رواية تؤكد أن قطر لم تقرأ دليل استعمال "كأس العالم"

الثلاثاء 2014/04/29
غبريال مليكة أثناء توقيع روايته "قطرينا"

باريس- بعد روايته الأولى “أجمل النوايا الممكنة” التي صوّر فيها تحوّل دبي في ظرف نصف قرن من ميناء صيد بسيط إلى قطب دولي كبير، أصدر الفرنسي غبريال مليكة رواية جديدة بعنوان “قطرينا” تدور أحداثها هي أيضا في منطقة الخليج العربي التي استقر بها منذ عشر سنوات، ولكن في زمن قادم سوف تكون فيها دويلة “قرابيا” محط أنظار العالم.

الرواية إذن استباقية، ولكنها من جنس الديستوبيا، أي أنها لا تستشرف المستقبل بقدر ما هي تحذر من وقوع كارثة أو مأساة أو أحداث لم يحسب لها حساب. وأحداثها تدور في العام 2022، حيث تستعدّ دويلة “قرابيا” لتنظيم بطولة كأس العالم في لعبة كرة الحفرة hole-ball (وهي لعبة استنبطها الكاتب من خلال مطالعاته للكتب التي روت حياة المقاتلين في خنادق الحرب العالمية الأولى).

تسرد الرواية لقاء جون سامّربي الذي جاء لتدريس الفنون الجميلة بإحدى الكليات، بالحسناء قطرينا التي تشغل منصبا هاما بوزارة السياحة القرابية، لتنظيم معرض استثنائي يمجد الثقافة الوطنية، عهد لطلبة سامّربي بإعداده تمهيدا لذلك الحدث البارز.

ولكن مع تقدم الاستعدادات يجد البطلان نفسيهما في بؤرة لعبة خطرة لا يملكان قواعدها، في بلد موزع بين الحداثة والتطور، وبين احترام العادات والتقاليد، خصوصا ما كان منها متصلا بالعقيدة، يخالف الواقع فيه الخطاب الرسمي الداعي إلى الديمقراطية وتحرير المرأة وحقوق الإنسان وما إلى ذلك من شعارات.

وسرعان ما يكتشف البطلان أن القادم مرعب، فكيف لبلد صغير من حيث حجمه وعدد سكانه أن يفتح حضنه لاستقبال أعداد مهولة من الجماهير التي سوف تأتي حتما لتشجيع منتخباتها الوطنية.

كيف لبلد لا يملك ثقافة "كروية" ولا أندية عريقة ويستقدم لاعبي منتخبه من الخارج أن يحقق نتائج مشرفة

وكيف لمجتمع محافظ، رغم مظاهر التطوّر في البنى المعمارية والتحتية والوسائل التكنولوجية، أن يتكيف ولو لفترة وجيزة مع صنوف من البشر قد لا يلتزمون بشيء باعتبارهم سياحا عابرين، ولهم من الكثرة ما يجعل التصدّي لهم أمرا عسيرا.

وكيف لبلد لا يملك ثقافة “كروية” ولا أندية عريقة ولا جماهير متابعة يستقدم لاعبي منتخبه من الأمم الأخرى أن يحقق نتائج مشرفة، ويحظى باحترام أهل الميدان. وكيف لمدينة صغيرة أن تتسع لعشرة ملاعب قريبة من بعضها بعضا وتستقبل جموعا من البشر تتسم بالحماس والهستيريا قبل المباراة وبعدها. وكيف للمباريات أن تدور في جو قائظ يتراوح بين خمس وأربعين وخمسين درجة.

كل ذلك يقف عليه البطلان، مجتمعين أو مفترقين، على مدار رواية تصوّر بأسلوب يغلب عليه الهزل والسخرية أحيانا مجتمعا محافظا يتهيّب أهله ما قد يجلبه لهم هذا الحدث من ويلات، ويضعون فكرة تنظيمه موضع شك وتساؤل، وتكشف عمّن جرّهم جنون العظمة إلى الدوس على كل القيم الأخلاقية لتحقيق مطامحهم، سواء بسوء معاملة العمالة الأجنبية التي بذلت حياتها أحيانا لتشييد ملاعب عجيبة، أو بإجزال العطاء للاعبين يتعاطون المنشطات، وحتى بشراء الذمم لضمان حقوق تنظيم التظاهرة.

"قطرينا" تحذر من وقوع كارثة لم يحسب لها حساب

فقرابيا تملك سلاحا لا يصمد أمامه إلا ذوو النفوس الشريفة ألا وهو المال. ولكن المال وحده قد يقف عاجزا عن حل مشاكل ليس أقلها ما طرحته قطرينا حول مدى طاقة استيعاب الفنادق لجموع البشر الذين سيجتاحون بلدا لا تتجاوز مساحته جزيرة كورسيكا، وقدرة وزارتها وحتى حكومتها على التصدي للمشاكل التي تنجم في مثل هذه التظاهرات العالمية. والنتيجة المحتومة التي توحي بها الرواية هي الإخفاق الذريع الذي ستمنى به التظاهرة والهزة العنيفة التي سترجّ المجتمع القرابي، فضلا عن الهزات السياسية المحتملة.

