رواية تجوب أروقة النساء وتبحث عن منافذ للخروج من الانكسارات

الثلاثاء 2014/07/08
نغم حيدر ترسم ملامح امرأة صامدة تحاول تزيين حياتها على ابتذالها

دمشق - في روايتها الأولى الموسومة بـ”مرّة”، تقدم الكاتبة السورية، المقيمة في ساو باولو، نغم حيدر قصة عزيزة التي تنهار ببطء أمام وطأة المجتمع، والرجل أساس حياتها. “مرّة” هي رواية حيدر الأولى الصادرة عن دار “الآداب” (2014)، هي جزء من محترف نجوى بركات لكتابة الرواية.

حياة البطلة "عزيزة" غنية بالتفاصيل، هي ربة منزل منهمكة في شؤونها المنزلية وتلعب دورها كأم وابنة وزوجة بإتقان، علاقتها مع الآخر قائمة على المصالحات، فلا أحد يكرهها ولا تكره أحدا، حتى أنها أصبحت صديقة لضرّتها “نور” ولم تتغير مشاعرها تجاه زوجها سعد بتاتا، بل ازدادت حبا له وغرقا في تفاصيله، لتعكس دور المرأة المتفانية تجاه منزلها وزوجها.


قصة مأساوية


لا يغيب عن القراء أن قصة عزيزة مأساوية مرسومة بدقة، فالتفاصيل تبنى بشعرية لتحفز مخيلة القارئ وتزيد ارتباطه وتورطه مع شخص عزيزة، فهو يتعاطف مع مأساتها بل حتى يصل شعوره إلى حدّ الشفقة أمام صورة امرأة عاجزة.

كما يرفض القارئ حضور “سعد” الذكر، الذي لا يُستدعى ضمن فضاء الأحداث إلا قليلا، فهو الذكر الغائب، نتعرف عليه عبر تفاصيل ترويها عزيزة بصوتها، لا نسمع كلماته إلا قليلا، شعرية الغياب التي تحدد ملامح “سعد” تجعل وجوده في الرواية أٌقرب إلى الحضور السحري، إذ لا يهم شكله وسلوكه ولغته، بل وجوده الذي يعيد ترتيب تفاصيل حياة عزيزة.

علاقة عزيزة مع سعد متوترة، تخلو من الأحداث المهمة، فهي تنساب برقة دون أيّة مقاومة أو نزاعات، إلا أن تحوّل عزيزة إلى ضرّة دفعها إلى طرح التساؤلات حول جسدها ولذتها بصورة خجولة، فحتى جسدها الذي تدّعي أنها متصالحة معه يصاب بتقيحات والتهابات.

هذا الجسد الذي كان من المفترض أن تأسر به زوجها سعد، لم يعد مهما. تصيب عزيزة حالةٌ أقرب إلى أحلام اليقظة تمتد إلى الذهان، فهي تعيش فضاءين، الواقعي كما هو موجود والآخر المتخيل الذي ترسمه في عقلها، بالإضافة إلى أن الإغراق في أحلام اليقظة كملاذ لها، حيث تتجرأ ضمنها على البوح بحقيقة معاناتها.

لا يلعب الذكر دورا فاعلا، فهو معطى إضافي في الرواية، يدفع الحبكة بغيابه


لعبة المرايا


تقدّم “مرّة” نماذج لنساء مهدورات، فحياة كل منهن تتسرب بسرعة لتفقد فيها الأنثى ألقها وتضيع في رحلة البحث عن الذكر أو الحفاظ عليه، أو حتى العيش على ذكراه، فالذكر عنصر أساسي لا يمكن الاستغناء عنه وإلا تصاب الأنثى بالذبول فتتحنط، أشبه بوالدة عزيزة، التي تسمع قصص ابنتها وآلامها دون تفاعل يذكر.

