رواية الوقائع الغريبة في حياة قرية لبنانية نائية

تتيح الرواية لكاتبها اكتشاف الهوامش وأماكن التماس سواء جغرافياً أو اجتماعياً، وتلمس حساسية المناطق التي مازالت هويتها الشعبيّة هشّة نتيجة متغيرات العصر وتسارع الأحداث من حولها وعجزها عن مواكبة ما يحصل، لنشهد الصراع بين بيئتها الشعبيّة وبين ما يجتاحها من الخارج، ما يهدد العلاقات ضمن هذه البيئات المغلقة نوعا ما مخلخلاً اتزانها، ليقع بعض أفرادها ضحيّة الذهول من هذا الغريب الذي يتغلغل في تفاصيلهم وعاداتهم، لتشتد التناقضات مولّدة صراعات تهدف إلى التدمير لا إلى البناء في سبيل خلق بنية جديدة من العلاقات.
الثلاثاء 2017/05/16
بنى محكمة ومتناقضة بشدة (لوحة للفنان بابلو بيكاسو)

صدرت هذا العام للكاتب والصحافي اللبناني سمير يوسف روايته الأولى “حروق الثلج”، وفيها نقرأ حكاية العسكري جوزيف، الشاب الذي تشتعل الشهوة في جسده بصورة دائمة، مدمناً الأفلام الإباحيّة التي تدمر حياته الاجتماعية وعلاقته مع خطيبته، إلى جانب التداعيات النفسية لهذا الإدمان، لينتهي به الأمر ذليلاً مكسور الخاطر إثر تورّطه في علاقة غرامية مع بائعة هوى تحوله إلى أضحوكة، ليقع في صدمة إثر تهشم الصورة المتخيلة التي تقدمها له الأفلام الإباحية بالرغم من إدراكه أن ما يحصل على الشاشة هو “تمثيل” وصناعة تجاريّة.

قرية منسية

ترسم الرواية الصادرة عن دار الساقي معالم قرية حدودية بين لبنان وسوريا، وضعية الهامش هذه في الشمال اللبناني تجعلها مسرحاً للتناقضات بين ما هو طارئ وما هو محليّ، فهي تشهد عمليات التهريب إلى جانب الزوار الفرنسيين، فيها السكان الأصليون وفيها المقيمون سواء لاجئون أو أجانب.

وهي أيضاً على حدود الحرب مع سوريا كما يسميها الكاتب، وتحوي البيئة العسكرية الذكورية إلى جانب بيئة الأسرة التقليديّة، هذه التقسيمات مطلقة، إما شرّ مطلق وإما خير مطلق، لا مناطق وسطيّة، هناك بنى محكمة ومتناقضة بشدّة؛ فإلى جانب بيت البغاء الذي يرتاده العسكر هناك منزل الأسرة الحميمي. هذه التناقضات تنعكس على الجوانب الجنسيّة أيضا، فإدمان جوزيف على فضاءات الجنس الإباحية التي يعيشها له نقيضه المتمثل في خطيبته المتمسكة بعفتها وعلاقات القوى الأسريّة التي تحافظ على هذه العفة، وتأتي الرواية لترصد طبيعة التحوّلات التي يمر بها جوزيف إثر خضوعه لهذه التناقضات التي تنتهي بانهياره إثر تأرجحه بين أقصى نقيضين، إلى درجة فقدانه الإدراك “الطبيعي”، ليتحول إلى ضحية لسناريوهات فانتازيّة تفصله عن الواقع.

