رواية تخلط الشعر بالنثر والقديم بالجديد

إن الأدب شأنه شأن الفنون الأخرى، مسار مبني على التراكم لا القطيعة، وهذا ما تبرزه الكثير من النصوص الأدبية التي استفادت من الموروث، وهنا لعبة خطرة للغاية بين كتابة النص الحديث والاشتغال على استنطاق الإرث بكل عناصره، وعلى هذا الحبل الدقيق مشى الكاتب التونسي المقيم بباريس أبوبكر العيادي في روايته “آخر الرعية” التي كتبت في تسعينات القرن الماضي.
الأربعاء 2017/12/27
الرعايا يصنعون الحكام المتسلطين (لوحة للفنان عماد أبوجرين)

إن اللافت للانتباه في التشكيل الفني لرواية الكاتب التونسي أبوبكر العيادي “آخر الرعية” اتصالها بروح السردية العربية القديمة، وانشداد بعض جوانبها سيميائيا إلى التراث الأدبي القديم، فمنذ بداية الحكي يفتتح المؤلف نصه بمقدمة استهلالية كلاسيكية، نحس عند قراءتها أننا نتابع استهلالا لإحدى مقدمات كتب الخطابة في النثر العربي القديم، أو يخيل إلينا أننا نقرأ سجع كُهان، لكن سرعان ما نجد أنفسنا إزاء نص يحاور أسلوب المعري في رسالة الغفران دون شروحه أو استطراداته.

فلغة هذه الرواية تسافر بك إلى التراث اللغوي للسرد العربي القديم، ويقتبس مؤلفها تضمينا وتناصا عدة صيغ من متون تراثية مختلفة؛ من القرآن، إلى كتب الخطابة، إلى المصنفات والرسائل الأدبية، إلى الشعر القديم، إلى النصوص الصوفية…

التجريب والتأصيل

بوب العيادي روايته، الصادرة أخيرا عن دار مسكلياني، إلى ثلاثة أقسام؛ باب أول بعنوان “الباش كاتب” وقد صدره بقول لابن خلدون “اعلم أن السيف والقلم، كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بهما على أمره”، وباب ثان بعنوان “الكبير الأعظم” وقد صدره بقول مأثور لابن المقفع ”إن الوحيد في نفسه والمنفرد برأيه حيثما كان، هو ضائع ولا ناصر له”.

الرواية تنخرط ضمن سياق التجريب الفني في الأدب، ذلك الذي شمل مختلف أجناس الكتابة في الإبداع العربي الحديث

وباب ثالث بعنوان “آخر الرعية” صدره بقول للكاتب الروسي ميخائيل “لا تظنن أن ذلك النهر تحت الجسر نائم”، ولعله بذلك يذكرنا بقول أبي القاسم الشابي في قصيدته “إلى طغاة العالم”، “حذار فتحت الرماد اللهيب”.

هذه العتبات تمثل عناصر نصية تساعدنا على استقراء الفضاء السردي في الرواية وإطاره التخييلي، وتؤكد صلة الكتابة من ناحية البناء الفني بذاكرتها الأدبية، وهو ما يدعم رأينا الذي ذهبنا إليه في إشارتنا إلى البنية اللغوية، وعلاقتها بالتراث السردي العربي القديم.

تنخرط هذه الرواية ضمن سياق التجريب الفني في الأدب، ذلك الذي شمل مختلف أجناس الكتابة في الإبداع العربي الحديث، وهو بناء فني يتناقض مع البنية الأدبية الكلاسيكية التي تقوم على الفصل بين الأنواع، منذ أرسطو ومن تلاه من تلامذته ومن نحا نحوهم.

رغم أن توظيف الشعر في الكتابة السردية والنثرية لم يكن حكرا على الرواية الحديثة، فقد سبقت حركة الإبداع العربية القديمة إلى الجمع بين هذين النوعين منذ رسالة الغفران لأبي العلاء وكتاب المقامات للهمذاني وغيرهما.

وقد أنتجت هذه البنية في الرواية تماهيا بين مستويات الخطاب رغم تباينها، فإذا كان الشعر يرتبط بالغنائية فإن السرد يبني عالما دراميا، وبالجمع بين هذين النوعين في الكتابة يحاول المؤلف تشكيل ألفة سردية تجمع بين صورتين متنافرتين في الكتابة.

والنماذج الشعرية في الرواية كثيرة التواتر وهي متنوعة الحضور وتحيل على مصادر تراثية مختلفة، ويمكن تصنيفها إلى شواهد تقع الإحالة عليها سياقيا مثل الإشارة إلى أبيات شعرية للخنساء أو الشاعر الصوفي التراب السوسي، كذلك نجد حضورا لأبيات شعرية ينظمها المؤلف في شكل معارضات شعرية لشعراء مشهورين مثل أبي الطيب المتنبي، كما يوظف أبياتا شعرية عمودية أو على شاكلة الموشحات في غرض معين خدمة لنسق القص وطبيعة الحدث الروائي. وقد ساهم توظيف عدة مقاطع شعرية في الرواية في إنتاج صور متعددة للتناص مع مجموعة من النصوص الشعرية التراثية.