الأمر أشبه بمرايا كل منها يعكس نموذجا لامرأة تفقد ألقها تباعا غرقا في التفاصيل اليومية، فهي تخبو بالتدريج، فالرواية ترسم ملامح الأنثى المسحوقة التي يسيطر عليها المجتمع الذكوري دون أيّة رغبة تذكر في التمرد، برغم الإهانات التي تلقاها من سعد ومن زوجته الشابة التي تصل بهذه الأخيرة إلى حدّ التمرغ في سرير الزوجية الخاص بعزيزة.


عطالة الذكر


لا يلعب الذكر في الرواية دورا فاعلا، فهو معطى إضافي في الرواية، يدفع الحبكة لا بحضوره، بل بغيابه، غياباته المتكررة هي التي تدفع عزيزة إلى التحرك وتحديد علاقتها مع المحيط ومع الآخر، سواء كان أنثى عبر وجودها كندّ أحيانا أو كمدعاة للشفقة، أو الآخر كذكر، بوصفه محرما، بعيدا عن المنال.

أما ذاك الموجود على التلفاز وما تراه عزيزة من غراميات وقصص حب فهو ينتمي إلى الخيال لا إلى الواقع، يمكن استدعاؤه بالأحلام أو الضياع في الفانتازيات التي لا يمكن أن تطبق واقعا.

الإغراق في أحلام اليقظة ملاذ المرأة العاجزة

حضور سعد في المنزل كان مترددا، متغيرا، بالرغم من انتظامه، حتى حين أقام في المنزل بسبب مرضه بالزكام، كان لوجوده سحر جعل عزيزة تتوسل ولو مجازيا لبقائه، فهي عاجزة بدونه، حتى لو اقتصر وجوده على الاستلقاء فقط، الاستلقاء الذي كان سببه عدم رغبته في نقل العدوى إلى زوجته الجديدة، شعور بالغيظ يملأ القارئ حين يشاهد تصرفات سعد والغضب تجاه عزيزة التي لا تقوى على فعل أيّ شيء، فهي تكثيف للأنثى الشرقية الخانعة البعيدة كل البعد عن التحرر والصدح بصوتها بوجه كل ما هو ذكوري يغتال أنوثتها جسدا وصوتا وحضورا.


الجسد المهجور


العلاقة مع الجسد في رواية “مرّة” قائمة على التعليب ثم الإهمال، فالتفاصيل الحميمية التي تحافظ على ألق الجسد مهمّشة ويُلجأ للمواربة عند الحديث عنها، فعزيزة تنسى جسدها وتبتعد عنه، فنراه يتحنّط تباعا، حيث يذوي ويبقى في صيغته الوظيفية مبتعدا عن حمل اللذة ومتعة الاستكشاف الجسدي المستمرّة.

نور ضرّة عزيزة التي تحتفي بنفسها وبجسدها تتألق أمام سعد لا بدّ أن تذوي مع الزمن لأنها نسخة من عزيزة لكن في زمن مختلف، الزمن الذي كانت به عزيزة في عمرها، وكأن دوامة القهر تمتد لتشمل الجميع.

أيّة أنثى هي مشروع لاستغلال الذكر وعنجهيته التي لا يستحي منها، بل يتفاخر بها ويستعرضها دون أن يكون للأنثى ردّ فعل يذكر، فالأنثى -عزيزة- تسلّم للأقصى بتصرفات الذكر سعد دون أيّة مواجهة، حتى عرسه وإسكانه لزوجته الجديدة في الشقة المقابلة لشقتها لم يثر حفيظتها، بل دفعها إلى الدخول في دوامة من الهذيان المتعلقة بليلته الأولى مع نور، مع ذلك لم تتوان عن القيام بواجباتها تجاهه وتجاه نور التي تتعامل معها كابنتها الصغيرة وتسمح لها بزيارتها واستلاب ذكرياتها مع سعد بتصرفاتها الطفولية.

هي الهزيمة التي تحكم على عزيزة بالخضوع دوما والعبودية قدرا، العبودية التي لا تميز عزيزة بينها وبين الإخلاص أو الحب أو الشغف.

15