يبدأ تورّط جوزيف في الأفلام الإباحيّة عبر المشاهدة فقط، ثم يتحول إلى نوع من الإدمان والاستمناء اليومي، ليزور بعدها الماخور المعروف في القرية، ثم يقع في غرام ليلى التي تشابه أولئك اللاتي يراهنّ في الأفلام لتحضر بعدها في فانتازماته اليومية إلى جانب بحثه عنها في أجساد الممثلات الإباحيات على الشاشة أمامه، إلى أن تظهر أمامه ماريا الفرنسية التي يعيش معها مغامرة جنسيّة لبضعة أيام يكتشف فيها عمق إدمانه، ما يتسبب في تدهور علاقته مع خطيبته منال، خصوصاً أن ماريا تكتشف حقيقة إدمان جوزيف وتبتعد عنه بل تنصحه بالعلاج من هذا “الداء” الذي يدمّر حياته. وحتى حين تسأله عن فانتازماته الجنسيّة نراه يتلعثم ولا يجيبها، ففرصة الحوار “الصحي” عن الجنس غير موجودة، وكأنه لا يمكن الحديث عنه، مع أنه من المفترض انفتاحه على هذه الجوانب السريّة بوصفه غريباً متحرراً.

الروائي أشبه بمن يشفر التفاصيل مرسخا الصورة النمطية الإباحية بوصفها تلتهم عقل من يقارب هذا العالم

التجربة الثانية التي يخوضها جوزيف تتمثل في ليلى التي ينالها أخيراً إذ يتورط معها لبضعة أيام، محققاً معها كل فانتازماته الجنسيّة، كل ما رآه على الشاشة أمامه من ضرب ولطم يحضر في غرفتها، لتتحول ليلى إلى مجرد أداة. إلا أن ليلى ذاتها ليست ضحية، فغموض تاريخها الشخصي يكشف أن جوزيف تورّط بما لم يكن له حسبان، إذ ينقلب ضده الفانتازم الذي يراوده باغتصابها، فتسرق مسدسه وتهدده وتلتقط له صورا خلاعية ترسلها إلى خطيبته السابقة، فينتهي به الأمر بعد ذلك بالهرب من الماخور ذليلاً، لتصدمنا الرواية بنهاية طفوليّة مرتبطة بالبيئة التقليديّة للأسرة، فبعد انهياره نراه يعتذر لخطيبته السابقة ويطلب منها السماح ليعود إلى بيته محطماً الكمبيوتر ليغفو في حضن أمّه.

الآخر الشيطانيّ

تخلق الرواية تناقضين شديدي البعد، بين الشعبي البسيط المستقر وبين الآخر الشيطاني بكل أشكاله، ما يطرح تساؤلات حقيقية حول خيارات الروائي والتنميط السطحي الذي اتبعه، فالبغايا هن سوريات والقائمة على الماخور سوريّة، والجنس سهل التحصيل يكون مع الفرنسيّة بوصفها عاهرة حسب تعبير صديقه، والتي أيضاً لها علاقة مع مصطفى. ومهربو الأعضاء البشريّة سوريون، ومرتادا الماخور هما أحمد ومصطفى، حتى إدمان الأفلام الإباحية على أهمية هذا الموضوع نراه يتحول إلى صيغة وعظية أحيانا، فالجوانب الإباحية التي يتطرق إليها يوسف لا تتعمق في تحليل “الظاهرة الإباحيّة” بل تنتصر للمنطق الذكوري وتحافظ على التابو الجنسي، إذ لا علاقة “جنسيّة صحيّة” في الرواية.

والإباحية بالرغم من قدرتها على تحرير الجنس من “حرمته” نراها تتحول إلى غول، بلا تفاصيل واضحة، ليكون الروائي أشبه بمن يشفّر التفاصيل مرسخاً الصورة النمطية الإباحيّة بوصفها تلتهم عقل من يقارب هذا العالم.

على النقيض نرى حضوراً للآخر الملائكيّ، يتمثل في قصة البيت الفرنسي وصاحبه مطانيوس غريب وسكانه الذين يتمتعون بجمال الطبيعة والشامبانيا، هم أشبه بكتلة منفصلة عن الرواية تمثل الآخر الوديع، الصيغة “الصالحة” للغرباء بوصفهم صامتين محبيّن للحياة لا يقتربون من أحد، وكأن كلّ غريب متورط في الجنس يعني الخراب لنظام القرية الذكوري.

14