لا ندري لماذا اختار الكاتب الأقنعة وتغيير الأسماء، فكل الدلائل تشير إلى أن قرابيا هي قطر، والمقطع الأول من اسم البطلة قطرينا يدعم ذلك، كما أن التظاهرة العالمية الكبرى التي ستقام في بلد خليجي عام 2022 يعلمها الجميع، وليس من لعبة شعبية في العالم تفوق كرة القدم. خصوصا وأنه يسمي الأشياء بأسمائها في أحاديثه وحواراته التي تلت صدور الكتاب.

فقد صرّح أن نية تأليفه بدأت يوم عهدت “الفيفا” لقطر بتنظيم كأس العالم لكرة القدم عام 2022، وتساءل عما إذا كان القطريون قادرين على النهوض بمثل هذا الحدث، وعما إذا كان ذلك مفيدا للعالم ولقطر نفسها. ليس بسبب الطقس القائظ وحده، بل لأسباب تتعلق بطبيعة هذا البلد. فالمشكل في نظر الكاتب هو بالدرجة الأولى اجتماعي ثقافي، لأن تنظيم كأس العالم ليس مجرد مسألة رياضية صرفة، بل هو حدث جلل، حمّال لجملة من الطقوس والممارسات التي لا يقبلها أهل البلد، ولا طاقة لهم على تحمل أعبائها.

يقول في هذا المضمار: “عادة ما تترافق كأس العالم لكرة القدم مع ظواهر ثلاث هي: تنقل جماهير المحبين والأنصار بأعداد غفيرة، استهلاك المشروبات الكحولية، والبغاء. ولا أحسب أن قطر قادرة على مواجهة تلك الظواهر. لقد تحدثت إلى بعض القطريين، ليس الشيوخ الذين يوقّعون الشيكات، بل أناس من الطبقة الوسطى، وقد عبروا لي عن عدم رغبتهم في هذه التظاهرة، بل إنهم يخشونها ويتهيّبونها ولا يأنسون في أنفسهم أيّ استعداد لتلقي تلك الجموع الغفيرة. والسنوات المتبقية لا تكفي لتغيير العادات والعقليات”.

النتيجة المحتومة التي توحي بها الرواية هي الإخفاق الذريع الذي ستمنى به تلك التظاهرة

ويتساءل: أين سيذهب الأنصار بعد انتهاء المباريات؟ هل سيزورون كلهم متحف الفن الإسلامي بالدوحة؟ ما موقف السلطات من البرازيليات اللاتي سيأتين كالعادة في ملابس تظهر أكثر مما تستر في بلد يقاوم أيّ مظهر من مظاهر العري بشراسة؟ هل سيكون الحضور غفيرا في الملاعب، وليس للهند ونيبال، أكبر مزود للعمالة، أدنى حظ في الترشح؟ ماذا ستفعل السلطات إذا لم يجد الأنصار غرفا في الفنادق؟ هل ستنصب لهم مخيمات كاللاجئين؟ “كل ذلك يقيم الدليل على أن قطر عندما اشترت بضاعة كأس العالم لم تقرأ دليل الاستعمال”.

وفي رأي غبريال مليكة أن القطريين يسعون بأيّ ثمن إلى تسجيل حضور لافت في الشرق الأوسط، لأن قوة الجار السعودي يثير حفيظتهم، وبهاء دبي يزعجهم، وفي تنظيم كأس العالم فرصة لكي يعرفهم العالم بشيء آخر غير أنابيب الغاز. ويذكر بأن الشيخة موزة عندما توجهت إلى “الفيفا” كانت تتمنى تنظيم دورة كبرى في الوطن العربي، أي أن تتمّ المباريات في ملاعب دبي وأبو ظبي والبحرين ومسقط وليس في الدوحة وحدها.

فالاختيار في نظره خاطئ، لأن قطر كان يمكن أن تبرز من خلال التربية والثقافة كما هو الشأن في إنشاء المركز الثقافي الإسلامي الذي يعدّه أعجوبة من أعاجيب هذا العصر، وأن تساهم في خلق دينامية جديدة داخل الوطن العربي، ولكنها أساءت كثيرا إلى أجوارها بسبب دبلوماسيتها المتهافتة، وسوف تسيء أكثر إلى نفسها بتنظيم كأس العالم. وهو ما يؤلمه هو أيضا. للتذكير يهدي غبريال مليكة كتابه هذا إلى كل من يعمل من أجل ازدهار الثقافة العربية الإسلامية.

15