نعيد النظر في الأسماء المقدمة للشخصيات في الرواية؛ فأم صابر هي الزوجة الصابرة على زوجها عربي المشدود إلى علاقات خارج هذا الإطار المقدس.

إن الرمز لا يجب أن يؤخذ بالضرورة على إطلاقه، ومن جميع جوانبه، وإنما يمكن أن يبرق فقط إلى دلالة جزئية ناجزة، فعربي في هذه الرواية يمكن أن يشير إلى الحاكم الذي أفسد كل شيء، وكذلك “أم صابر” -التي تحملته لسنوات طويلة- تشير إلى معنى أوسع، ودلالة أكبر، خاصة إذا استحضرنا لحظات التخلي في الآونة الأخيرة.

هل يمكن أن ترتبط عملية القتل دلاليا وعمليا بالثورة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، ولكنها يجب ان تستحضر شيئين، الأول يتمثل في النهاية المفتوحة للرواية، وإصرارها متعمدة على عدم الإشارة إلى القاتل أو اهتمامها بالبحث عنه، وكأن فعل القتل نهاية حتمية لذلك الفساد الذي مارسه ذلك البطل، وكذلك التغيير -حين يكون حقيقيا- يأتي من جميع الجهات، فلا تدري لسطوته وقوته من أي ناحية جاء ذلك الفعل، فكل الرواة في نطاق الاتهام باستثناء عدد قليل منهم.

الشيء الآخر الذي يجب استحضاره يتمثل في التوازي المستمر بين ما يحدث في الميدان، من خلال خداع الخطب التي تأتي على فترات والاتصال الذي يقوم به نبيل، وهو اسم لا يخلو من دلالة، مع زوجته -أي زوجة عربي- ومحاولة إعادته إلى البيت بدلا من “الجراج”، ورفضها وإصرارها على الرفض.

15