رواية تأخذنا إلى أعماق المجتمع الفلسطيني وتنتصر للمرأة

لشدّ ما تُعتبر النميمة مِن التقنيات السرديّة الجذّابة والأكثر إمتاعا، إذ تحقق المتعة للقارئ كمتلصص وحافظ لسرّ ما في آن، هي حكاية في أبسط أشكالها، تنتقل بالتواتر وتتبادلها الألسن والأفواه، مؤكدة انتصار الحكاية على لسان راويها، بوصفه متورطا في الحدث وناقلا لمجرياته من وجهة نظره، ليتداخل فيها التاريخي مع التأويل الذاتي والمتخيل الخرافي.
الثلاثاء 2015/09/22
محمود شقير يرسم ملامح الانقلاب السياسي والاجتماعي والديمغرافي الذي مرت به فلسطين

في روايته “مديح لنساء العائلة” الصادرة عن دار هاشيت أنطوان- نوفل، يكتب الفلسطيني محمود شقير سيرة عشيرة العبداللات التي شهد أفرادها الاحتلال الإسرائيلي والصراع معه. نقرأ الحكاية على ألسنة من عاشوها، لتكون الأحداث والحكايات التي مرّت بها العشيرة والراوي الرئيسي “محمد الأصغر” أشبه بانعكاسات متخيّلة ضمن الفضاء السردي لكنها تقوم على أساس تاريخيّ، فكلّ من يشارك في الحدث يقدّم وجهة نظره، وتعدد هذه “الألسنة” يَجعل الأحداث تتراوح بين حقيقتين، السرديّة والتاريخيّة، فما يحدث له وجهان، وتلعب الـ“نميمة” واختلاف وجهة نظر كل راوٍ من الرواة دورا بجعل الأحداث تفقد قيمتها ما لم يتم (حَكيها)، لنرى تداخل اللهجات بين العامية والفصحى، على ألسنة سلسلة من الشخصيات، كل منها يمتلك رؤيته ومنطقه الخاص و“يحكي” الحدث بما ينطوي تحت هذا المنطق، لنقرأ عوالم مختلفة كل منها يمثل جزءا من الحكاية بتبريرات مختلفة، ليحضر الجان والسحر الشعبي إلى جانب التغيرات السياسيّة والاجتماعية، لتكون الحكايات هي الانعكاسات، والشخوص بمثابة المرايا، فكل من يحكي يعكس طبيعته.

كما يتعرض محمود شقير إلى جانب التغيّرات السياسية والاجتماعية إلى سيرة عشيرة العبداللات التي تفكّكت وضاعت سطوتها إثر الصراعات المختلفة سواء مع العدو أو مع متغيرات العصر الجديدة وهجرة أبنائها ورحيلهم.

تغيرات اجتماعية

ترسم “مديح لنساء العائلة” ملامح الانقلاب السياسي والاجتماعي والديمغرافي الذي مرت به فلسطين، وتراجع النظام العشائري ودخول المفاهيم السياسية الجديدة والأحزاب وتوجهاتها إلى جانب العلاقة مع الآخر (الإسرائيلي العدو)، هذه المفاهيم الجديدة جعلت وصية الأب تكمن في حفظ العشيرة، والإبقاء على المفاهيم الـ“لامدنيّة” بوصفها جزءا من الهوية، وهذا ما يجعل محمد الأصغر ينافس أفراد العائلة ويسعى إلى إيجاد السبل للحفاظ على هذا النسب إضافة إلى حفظ سيرة هذه السلالة.

