رواية تتساءل: مادام الله واحدا فلماذا إذن تتصارع الأديان

تعددت الأساطير في حياة الشعوب على مر التاريخ، ولكل أسطورة زمانها ومكانها وأبطالها وحكمتها، وتبقى العديد من الأعمال الروائية تستند كليا، أو جزئيا على الأسطورة في تناول موضوعات متنوعة تهدف إلى إبراز مساوئ الحاضر، وذلك بجملة من إسقاطات الماضي، لنقد الواقع اليوم وبشاعته في ظل الحروب والاقتتال واستباحة الدماء والأعراض.
السبت 2016/07/16
بشاعة لا حد لها (لوحة للفنان فرانسيسكو دي جويا)

تعتبر رواية “رجل مُنصب”، للكاتب موريس فارحي، الذي لم يترجم له أي عمل إلى اللغة العربية، أهم تتويج لتجربته، ليس في الكتابة وحدها بل في الحياة وفلسفتها، حيث يقدّم لنا توليفة ساحرة للتعايش والتعددية اللذين لا تكون الحياة دونهما حياة. ويحتاج قارئ هذه الرواية إلى ثقافة عالية لفهمها لأن موريس فارحي يصوغها، بشكل متميز، إذ يمزج فيها بين فكرة الحرب والسلم لدى تولستوي وأسلوب آيسوب الساحر وصدى بن أوكني.

الأسطورة والخيال

تعتمد الرواية، الصادرة باللغة العربية، عن دار “دال للنشر والتوزيع”، ومن ترجمة محمد حبيب، في أجزاء كثيرة منها على الأسطورة والخيال، وتدور معظم أحداثها في جزيرة مُتخيلة اسمها إسكيندير وهذه التسمية تعني المُدافع عن البشرية وسُميت على اسم الإسكندر الأكبر، وهي جزيرة أسطورية.

وحسب الأسطورة فإن الله عندما سعى إلى معاقبة الشيطان حاول الشيطان أن يُثبت أنه بريء فبصق الشر من صدره إلى البحر، خادعت تلك البصقة الله وأنقذت حياة الشيطان، فما كان من الشيطان كنوع نادر من رد الجميل إلا أن حول بصقته تلك إلى جزيرة إسكيندير، وهي أراض أو فرق معزولة كما هي حالنا اليوم، وبالطريقة التي لا نزال نستنهض فيها الشر في نفوسنا بواسطة الحزازات التي بيننا.

فارحي يؤمن بأن الإنسان يجب أن يستمر في الحياة كي يحقق على الأقل شيئا جديرا بالاحترام وقد يستغرق ذلك حياة كاملة

ويقول فارحي، مُلخصا فلسفته في الحياة “نولد وأرواحنا عامرة بالخير، كل الخير، وعلى الرغم من ذلك نمضي الردح الأكبر من حياتنا ونحن نحاول قتل الخير فينا، لهذا السبب يبقى سؤال الإنسانية الأبدي: لماذا؟ وكيف نتعامى عن وجود الخير فينا؟ لماذا نحتضن الأنبياء المنافقين الذين يغسلون أدمغتنا بالنبوءات والنظريات اللاإنسانية؟ لماذا نزدري الشرف والوطنية والدين بتحريفها وتوظيفها كمسوغ للقتل؟ لماذا نُبجل بل نكاد نعبد الموت بدلا من تبجيل الحياة؟ ولماذا نرفض الحب الذي هو العلاج السحري الوحيد الذي يضمن السلام والرحمة والحياة الإنسانية الرحبة للعائلة الإنسانية جمعاء؟”.

تمثل جزيرة إسكيندير عالمنا الأرضي وتاريخ هذا العالم الذي يعتبره الكاتب تاريخ الدم، بل يكتب صراحة “التاريخ هو الدم. والقوة تعني تكريس الموت”، ويقول “إن الجنس البشري يحتاج إلى أن يوقف حالة الفوضى التي تحكم حياته ويحتاج إلى سبب جدير بالموت لأجله وهو سعيد، يحتاج فقط إلى سبب للموت الذي يمنحه الكرامة ويُبعد عنه المذلة والهوان، وهل هناك أفضل من الشرف حافظا للكرامة الإنسانية؟”. وينبثق السؤال الرائع من قلب الرواية “إذا كان هنالك إله واحد وهو الحقيقة فلماذا تتصارع الأديان؟ ولماذا يدعي كل منها أن إلهه هو الأعلى؟”.