هذه الرواية تنتمي إلى فترة مهمة في تاريخ الرواية العربية، فبالعودة إلى تاريخ كتابتها، أي مرحلة التسعينات من القرن العشرين، نرى أنها تندرج ضمن تيار تأصيل الرواية العربية ضمن إطارها المرجعي والثقافي والفكري وفصلها عن نظيرتها الرواية الغربية.

وإن قارئ الرواية لا يستطيع لأول وهلة استساغة بنيتها اللغوية، ولا يفهم علاقة اللغة المتوغلة في متون التراث بسياقنا الثقافي الراهن، فعادة ما يراهن كتاب الرواية المعاصرون على اللغة السهلة وسلاسة العبارة ووضوح الفكرة لشد أكثر عدد ممكن من القراء، أو ارتياد لغة شعرية توسع عوالم الخيال وتزيد طاقات الترميز.

تجربة فنية تقتبس من التراث والواقع وتثور عليهما

ولكن هذه الرواية لا تراهن على نفس المسار لدى عامة من ألفوا طرازا لغويا بعينه، بقدر ما تراهن على مشروع كتابة يتبناه مؤلفها المهاجر لأنها تنخرط في سياق توظيف التراث في الرواية العربية، كما أن كتابة المهجر تختلف عن كتابة الداخل أحيانا كثيرة، لأن الكاتب المهاجر يعيش غربات كثيرة ومضاعفة.

ومن خلال هذه الرواية نقر أن الكتابة الروائية عملية تبئير سردي موسعة يوجه من خلالها المؤلف الذات المتلفظة أو الراوية في الخطاب إلى مجموعة من الصور، ويثير كذلك جملة من المواقف والقضايا من خلال ما تنتجه العملية الحوارية بين شخصيات الحكاية. والكتابة كذلك موقف من العالم ومن الإنسان، من الوجود، ومن المجتمع.

الكتابة موقف وقضية

الناظر في الرواية يلاحظ في عدة مواضع منها أن مؤلفها يتبنى عدة مواقف مثل تفضيل فكرة “الشعب” عن مفهوم “الرعية”، لأن ذلك الوسم لصورة الإنسان يرسخ الاستسلام والانهزامية والخنوع، بل رفض الحرية، وهو ما نفهمه مثلا مما يتداوله العامة في الرواية بقولهم “مولانا هو الذي يحكمنا، سواء بصوتك في الانتخاب أو من دونه”. كما ينتقد المؤلف على لسان راويه مواقف بعض المؤسسات السياسية بخصوص قضية الحرية في علاقة الحاكم بالمحكومين، ويبين موقفه من “رأس السلطة الحاكمة”.

ومن مواقف الكاتب أيضا إثارة قضية الهوية وفضح جوانب من العوالم النفسية لبعض الشخصيات في الرواية التي تتجاوز صورها الخيالية إلى إثارة صور رمزية أعلق بواقع الإنسان، من خلال نموذج شخصية “الشيخ زبير” الذي أصبح يحس بغربة كبيرة بعد انفصاله عن موطنه وسفره إلى الغرب، فبعد شرب الخمر تقع تعرية العالم الحقيقي لتلك الصورة التي تمثل نمذجة مزيفة لواقع الإنسان العربي.

كما أن تبني خطاب السخرية في رصد حركة الشخصيات في الرواية، أو من خلال نقل أقوالها ومواقفها، أو كذلك تسميتها وتمييزها بألقاب رمزية مثل شخصية الرئيس التي وسمها بـ“الكبير”، لهو دليل على موقف المؤلف. ومن خلال هذا الطرح الفني لصورة الواقع روائيا، نرى أنه لا ينقله أو يحاكيه أو يصور تفاصيله، بقدر ما يفجر أبنيته الداخلية ويكشف هناته وفظاعاته بشكل ساخر، وهذه من أهم مآثر الأدب الروائي، لأن الأدب كما يقول نجيب محفوظ “ثورة على الواقع لا تصوير له”.

تمارس هذه الرواية عبر السرد فعل تعرية ونقد لمجتمعاتنا العربية المعاصرة، بصفة عامة، فكما أشار الكاتب في عتبات الرواية قائلا “عُربانيا بلد مُنفلت عن الجغرافيا”، فإنه مهما كانت امتدادات الجغرافيا فـ”عربانيا” اسم مشتق من الجذر (ع. ر. ب)، لذلك فامتداداته عربية ولغته عربية وهويته عربية في وطن عربي. ومن مظاهر الطرح السياسي في الرواية ما نفهمه من خلال موقف الراوي المتكلم في عدة مواطن من السرد.

أما شخوص الرواية في علاقتهم بالـ”كبير” (الشخصية المهيمنة في الرواية) فهم من يصنعون هذه “الأسطورة المهيمنة” في وعيهم ولا وعيهم بتسويدها ودعم حضورها، حتى أصبحت تملأ الوجود المادي والفكري للمجتمعات التي تحكمها. ومقارنة بالمفهوم الإغريقي للسياسة والمفهوم السائد في المجتمعات العربية، تفضح الرواية كيف تحول هذا المفهوم عن طابعه “الإيطيقي” المثالي إلى طابعه الحاكمي التسلطي والنرجسي.

15