"مديح لنساء العائلة" رواية تدمج التاريخ مع الخيال

يلعب التدوين دورا هاما في “الحكاية” بوصفه عنصرا أساسيا، لذا ففعل الكتابة هو استمرار للسلالة في التاريخ، وإعادة تشكيل للشفهي كنصوص قصد جعله أكثر تاريخيّة وحضورا، بحيث تنتصر الكتابة على النميمة بوصفها تستبيح الحكاية وتجعلها عرضة للتغيير والتعديل، وكأن التاريخ الشفهي محكوم بٍطغيان التخييل على حساب الواقع، لتبقى الكتابة بوصفها أساس الوثيقة ذات المرجعية، لكن حتى هذه الكتابة تخضع للتشكيك في إحالة مجازية لتدوين التاريخ، وخصوصا المرحلة الحساسة التي يتناولها الكاتب من تاريخ فلسطين.

فالراوي الأساسي محمد الأصغر يواجه مشكلات في الكتابة التي لا يجيدها كثيرا، لأنه موظف بيروقراطي، والتي تتحوّل فجأة من هواية أو حُلم يطارده مع الفرقة المسرحيّة التي التحق بها، بعد استقالته من عمله ككاتب في المحكمة الشرعيّة إلى واجب أخلاقي واجتماعي تجاه الأسرة ووصية الأب.

ما يجعلنا أيضا نشكّك حتى في ما يحدث، إذ نراه في الفصل الأخير يقول (محمد الأصغر) إنه اعتمد على الروايات من أصحابها وما يعرفه وشهده من أحداث، ليجعلنا نشكك في مفهوم كتابة التاريخ بوصفه يخضع أحيانا لظروف من يقوم بالتدوين واختيار وانتقاء الأحداث وتحويلها من “وقائع” إلى “تاريخ”، وهل يمكن أن ينسحب ذلك على كافة الحكايات والوثائق التاريخيّة من هذا النوع وخصوصا في ما يتعلق بفلسطين وتدوين تاريخها كـ“تاريخ” أو كـ“تخييل”.

انتصار الأنثى

عنوان الرواية في حدّ ذاته يناصر المرأة ودورها في الرواية، بوصفها تقوم بفعل النميمة، وهي التي تعرف التواريخ ودواخل الأمور، وكأننا أمام محاكمة للعقلية العشائرية التي تنحوها “المرأة”، إذ نراها في رواية شقير حاضرة وتساهم في التغيير بل ونراها أول من يقف في وجه التقاليد، كما أن النميمة التي تشتهر بها النساء هي التي تشكل ملامح التقنية السردية، إلى جانب دفاع الراوي ووقوفه إلى جانب “نساء العائلة” حيث طالب أباه بذكرهن في شجرة العائلة.

حضور المرأة في الرواية يداعب مشاعر القارئ، فالحنين لهويات مفقودة، يعادله وجود المرأة بوصفها الحضن الدافئ

حضور المرأة في الرواية يداعب مشاعر القارئ، فالحنين لهويات مفقودة بسبب الاحتلال والمنافي، تعادله المرأة بوصفها الحضن الدافئ، تلك النوستالجيا للوطن الضائع “فلسطين”، وكأن نساء العائلة يحاولن تعويضها أو التخفيف منها، بالرغم من نزواتهن وثرثرتهن المعهودة، وحتى عطوان المسافر والذي يعيش في البرازيل نراه يبقي على أنثى له في دياره، بالرغم من أنه تزوج من برازيلية غيرها.

الوطن والأنثى حاضران دوما ولو ضمن رسالة أو نص، القطعية النهائية معه/ معهن لا يمكن تحقيقها بوصفهما جزءا من الهوية والانتماء، وخصوصا في ظل تعدد المنافي والهجرات، واختلاف الموقف عن الآخر -عدوا أو حليفا- ومحاولة الحفاظ على الهوية الماضية، فالتغيّرات التي مرّت بها العشيرة تختزل المجتمع الفلسطيني وما شهده من إعادة صياغة لتركيبته وفق هويات جديدة تَحكمها علاقة “أنا فلسطيني والآخر عدوّ”، إلى جانب الحروب التي شهدتها المنقطة مع العدو الإسرائيلي ودورها في صياغة الحكايات وتغلغلها في أدق التفاصيل المرتبطة بالشخصيات.

14