رواية الإنسانية التي تاهت في الحروب

تخضع الجزيرة المُتخيلة إسكيندير- التي تمثل عالمنا – لقوانين معينة وهذا القانون يتكئ على مفهوم جامد للشرف، ويمجد الثأر كقيمة مُطلقة، وبقي قانون الثأر “ساريا بين الناس ومات بسببه الشبان والرجال وهم ضحايا انتقامات لا تنتهي وأحقاد تتوالد لتحصد المزيد والمزيد من الأرواح، حتى أن القانون في هذه الجزيرة المُتخيلة يسمح للنساء أيضا بأن يُنصبن صاحبات ثأر، وكل امرأة توافق على التنصيب يجب أن تمحو كل أثر لأنوثتها، بعد أن يصير انتماؤها إلى عالم الرجال”.

وتبرز مواطن الإبداع في الرواية في أن موريس فارحي يجعل الراوية لكل الأحداث المتشابكة امرأة اسمها كوكونا وهي مُدرسة مُتقاعدة كرست حياتها لمقاومة قانون الثأر وتجمعها الظروف بإحدى أهم شخصيات الرواية وهي أوسيب الذي عاش في أتون حرب أهلية، ويكون زوج كوكونا قزما يوفر لها الحماية من المنتقمين وقد أطلقت عليه اسم ديف ومعنى تلك الكلمة في اللغة التركية العملاق.

أسئلة وجودية

يضعنا فارحي في سياق الأحداث الشيقة والتي لا مجال لذكرها بالتفصيل بسبب طول الرواية (525 صفحة) أمام أسئلة وجودية هامة مثل: أين يجد الناس الطاقة ليتقاتلوا أربعين عاما أو أكثر؟ ويجيب بأن السبب هو الكراهية التي هي الخبز اليومي للمتقاتلين ولكن فارحي يؤمن بأن الإنسان يجب أن يستمر في الحياة كي يحقق على الأقل شيئا “جديرا” بالاحترام، وقد يستغرق ذلك حياة كاملة وبرأيه أن الحب هو المبتدى وسدرة المنتهى وما بينهما رحلة طويلة ينبغي أن نتحملها.

أبدع فارحي في تحليل حالة أو قانون الثأر فيقول “لا شرف في الثأر وإن غاية قانون الثأر أن تبقى الشعوب مُتخلفة ويسيطر عليها أمراء الحروب وتجارها الذين يدفعون الشباب إلى الاقتتال والموت في سبيل قضايا مُنافقة لا يستفيد منها إلا تجار الحروب”.

وهذا ينطبق على عالمنا الحالي وعلى التاريخ البشري، ويغسلون أدمغة الشبان بمفاهيم وقيم مضللة كي يقاتلوا بلا رحمة عندما تُمس مُقدساتهم. ونبلغ الحكمة في الرواية حين يقول فارحي على لسان أحد أبطاله “ليس أمامنا سوى خيار واحد في هذا الوجود هو أن نحافظ على إيماننا في الحياة”، وأخيرا أحب أن أختم بالإهداء الذي كتبه موريس فارحي في روايته “إلى الأنوثة النعمة الوحيدة التي ستنقذ العالم من ناسه المدججين بالسلاح”.

لماذا نرفض الحب الذي هو العلاج السحري الوحيد الذي يضمن السلام والرحمة والحياة الإنسانية الرحبة للعائلة الإنسانية جمعاء

وموريس فارحي كاتب تركي بريطاني يكتب باللغة الإنكليزية وهو من أصل يهودي ومن أهم رواياته “الصبي التركي”، كما أصدر ديوان شعر بعنوان “أصوات في تابوت”، وأمضى فارحي ردحا كبيرا من حياته (25 سنة) كناشط بين صفوف الكتاب الإنكليزيين في منظمة القلم العالمية في لجنة الكتاب السجناء لصالح الكتاب المسجونين والمضطهدين وهو الآن عضو في الجمعية الملكية للأدب والجمعية الملكية الجغرافية. وأقدم هذه المعلومات لأن فارحي غير معروف في عالمنا العربي.

أما المترجم محمد حبيب فقد ترجم أعمالا مهمة منها رواية “العمى” لساراماغو والذي دفع تسع سنين من حياته في السجن بتهمة الدفاع عن حقوق الإنسان، وهنا نذكر إهداءه أيضا، الذي لا يقل أهمية عن إهداء الكاتب “إلى السوريين الذين فقدوا ما فقدوه في السنوات الخمس الماضية”.

رواية “رجل مُنصب” هي رواية الإنسانية التي تاهت في الحروب وسفك الدماء وقانون الثأر والأحقاد، وتصارعت أجيال تحت شعار الدين وتم القتل باسم الله، مع أن الله واحد. رواية صعبة وممتعة وتحتاج في الواقع إلى ثقافة واسعة في الأدب والتاريخ معا.
14