رواية المرئي

النصوص القصيرة المكتوبة عن معرض ما، تلك المطبوعة على ورق صقيل في كاتالوغ، يمكن دوما ألا تكون، وحين لا نقرأها تسديدا لذكاء النظر، قد لا نخسر بوصلة الطريق.
الأربعاء 2018/10/10
لأعمال جوريس كارل جويسمان طعم فريد

لم يكن جوريس كارل جويسمان مجرد روائي من موجة الواقعية المجتاحة لفرنسا أواخر القرن التاسع عشر، ما منح أعماله طعما فريدا، في زمن اكتسحه مشاهير من مثل: إميل زولا  وموباسان والأخوين غونكور، هو تولّعه الكبير بأعمال الانطباعيين وكتابته المطردة عنهم، وتضمين ذلك في أعماله. كان جزءا من حلقة “سيزان”، وقدم عشرات المعارض، وكتب نصوصا نقدية لافتة عن تجارب ولوحات ورموز فنية استثنائية.

في فقرات نصوصه النقدية المُصاغة برهافة وحساسية شديدتين، تتجلى تلك الكيمياء الخاصة لتحويل تحف من معدن وزيت وقماش إلى سرديات لفظية. العملية التي لا يتقنها إلا روائيون ومسرحيون وقصاصون كبار، من تولستوي إلى جان جينيه، ومن عبدالرحمن منيف إلى سعدالله ونوس.

فالنصوص القصيرة المكتوبة عن معرض ما، تلك المطبوعة على ورق صقيل في كاتالوغ، يمكن دوما ألا تكون، وحين لا نقرأها تسديدا لذكاء النظر، قد لا نخسر بوصلة الطريق، مرات كثيرة أتمثلها كحاجز، لا كترجمة، فلهذه الأخيرة قواعد وحدود بين اللغات، إذ وضع احتمالات للمفردات المتراسلة يستدرج المعنى كي لا يتخطى القصد، بينما ينبهق وجود هذه النصوص المعبورة بحساب الألوان والظلال، المأخوذة بكيل القيراط، بوصفه اختصارا لمساحات الأسئلة، ونبذا لغلالات الحيرة والقلق.

قد نقرأ المقاطع برغبة تخطي العمى العابر، وأحيانا بتطلع إلى سبر قرار الحكاية، فتتجلى مقاطع الكاتالوغ باعتبارها جسورا هادية لرشد في التأمل والتفكير، بصدد صور خرساء، موضوعة هناك، تسعى دوما لتجاوز المرئي، وصياغة معنى قد يجاور اللوحات والمنحوتات والتركيبات إنما دون سعي لشرح شيء بذاته يتمثل بوضوح الضرورة.

في هذا المقام تحديدا أجدني أفكر في تجريد تلك النصوص من المجاز والاستعارة والتشبيه، أي أن تبقى في مساقات المباشرة الصاعقة، أو “البلاغة السرية” (بتعبير ستيفن أولمان) التي ينهض فيها السرد بديلا عن وصف عاجز، هل يبقى بمقدور قارئ الكلمات أن يتابع نصا عن مرئي طبقاته تخترق العين وتضاعف شحنات الكلام المكتوم، وهو يستثني مناورات اللاتحديد؟

أعتقد أن الأمر سينتهي إلى فشل ذريع؛ لهذا كنت دوما منحازا للنصوص التي تبقي على رهان بسيط تمثيلي وغير ادعائي، تلك التي تستطيع أن تكون مجرد توصيف سردي، تقول ما يوجد وما يستعصي على الناظر أن يقوله بلغة لها مأرب قريب؛ أي أن تسرد تفاصيل موضوع وظلال وضياء وألوان، وشخص تناول أداة وسندا ليمثل الشيء. من هنا اعتقدت باستمرار أن أفضل نصوص الكاتالوغات هي التي كتبها روائيون، مأخوذون بطبقات الظاهر والمخفي.

15